الفصل 6 من رواية أسألك الرحيلا بقلم الكاتبة sweettara

الفصل السادس 💐

زفرت سامية بضيق وهي ترى زوجها يغادر المنزل دون ان يعيرها ادنى التفاتة , رغم انها تنازلت وعادت تشغل مكانها قربه في غرفة النوم الا انه ابدا لم يقدر تلك البادرة التي استنزفت كبرياءها وغرورها كانثى . لم يعد يطيق النظر الى ملامح وجهها , بل تشعر انه ساخط لانها عادت تحتل غرفة نومهما المشتركة , لقد مدت جسور السلام بينهما واتخذت الخطوة الاولى , فماذا عليها ان تفعل بعد ؟ هل تستعطفه ؟ هل تذل نفسها اكثر رغم انه هو المذنب ؟ صدق كاظم حينما قال "يضرب الحب شو بذل "ارتسمت ابتسامة حالمة على ثغرها وهي تتخيل نفسها قد اعدت له عشاء خاصا مميزا على ضوء الشموع مع فستانها بثوب النمر الذي يمثل جلدا ثانيا لصاحبته والذي اشترته مؤخرا لتفقد زوجها العزيز صوابه , اتسعت ابتسامتها اكثر وعيناها تلمعان ببريق شقاوة لما تعتزم القيام به , سنرى ان كان يستطيع المقاومة هذه المرة وتجاهل سحرها الفتاك الذي تنوي استقباله به الليلة . كانت لازالت هائمة بين غيوم حلمها الوردي وهي جالسة على طرف السرير تقوم بعزل الملابس التي تحتاج الى غسيل , رغم وجود الخادمات الا انها وضعت قاعدة اساسية في مستهل حياتها الزوجية : غرفة النوم عرش مملكتها المحرم الذي لا تطاه خادمة بقدميها . كانت تحتضن احد قمصانه , فهذا ما بقي لها منه , تنهم من عبق عطره المميز الذي يسري في حواسها كما النار في الهشيم ليخدرها بنشوة عارمة , تنهدت بسعادة متخيلة صاحب القميص بين ذراعيها لتبعد قميصه وتخاطبه شاكية اياه صاحبه :"هل رايت كيف ان صاحبك ذو قلب متحجر , هانت عليه ساميته واصبح ينام موليا اياها ظهره "كانت على وشك الاسترسال في مناجاتها حينما التقطت عيناها بقعة حمراء على اعلى القميص , قربته من عينيها اكثر لتتاكد من الامر , ويا ليتها لم تفعل ؟؟؟لقد كانت اثر احمر شفاه طبعت بحرفية تامة حتى لاتخطاها عيناها . ارتعاشة كارتعاشة الاحتضار غزت اطرافها وعقلها المشتت يحاول عبثا لم قطع الصورة الصغيرة المبعثرة امامه , تخدر عقلها تماما وتوقف عن التحليل مدركا هول ما هو ات بينما قلبها قفز قفزة من مكانه ليبدا بالخفقان سريعا مسابقا الزمن , نغزة اليمة احست بها تعتصر صدرها وعقلها اخيرا تحرر من حالة الخدر التي اجتاحته , ليرسم صورة واضحة ساطعة سطوع الشمس في يوم صيفي مشرق . تسمرت في مكانها ممسكة القميص الناعم بين يديها نتظر اليه بهلع سكن جوارحها قبل ملامحها , كحية سامة على وشك لدغها , الدموع استعصت عليها . مر وقت طويل وهي على حالتها الجامدة تلك , تحاول ان تجد تفسيرا منطقيا لتبرير وجود البقعة هناك , قلبها الخائن بل قلبه هو , فقد استولى على صك ملكيته منذ خطت قدماها اولى خطواتها في عالم المراهقة , اجل قلبها الخائن يحلل و يبحث عن مبرر وكان الحجة الدامغة بين يديها لا قيمة لها , بينما عقلها الذي شهد له بالرزانة والحكمة اخبرها الحقيقة كاملة بدون تزييف او مواربة , هناك اثر احمر شفاه على قميص زوجها وهذا الاثر لا يخصها , اذن بديهيا زوجها حبيبها شريك عمرها بل قسمة روحها يخونها مع اخرى وتلك الاخرى تبعث لها برسالة واضحة "انا هنا , لم يعد ملكك وحدك , زوجك الذي تفخرين به وبعشقه وهيمانه لم يعد وفيا مخلصا بعد الان , لقد اصبح لي " 

خرجت اخيرا من جمودها الصامت , لتجعد القميص الممدد بين يديها باريحية يستفزها , صرخات متالمة خرجت منها وهي تعتصرته بين راحتيها متخيلة نفسها تعتصر رقبة زوجها وعشيقته , اجل هناك اخرى في حياة زوجها , فقط هي كانت عمياء لالتقاط الاشارات وقراءة العلامات المميزة: نفوره منها , ابتعاده عنها , هروبه بنظراته كلما التقيا وجها لوجه , تململه الواضح وامتعاضه كلما اقتربت منه . اين كان عقلها لتغفل عن هكذا عوارض سطرت على مختلف المقالات التي تناولت موضوع "كيف تكشفين خيانة زوجك ؟" 

صرخات منتحبة جديدة متوالية بدرت عنها وهي تواصل هجومها على القميص 

انها الثقة العمياء في شريك العمر , الثقة في ان هذا الذي قاسمته حياتك واثرت سعادته على سعادتك ابدا لن يطعنك في ظهرك , الا يقال ازرع خيرا تحصد خيرا , اذن اين الخلل ؟ كيف ان هذا الذي ينبض القلب منه وله , هذا الذي سطر صفحات مشاعرك العذراء بكلمات العشق والحب والوله , صفحة خاصة لا يملك شيفرة الولوج اليها غيره , يخون ؟ 

او ربما , هو الغرور الانثوي الذي تملكه كل امراة , والذي يوهمها انها مميزة وفريدة في حياة زوجها وانها غير قابلة للتبديل ابدا . غرور يجعلك تنامين متلحفة بالطمانينة وانت تفترشين صدره كوسادة تسمعين من خلالها دقات قلبه تعزف كموسيقى تتغلغل الى روحك لتاسرها وتجعلها صماء عن كل ما عداها . 

كيف انها لم تفطن الى طبيعته المتحجرة القاسبة قبلا ؟ كان عليها ان تدرك حقيقته منذ ان وقف جامدا امام توسلات اخته وهي تتسوله العون بوجه مدرج بالدماء , تملكتها دوما الحيرة حول ازدواجية موقفه القاسي والجافي من شقيقته وبين فيض مشاعره التي يغدقها عليها بسخاء , كان دائما هناك لغز يدعوها الى حله لكنها فضلت اغماض عينيها عن الحقيقة المطلقة المتجلية بوضوح امامها لكن مراة الحب كما يقال عمياء , كان عليها ادراك ان من تنكر لحب اخته وولائها ونصرتها لا يملك قلبا , وان كل تلك الاحاسيس التي اغرقها بها والكلمات المعسولة مزيفة كزيف صاحبها , وما هي الا واجهة خادعة لانسان فاتر المشاعر قاسي القلب . 

سقطت الاقنعة , وفترت المشاعر وفتح العذاب الباب على مصراعيه ليدخل حياتها ويتربع بقلب روحها كي يعزف سمفونيته الخالدة بعنوان "انتهى الحب "... 

.................................................. ................................................ 

كان الصباح جميلا و منعشا والسراب يبدو بعيدا في الافق افاقت عند اول بصيص ضوء , تشعر بحيوية فائقة كان من المستحيل معها البقاء في الفراش .

جلست على الاريكة البيضاء ذي التصميم الملوكي المذهب في القاعة الكبيرة من الشقة التي استاجرها اياد لهما , عش حبهما كما يحب ان يدعوها , عضت على طرف ابهامها بشقاوة وهي تتذكر مجريات الاحداث السريعة , فما ان عادا من مراكش حتى عرض ان يسرعا زواجهما , من فرحتها استجابت لطلبه دون ان تفكر بالامر , كل ما كان يهمها ان تصبح زوجته , اياد كان يريد اقامة عرس كبير , لكنها اشترطت حفلا خاصا يقتصر عليهما هما الاثنين وهكذا ظل خبر ارتباطهما طي الكتمان , حتى رافت ومنى لا يعلمان بالامر , اخبرتهما فقط انها قررت تمديد عطلتها . وقد تكفل اياد بموضوع المطعم حيث التقطت لهم صور حينما عرض عليها الزواج . هبت واقفة على قدميها لتتامل الاطلالة الرائعة من نافذتها على شاطئ "عين الذئاب" , كانت الارض تنحدر نحو شاطئ رملي مغروس بالاشجاروخلفه تماوجت مياه البحر , كان المنظر الخلاب لانعكاس اشعة الشمس على صفحة المحيط الاطلسي لتلمع مياهه كحبات الذهب الخالص , اجمل ما رات عيناها , زفرت بضيق والعبوس يغضن قسماتها وهي تتذكر ليلتهما الاولى كزوجين , بعد العشاء الرومانسي الذي اعده لهما اياد في هذه الشقة نفسها , اقترب منها بعينين لامعتين ببريق الرغبة , مد يده ليلمس ملامح وجهها بنعومة ويتخلل شعرها باصابعه , رفع وجهها بسبابته لييغمغم بصوت تملاه العاطفة الجياشة 

-لا تتخيلين كم المرات التي تخيلتك فيها بين ذراعي , اريدك ولم اعد قادرا على الصبر 

نظرت في عينيه وهي ترى مشاعره مضطرمة , ومشاعر مماثلة تولد في صدرها قابلتها بالرفض , 

انهى جملته منقضا عليها بمشاعره الجارفة , ولشدة استغرابها , خارت مقاومتها على الفور وتجاوبت مع عناقه . حملها الى دنيا مليئة بالمشاعر الانسانية التي اضنت قلبها , مشت فوق السحاب وهي تمنحه نفسها باستسلام تام . 

-واخيرا اصبحت لي , ملكي 

بالكاد استطاعت ان تستوعب الكلمات التي نطق بها وهي ثملة من لمساته , 

دقت نواقيس الخطر في عقل نور وهي تشعر بالحمالتين تنزلقان , اجفلت على الفور مبتعدة برعب وهي تعي بالادراك الكافي ما يحدث بالضبط , نوبة مضطربة من المشاعر المتخبطة المت بها لترتعش كورقة في مهب الريح , كانت تشعر بمزيج من النشوة و الاضطراب والهلع والغثيان , اجل التفكير فيما كانت مقدمة عليه جعلها تحس بالغثيان , انتزعت نفسها بعنف من بين احضانه الدافئة وهي تبتعد عن السرير معدلة فستانها المتجعد بانامل مرتجفة . اعتدل اياد جالسا و تحت نظراته الغاضبة المفعمة بالعواطف تنفس بصعوبة ثم همس 

-ما الخطب حبيبتي ؟ هل اذيتك ؟هل كنت عنيفا ؟ 

ساد صمت مثقل بينهما للحظات وهي توليه ظهرها بينما تتامل من خلف الزجاج المظلم الليل الذي اسدل ستاره منذ وقت طويل دون ان ترى شيئا وكل ما يشغل بالها مسيرها على حافة هاوية مشاعرها مغمضة العينين , تجاهلها لسؤاله وصمتها البارد دفعا بموجة الحنق والغضب الى الصعود الى السطح لتهشم القشرة الهشة لمشاعر الهدوء والبرود التي كان يمثلها 

-نور انا احدثك 

ثورته المتفجرة وصوته الهادر المبررين بشدة دفعاها لاعتصار عقلها كي تجد بسرعة مخرجا من المازق الذي وقعت به , فهي ابدا لن تشاركه اسبابها الحقيقية , بسرعة البرق تذكرت فيلما عربيا قديما كانت قد شاهدته في حداثة سنها , فتقمصت الدور بحذافيره , ارخت كتفيها بانهزامية وبدات بالنشيج وهي تخفي وجهها الملتهب بيديها المرتعشتين , تحول نحيبها الى شهقات مسموعة , انتفض اياد وهو يغادر مكانه بقميصه المفتوح على مصراعيه بينما علامات الغضب تحولت الى نظرات قلق واهتمام بالغين , ضمها الى صدره مربتا على ظهرها بحنان فيما يغمغم بصوت حنون 

-اوش اوش حبيبتي , انا اسف 

بعد فترة , تمالكت نور نفسها وهي تحاول التوقف عن التمثيل الذي اتقنته ببراعة , رفعت وجها منتفخا ومحمرا من شدة البكاء لتهتف بصوت مبحوح 

-انا اسفة , لم يكن خطاك , انه زوجي السابق , لقد كان يسيء معاملتي , لقد كان... 

تركت جملتها معلقة في الهواء تاركة العنان لمخيلته بانهائها قبل ان تنطلق في موجة بكاء جديدة , دفنت راسها في صدره لتحس بتشنج جسده وعقله يعتمل بصور قاسية تغتال انوثتها في سيناريوهات متعددة تبادرت لذهنه كي يزمجر بصوت حاقد وهادر 

-الحقير , السافل , لم سمحت له بذلك ؟لم لم تشكيه للسلطات ؟ اين اهلك عنك ؟ 

بدت وكانها خسرت كل استقلالها الذاتي وتعلقت به في شكل يائس معتمدة عليه ليمدها بالقوة , 

رفعت راسها مخففة من حدة شهقاتها التي اصبحت حقيقية , مسحت بيديها دموعها الفياضة وهي تقول بصوت كسير 

-ليس لدي اهل , انا يتيمة وهو استغل وحدتي 

تهدج صوتها ثم استعادت رباطة جاشها في صعوبة وهي تتابع بضعف وحقد دفين 

-لم استطع شكوه لانه كان مرموقا وله معارف كثر , حينها لم اكن معروفة حتى استطيع اخذ حقي منه 

ابتعدت عنه وتوجهت الى النافذة من جديد قبل ان تواصل بصوت غلبه الحزن الشديد 

-لقد غدر بي واذلني , رماني الى الشارع الى الذئاب دون ان يرف له جفن 

استدارت تواجهه وقد انتهت نوبة تمثيلها لتقول بنبرة استهزاء 

-هل تعرف ما المضحك في الامر؟ 

قهقهت عاليا بضحكة تهكمية تحمل الكثير من الاسى 

-لقد احببته بكل جوارحي , كان الرجل الوحيد الذي احببته وكان الرجل الوحيد الذي ذبحني ,

ارايت سخرية القدر ؟ 

رمقته بنظرات غامضة قبل ان توليه ظهرها مجددا وتواصل هذه المرة حكايتها بهدوء تام خال من اي نوبة انفعال غير مبالية بنيران الغيرة التي سكنت حدقتيه 

-حينما طردني بعدما اصبحت خرقة بالية لا تصلح لشيء , شيء ما تولد داخلي , احساس بالحرية , كانت لحظة هواني هي نفسها لحظة ولادتي من جديد , لقد خرجت من جدران السجن الذهبي الذي كان يبقيني فيه , لقد تخلصت من سطوته وسيطرته واصبحت حرة , لكن ثمن حريتي كان باهضا للغاية , لقد تركني موصومة به , موصومة بعذابه , صحيح ان الزمن شفى جروحي لكن بقيت هناك نذوب تركت علامات بارزة في روحي , اصبحت اخشى الاقتراب من رجل , كلما ابدى رجل ما اهتمامه بي , اهرب بعيدا مانعة اياه من الاقتراب , الى ان قابلتك انت . في كل مرة تقابلنا فيها حاولت وضع مسافات بيننا , مساحات تضمن سلامي الداخلي , بنيت اسوارا عالية من البرود والجفاء لكن شيئا ما شيئا ما داخل عينيك كان يجذبني ويهد كل اسواري , تعبت من المقاومة وتمثيل القوة الى ان استسلمت كليا رافعة الراية البيضاء . لكن ما حدث قبل قليل ... 

استدارت لتواجهه حينما اصطدمت بصدر صلب احتواها بحنان لم تنتبه متى قلص المسافة بينهما لياتيها صوته العذب بنعومة الريش يهدهدها بينما يداعب وجنتها برقة 

-اوش لا تقولي شيئا , اتفهمك حبيبتي , اتفهم كل ما مررت به , كنت اتمنى لو التقينا اولا 

جملته الاخيرة دفعت برعشة عنيفة الى اوصالها , ليزيد من ضمه لها وهو يربت على شعرها بحنان طابعا قبلة حنونة على جبينها ليردف بصوت اجش 

-ما حدث الليلة لا يهم ولاتفكري به ابدا , لقد انتظرت طويلا كي احظى بك ولن يضيرني ان انتظر بعد , سانتظرك حبيبتي الى ان تقرري انت اللحظة المناسبة , لن افرض عليك مشاعري كما حدث الليلة اعدك , ساكون صبورا , خذي ما شئت من وقت لن استعجلك حبي , هل انت راضية ؟ 

سالها بصوت مرح قارصا ارنبة انفها المحمرة وهو يحاول التخفيف عنها 

رفعت بصرها لتتامله بنظرات يفيض منها الحب والامتنان قبل ان ترفع ذراعيها وتعانقه بقوة , بادلها العناق وهو يردد بصوت مرح 

-ساكون متفهما لكن ليس الى هذه الدرجة فارحميني 

ابتعدت عنه ووجهها يشرق بعلامات ضحكة على الطريق سرعان ما تردد صداها ليشاركها اياد وتبدا الغيوم المخيمة على الغرفة بالانجلاء 

بعد وقت طويل وهما ممددين على السرير الكبير ذي المفارش المطرزة بالاخضر بعدما استعدا للنوم , سالت نور وهي مستلقية بين ذراعيه الدافئتين 

-هل اخبرت ولديك ؟ 

اجاب بصوت يغلبه النعاس بعد احداث هذا اليوم الحافل المحبطة 

-اجل اخبرتهما 

سالته بتوجس 

-و.. 

رد عليها بصوت يتصنع فيه البراءة 

-و ماذا ؟ 

ابتعدت عنه واستندت على كوعها مواجهة اياه ثم 

ضربته على صدره وهي تصيح بحنق 

-اياد لا تتذاكى تعلم جيدا كم ان هذا الامر يؤرقني فلا تلعب باعصابي حك مكان الضربة وهو يتاوه بصوت مكتوم 

-يا الهي انك كومة من الاعصاب , لا احد يستطيع المزاح معك 

جاوبته بنبرة شامتة 

-نلت ما تستحق , لا اظن ان هذا موضوع يحتمل المزاح 

اغمض عينيه وهو يتثاوب متظاهرا بالنوم مرددا بصوت ناعس 

-حسن كنت انوي اخبارك , لكن بما انك قاسية هكذا غيرت رايي , تصبحين على خير 

صاحت بعدم تصديق 

-انت لن تنام وتتركني , اياد اياد 

كانت على اعصابها والرعب يسكنها من ردة فعل الولدين على ارتباطهما , خشيت كثيرا الا يتقبلاها كزوجة اب , كل هذه الدوامة من المشاعر المزدحمة والمضطربة مضافة الى ما مر بها الليلة , جعلها تفقد السيطرة على نفسها لتنفجر في نوبة بكاء حقيقية فاضت فيها ماقيها بدموع سخية تابى التوقف , انفجارها اخرج اياد من تمثيله المستفز ليقفز من مكانه مذعورا ضاما اياها بشدة الى صدره وهو يردد كلمات اسف واعتذار خففت من حدة شهقاتها لتساله من وسط دموعها بترج 

-ها ما كانت ردة فعلهما ؟ 

لم يستطع مقاومة ابتسامة تسللت الى شفتيه وهو يرى منظرها المضحك كطفلة صغيرة اخذت منها لعبتها المفضلة , قبل ارنبة انفها المحمر وتكلم بجدية 

-ريان تقبل الامر بهدوء , وهذه دوما عادته , اما نوران فقد افتعلت حكاية وبدات بالبكاء والصراخ 

لحظات السلام التي سكنت ملامحها بسماعها عن موقف الصبي سرعان ما تبخرت ليتغضن وجهها معلنا عن موجة بكاء اتية في الطريق , اياد الذي استشعر ردة فعلها , بادر بالقول بصوت مطمئن 

-اهدئي حبيبتي , انا لم اكمل بعد , حينما اخبرتها انني تزوجت بك انت , تغير موقفها مئة وثمانون درجة , واصبحت لحوحة لمعرفة موعد لقائكما 

تنهدت نور براحة وهي ترمي بنفسها بين احضانه لتشرق اساريرها بمشاعر حنان حقيقية وهي تتمتم 

-وانا ايضا اتلهف لرؤيتها حبيبة قلبي بل اتحرق شوقا للقائهما معا , انقلبت على بطنها سريعا تواجهه سائلة بلهفة 

-متى ستاخذني لمقابلتهما؟ 

اطلق ياسين ضحكة مدوية وعيناه تغرورقان , بادلته نور ابتسامة بلهاء متسائلة 

-ما المضحك في الموضوع ؟ 

حاول تمالك نفسه وهو يجيب من بين قهقهاته 

-هل تعلمين ان ردة فعلكما متشابهة ؟ امتاكدة انت انكما لستما اختين ؟ 

واصل ضحكه بينما نور تغادرها روحها المرحة ومقلتاها تلبسان ثوب الغموض لتعود للاستلقاء بين ذراعيه متظاهرة باستسلامها للنوم 


.................................................. ................................................

تسللت على رؤوس اصابع قدميها كلص وليس كامراة تدخل غرفة نومها , لتاخذ هاتفه النقال بينما هو في الحمام ياخذ دشا , فتحت قائمة الاتصالات لتجد ان اسم منير يتكرر اكثر من عشر مرات , وكان اخر رقم اتصل به , حدسها الانثوي ارتاب بالامر فضغطت زر الاتصال لتجري المكالمة , لم تنتظر طويلا وصوت انثوي مائع يجيب 

-اهلا حبيبي , هل اشتقت الي ؟ 

اصابها الذهول وهي تسمع باذنيها الصوت الذي قضى على اي امال زائفة كانت لازالت تتوهمها , رغم ما فكرت به ورغم كل الامها , جزء منها منحه فرصة الشك , قلبها الخائن اوهمها بصدقه واستحالة غدره لها لكن الهاتف بين يديها قضى على كل بارقة امل تشبثت بها بغباء , اتاها الصوت من جديد 

-سعيد حبيبي اين انت ؟ 

ضغطت زر انهاء المكالمة ويداها ترتعشان بينما قلبها يحتضر اخر لحظات حبها , هل يمكن للكلمات ان تمتلك نصلا حادا كالسكين ؟ هذا ما شعرت به وهي تسمع اخرى تناديه حبيبي , الغيرة طعنتها بجرح غائر تشك ان يشف يوما , الجرح الذل الغدر الضعف الغيرة الكره الاشمئزاز الاحتقار مزيج اجتمع داخلها ليكون زوبعة تلاعبت بمشاعرها وجوارحها لتعتصر داوخلها اعتصارا احست بصداه يتردد في كل خلية من خلايا جسمها المرتجف بذهول لازال بسيطر عليها , رمت هاتفه من يديها بعد ان اعادته الى صفحته الاولى وقد تجلت لها بوضوح خطوتها التالية , ان كان قد وجد اخرى فهنيئا له , لكنها ابدا لن تبقى لتشهد معالم خيانته كل يوم , سترحل اجل سترحل , توجهت الى الخزانة واخرجت حقيبة كبيرة بدات تملاها بملابسها بطريقة عشوائية غير مبالية بتنظيمها , كانت منكبة على عملها حينما خرج سعيد من الحمام يحيط خصره بمنشفة صغيرة , كان ينوي تجاهلها كعادته عندما انتبه الى ما تفعله , ضيق عينيه وهو يتقدم مواجها لها , زفر بضيق وهو يلمح وجهها الشاحب 

-ماذا تفعلين ؟ 

حدجته بنظرات باردة قبل ان تتابع ما تفعله غير عابئة بالرد عليه 

تجاهلها التام له اخرج العفاريت التي حاول لجمها كل هذه المدة الفائتة لينفجر بغضب اسود وهو يرمي بالحقيبة بعنف مشتتا محتوياتها بالغرفة الشاسعة , كان صدره يعلو ويهبط وهو يزمجر صارخا 

-حينما اكلمك لا تتجاهلينني 

انفجاره الضاري ووحشيته البدائية التي غلفت ملامح وجهه جعلتها تجفل منكمشة على نفسها وهي تبتعد بخطوة الى الوراء ويديها ارتفعت غريزيا لحماية وجهها , فهي ما عادت واثقة من مكانتها في قلبه وايمانها بانه ابدا لن يضرها ذهب ادراج الرياح , والرجل الواقف امامها الان يصرخ متوعدا وصاخبا ليس ابدا زوجها الذي احبته يوما بل انه رجل اخر , رجل غريب عنها انتحل شخصية ابن خالتها . مظهرها الخائف والضعيف ونظراتها , اجل نظراتها بها شيء مختلف , هناك شيء تغير في نظراتها , اضافة انه لمح فيهما الانكسار والذل , هزه ما قرا في صفحة مقلتيها اللتان خفى البريق المشع الذي كانت تخصه به , حاول التعمق في تحليل نظراتها وموقفها المستسلم الجديد الذي لا يشبه ابدا روحها المقاتلة بضراوة وهو يحس بالندم لثورته الجامحة حينما رن هاتفه النقال , كان على وشك تجاهله عندما قرا اسم اغلى الحبايب على شاشته الملونة ليلتقطه بسرعة عاقدا حاجبيه فوالدته ليس من عادتها الاتصال به في هذا الوقت المتاخر من الليل 

.................................................. ...............................................

كانت الغرفة تسبح في فوضى عارمة , تسود المكان الوان دافئة تتدرج بين تموجات الوردي والبنفسجي الرفوف كانت تحمل عددا كبيرا من الكتب والدمى بينما ازدانت الجدران ب"بوسترات "لبعض اشهر المغنيين من بينهم واحدة لنور . تافف ريان وهو يبحث عن مكان يجلس فيه فوق السرير 

-اريد ان اعرف , ما الفرق الذي سيشكله اي فستان تختارينه ؟ 

توقفت نوران عن اخراج المزيد من فساتينها والالقاء بها لتستدير مزمجرة في سخط واستنكار 

-هل جننت ؟ انها نور يجب ان اقابلها بابهى فستان عندي , انها ملكة الاناقة , يجب ان اكون انا الاخرى انيقة فالانطباع الاول مهم 

ثم تابعت عملها وهي تزفر بضيق من جهله , هتف ريان الذي تمدد على جنبه مستندا على يده بصوت واثق 

-لكن حبيبتي تنسين شيئا مهما , انت قد سبق لك وقابلتها في الحفلة اضافة انك لازلت طفلة ونور لن تعقد اهمية كبرى على ما ترتدينه لاستقبالها 

توقفت مرة اخرى عن عملها ثم حدجته بنظرات ساخطة وهي تكز على اسنانها 

-كم مرة علي ان احكي لك احداث تلك الليلة , انا لم اقابلها , لقد لمحتها من بعيد , بابا كان صارما ومنعني من الاقتراب منها 

وسكتت

وهي تعبر الغرفة رامية نفسها على السرير بجانبه غير حافلة بتجعيد فسانينها , تاملت السقف الابيض في شرود وهي تسال بصوت يغلفه الخوف والاثارة معا 

-كيف في رايك ستعاملنا ؟ هل ستكون حنونة ام انها ستشبه هند في لؤمها؟ 

خيم صمت ثقيل على المكان قبل ان يقرر ريان الاجابة عن سؤالها 

-اعتقد انها ستكون حنونة معنا , لا يوجد احد في لؤم هند 

استدارت على جنبها كي تواجهه ثم سالته بجدية بالغة 

وكيف تعرف ذلك ؟ 

نهض من مكانه وتوجه الى ال "د ف دي"باحثا بين اقراصها قبل ان يصرح بنبرة عميقة 

-انهما العينان 

ترك ما بيده ليستدير اليها قائلا بتاكيد 

-قرات في احدى الكتب "العينان مراة الروح ", اخضعت هذه النظرية للتجربة , كنت كلما شاهدت احد معارفنا قمت بتحليل عينيه وقارنتها بما اعرفه عن شخصيته 

استقامت نوران جالسة وقد نبه الموضوع جميع حواسها لتقول بفضول واثارة 

-ومن اخضعت لهذه التجارب ؟ 

ارتسمت على شفتيه ابتسامة فيها مزيج من الشقاوة والدهاء 

-الكل 

صاحت نوران كطفلة صغيرة 

-حتى بابا ؟ 

اتسعت ابتسامته وهو يجعد انفه 

-وبالاخص بابا 

نظرت اليه بانبهار محدقة بعينيه الزرقاوين المشعتين ببريق الذكاء , كانت دائما تفخر به وتثق بحكمه على الامور , حينما كانت تعترضها مشكلة ما او تحس بالكابة كانت تلجا اليه , كان صدره دائما وسادتها حينما تعجز عن النوم , وكان هو دائما من يمسح دموعها , كم من مرة دافع عنها امام تعسف هند ؟ وكم من مرة تلقى عنها اللوم اثر عمل طائش قامت به ؟ تحبه بجنون ولا تتخيل الحياة بدونه , الامر الوحيد الذي تغتاظ منه انه يملك لون شعر والدتهما بينما هي اخذت لون شعر ابيهما , كانت تتمنى لو حظيت بشعر ذهبي كوالدتها الحبيبة . خرجت من شرودها لتقول له بصوت تملاه اللهفة

-هيا اخبرني , ارجوك ارجوك 

ابتسم بحب امام توسلاتها الطفولية وهو يجلس على كرسيها الدوار 

-حسن يا انستي , فلنبدا , احم احم هند : عيناها فيهما شيء من السوداوية حتى حينما تضحك لاتختفي تلك الظلال الداكنة وهذا يشير الى شخصية شريرة تحقد وتكره وتغير بدون سبب 

تاملته بنظرة مستخفة لتقول بصوت ساخر 

-لم تات بشيء جديد , حتى انا التي لا اعرف شيئا عن هذا الموضوع استطيع اخبارك ان هند والخالة ضحى شخصيتان شريرتان 

قاطعها بصوت رزين وهو يتململ في كرسيه 

-هنا انت مخطئة , الخالة ضحى ليست شريرة , نظراتها من النوع المستاء دائما , انها دائما متشائمة , هناك شيء ما حدث لها جعلها تنقم طيلة حياتها , اما الخالة نسرين 

اضاءت ابتسامة مشرقة ثغري الصغيرين في نفس الوقت 

-نظراتها تدل على التفاؤل في كل شيء والتشبث باحلام اليقظة , انها شخص حالم 

صاحت نوران بفضول 

-حدثني عن بابا 

خفتت ابتسامة ريان وهو يشرد قليلا مفكرا قبل ان يصرح 

-نظراته تكاد تخترق رؤوس الاخرين هو يتمتع بالقدرة على تقييمهم ونظراته تصبح مخيفة في حالة الثورة والغضب لكن ... 

توقف قليلا مترددا وعلامات الحيرة تسكنه , حثته نوران المتحمسة لمعرفة قراءته لشخصية والدهما 

-هه لكن ماذا ؟ 

حدق بها بنظرات شاردة بضع ثوان قبل ان يردف 

-في بعض الاحيان تكون نظراته مشوبة بالحزن وتارة بالياس وتارة اخرى بالحقد الدفين , اعرف ان الامر جنونيا لكن ملاحظة بابا استغرقت مني شهورا كي اصل الى هذه الاستنتاجات 

رمقته بنظرات كسيرة وصوتها الحزين يردد 

-هل تعتقد ان الامر له صلة بماما ؟ 

صرح بصوت منفعل 

-بل انا اكيد من ذلك , الا تلاحظين انه لايذكرها ابدا خلال احاديثه ؟ 

نظرت اليه بعيون دامعة تهدج صوتها قبل ان تتمكن من ربط جاشها في صعوبة 

-حبيبي بابا , كان يحبها كثيرا لذلك من المنظقي الا يتحدث عنها فذلك يحزنه 

نظر اليها باستخفاف غير عابئ بحالتها 

-وجدي وجدتي والعائلة باكملها والصور التي لا نتوفر الا على واحدة متهالكة اخذناها بمنتهى السرية وكانها وثيقة حكومية ؟ 

نظرت اليه بحيرة وقلة حيلة تساله التوضيح , كان على وشك الاجابة حينما تنبه اخيرا الى دموعها الغزيرة , لام نفسه وامتنع عن الاسترسال في الموضوع , لقد نسي كم ان اخته الحبيبة هشة وسريعة التاثر فيما يتعلق بموضوع والدتهما , نهض من مكانه عابرا اليها , جلس الى جانبها محتضنا اياها مقبلا اعلى راسها وزفر بصوت حنون 

-لا شيء حبيبتي لا شيء مهم , لنعد الى نور , حسن من خلال صورها واغانيها انا متاكد انها انسانة رائعة وستعاملنا بود 

هتفت من وسط دموعها وهي تبتعد عنه محدقة اليه بخوف 

-وماذا لو كنت مخطئا وكانت امراة شريرة كهند ؟ 

تخلل شعره بيديه مفكرا قبل ان ترتسم ابتسامة شقية على شفتيه 

-لا شيء سيحدث , ببساطة لن يتغير شيء , سيصبح عندنا هند رقم اثنان بالمنزل 

ضربته على صدره وهي تقهقه عاليا ماسحة دموعها 

-انت حقا غير مغقول 

مسحت ماتبقى عالقا بين اهدابها قبل ان تتابع بصوت جدي يكتنفه الحزن 

-انت محق لن يتغير شيء , فنحن لم يسبق لنا ان جربنا حنان الام وان كانت هي شريرة لن يؤثر بنا الامر فقد اكتسبنا مناعة ضد المعاملة الجافة , فهند كانت امهر استاذ احضره لنا والدنا 

انهت جملتها بابتسامة ساخرة دفعت باخيها الى مد يده ولمس وجنتها والتربيت عليها بحنان , لقد دفعهما الزمن الى النضوج باكرا في ظل موت امهما وغياب والدهما وتحكم هند بادق تفاصيل حياتهما ... 


.................................................. ................................................


واطل الصبح بكل اشراقته وطعمت الشمس الزهور بالذهب ملقية ظلالا وردية على السهول البعيدة , تسربت اشعة الشمس الدافئة من شقوق الشرفة لتنير عتمة الغرفة الفسيحة ذات التموجات البرتقالية والذهبية . احست بقبلة تطبع على شفتيها بينما شيء ذو ملمس ناعم يوضع على خدها , تغضنت ملامحها وتاففت بصوت مسموع وهي تعود للاسترسال في نومها , عندها احست بالغطاء يسحب ببطء من عليها , تعكر مزاجها وفارقها النوم , فتحت عينيها مزمجرة بضيق 

-دعني انام لازال الوقت مبكرا 

ابتسم اياد بحنان عابرا الغرفة ليفتح الستائر , حينها زمجرت بغضب وهي تدفن راسها تحت الغطاء 

-هذا ليس عدلا , لقد تاخرت في النوم البارحة 

اتسعت ابتسامته وهو يتجه ليسحبها من السرير 

-قومي ايتها الكسولة كفاك نوما 

حملها بين ذراعيه فتشبتت به وهي تضع راسها على كتفه , غمغمت وعيناها لازالتا مغمضتين 

-قد اقضي العمر كله وانا هنا 

-وانا مستعد لان اقضي عمري كله هكذا 

لم تفهم ماذا يعني ففتحت عينيها متسائلة لتجده يحدق اليها بنظرات حالمة , شعرت بالخجل يختلجها فاخفضت بصرها وحمرة طفيفة لونت خديها , صاح بصوت جياش بالحب 

-صباح الحب 

تمتمت بصوت خافت يقطر نعومة 

-صباح الحب 

تنهد واضعا اياها على باب الحمام , هيا اغتسلي لنذهب 

هتفت بلهفة ناسية خجلها 

-الى اين ؟ 

اجابها بغموض عابرا نحو الباب 

انها مفاجاة , هيا اسرعي انا انتظرك منذ الصباح الباكر 

ملاحظته جعلتها تنتبه الى مظهره الرياضي المتانق , لقد كان جاهزا وحليقا , انه من هؤلاء الرجال الذين يكتفون بساعات نوم قليلة ويحتفظون بنشاطهم , استدارت تدخل الحمام بعجالى كي لا تتاخر عليه اكثر 

-هيا اخبرني اين سنذهب 

سالته بصوت ناعم وهي تسبل برموشها , كان منظرها ساحرا بفستانها الخوخي ذي التقطيعة البسيطة بينما تركت لشعرها العنان ليسترسل بحرية خلف ظهرها , تاملها بنظرات رجل عاشق قبل ان يجيبها بصوت يغلفه الخبث 

-ان اخبرتك لن تبق مفاجاة ويا حبيبتي.. 

غمزها بشقاوة مشوبة بمكر 

-وفري جهودك فهي لن تفلح معي 

رمقته بنظرات نارية قبل ان تشيح ببصرها لتنكب على شرب عصيرها , كانا يجلسان حول طاولة المطبخ يتناولان فطورهما , بعد صمت قصير اجابته بنبرة انثوية بحثة 

-حسن لن تقول انني لم احاول 

اجاب بابتسامة لعوبة على ثغره وهو يضع كاسه على الطاولة 

-لا لن اقول لكن اعدك ان المكان سيعجبك 

كانت على وشك الاجابة حينما صدح رنين هاتفه عاليا في المطبخ , تبادلا نظرات حائرة قبل ان يرد على المكالمة 

لم تفهم نور شيئا مما قيل كل ما استطاعت تبينه ان هناك خطبا ما , لاسيما وان الصفاء والهدوء والارتياح المرتسمة على ملامحه منذ فتحت عينيها قد غادرت الى غير رجعة , بادرته بالسؤال حالما اغلق الهاتف 

-ما الامر ؟ هل الولدين بخير ؟ 

التفت اليها وكانه يعي للتو وجودها الى جانبه , غمغم بصوت مطمئن راسما ابتسامة باهتة على شفتيه 

-الولدان بخير , لا تقلقي انه جدهما 

تحولت ملامحها الى البرود واختفت علامات القلق من قسماتها لتسال بنبرة لا مبالية 

-اه ما به ؟ 

قال بصوت يغلفه القلق والاهتمام 

-لقد اصيب بنوبة قلبية 

ارتجفت يدها الممسكة بالكاس و كادت تفرغ محتوياته على الطاولة لولا انها تداركت الامر بسرعة , اجابت بصوت فاتر 

-يا للاسف , وكيف حاله الان ؟ 

اجابها اياد بنظرات شاردة 

-لقد نقلوه الى المستشفى وتمكنوا من اسعافه 

تاملت نور حزن زوجها بضيق فسالت محاولة تبديد حالة البؤس التي هيمنت عليه 

-الحمد لله , التقدم الطبي اليوم لا يعجزه شيء 

تاملها اياد كما لو كانت من كوكب اخر ليردد في الاخير 

-انت محقة 

شعرت نور بالاحباط من ابتعاده عنها فسالت متظاهرة بالاهتمام 

لابد ان عائلته حزينة الان 

اجابها والضيق يغزو ملامحه 

-اكيد , اسمعي لابد ان اكون هناك , لقد كنت انوي ان اخذك لرؤية الطفلين لكن لابد حقا ان اذهب 

ربتت بيدها على يده وهي تقول بصوت دافئ حنون 

لا تقلق حبيبي , انا اتفهم الوضع , سارافقك 

تفاجا من قرارها فرفع حاجبه حائرا 

-لكن حبيبتي الكل سيكون حاضرا ولا احد يعلم بعد بزواجنا 

اومات براسها موافقة و هي تقول بصوت ناعم 

-ساحضر كصديقة ولن يعلم احد , اعلم ان الوقت غير مناسب لاتشغل بالك حبيبي 

رمقها بنظرات مترددة قبل ان يستسلم ويغمغم بصوت خافت 

-كما تريدين حبيبتي كما تريدين 

ابتسمت له لتكشف عن اسنانها البيضاء التي زادتها تالقا 

.................................................. ............................................


كان مستشفى دار السلام التخصصي شبيها بمنتجع سياحي خمس نجوم , باروقته الواسعة وغرفه الفخمة ومساحاته الخضراء التي تبعث السكينة في النفس 

جلست سامية على المقعد الجلدي بقاعة الانتظار الفسيحة , تحدق عبر الزجاج الى الخارج دون ان ترى شيئا وهي ساهمة في افكارها , كانت قد قررت الرحيل حينما اتصلوا يعلمونهما بان زوج خالتها تعرض لازمة قلبية , طبعا هذا الحدث الجلل اجل كل القرارات التي اتخذتها , ففي مثل هذه الظروف المراة المثالية تقف الى جانب زوجها وعائلته وخصوصا عائلته التي وقفت معها في احلك اوقات حياتها . فعندما توفيت والدتها وغرق والدها في حزنه على زوجته , اخذتها الخالة هناء تحت جناحها وكانت لها اما ثانية , لم تحسسها العائلة ابدا انها فرد غريب عليهم بل احتضنوها بكل الحب الذي يسكن قلوبهم , وهي ابدا لن تكون ناكرة للجميل ستدفن الامها في صدرها عميقا وتتحمل تواجدها معه فقط لترد دينا اثقل كاهلها .

انتبهت الى حركة بالرواق فاستدارت لترى اياد يتقدم منهم في خطوات مستعجلة وقد غلف الهم ملامحه , كادت ان تشيح ببصرها لولا انها لمحت امراة انيقة ترافقه ..انها نور , ما الذي تفعله معه؟ 

................................... 

حاولت نور التسريع من خطواتها لتواكب خطواته لكنه كان اسرع منها فاستسلمت متخلفة عنه , اياد الذي احس بتقهقرها استدار ليمد يده لها , تلقفتها بسرعة مانحة اياه ابتسامة ممتنة 

اجتازا المدخل الزجاجي المتحرك عابرين الى مكتب الاستقبال , ازال اياد نظارته الشمسية قبل ان يسال عن غرفة الانعاش 

انفتح المصعد الكبير على الجناح المخصص للقلب ليقع بصر نور على افراد عائلة الياسي مجتمعة وملامحها توحدها علامات الحزن والقلق , لمحت الحاجة هناء جالسة في مقعد مرتدية جلبابا رماديا مطرزا واضعة منديلا على راسها بينما حملت بين يديها مصحفا تقرا فيه بخشوع تام , كانت تختلف تماما عن المراة المشرقة المتالقة التي راتها في حفل خطوبة ابنتها , ملامحها اكتسبت سنينا فوق سنينها بينما كساها الشحوب لتظهر بمظهر المراة العجوز التي حفر الزمن بصماته بارزة عليها , ياه ؟؟هل يمكن للحزن ان يشوه معالم وجه جذاب كوجه السيدة هناء ؟الاجابة كانت واضحة امامها 

حولت بصرها الى الزاوية لتشاهد نسرين الوردة الندية وقد طالها الحزن ايضا لتنزل دموعها مدرارا وهي بين ذراعي خطيبها الذي كان يسعى جاهدا للتخفيف عنها . الى جانب الحاجة هناء , جلس ياسر والذي رغم شحوب قسماته وتقلصها بسبب الجهد الذي يعانيه من اجل منع مقلتيه من تحرير سراح دموع حبيسة مصرة على النزول , بدا مستكينا وهادئا في مظهره الشاب الانيق . اما سعيد ابنهم البكر , فكان يقف بعيدا متكئا على الجدار فيما يدس يديه داخل جيبي سرواله , وقد ارخى ربطة عنقه , كان شعره مشعثا من كثرة ما عبتت به يداه بينما معالم وجهه يسطرها القلق . العنصر الوحيد الذي بدا غير متاثر بمصير الرجل المسن هو ضحى التي جلست بعيدا عنهم تلهو بلامبالاة بهاتفها النقال , ثم اخيرا حطت نظراتها على سامية , هذه الاخيرة كانت غريبة , كانت كما لو كانت تسبح في عالم لوحدها , فبعد ان رمقتهما بنظرة خاطفة يشوبها بعض التساؤل , عادت الى تامل الحديقة التي على ما يبدو استولت على كل اهتمامها بينما نظراتها غلفها الشرود و ..الحزن العميق . ارادت ان تذهب لمواساتها لكن باي صفة فهما تعرفان بعضهما بالكاد 

-السلام عليكم 

بادرهم اياد الذي تقدم من سعيد مباشرة , تعانق الرجلان بحرارة قبل ان يسال اياد بقلق واهتمام 

-كيف حاله الان ؟ وضع سعيد يده على جبينه زافرا بتعب قبل ان يجيب بصوت حزين 

-انه الان في الانعاش , حالته مستقرة 

سال اياد بحرص شديد 

-الم تعلموا كيف حدث الامر ؟ 

اشاح سعيد ببصره بعيدا وهو يجيب بنبرة غامضة 

-يبدو انه تلقى خبرا مزعجا 

اياد الذي كان يعرف صديقه جيدا لم يفته تهربه من النظر اليه , اداره اليه وساله بتصميم 

-ما الامر ؟سعيد تعلم انه يمكنك ان تخبرني بكل شيء 

حدجه الاخر بنظرات مترددة قبل ان يغمغم بصوت خافت 

-الامر انه .. 

توقف عن الكلام ومشاعر متضاربة تطل من عينيه فيما عليه ان يفعل , الا ان اياد لم يدع له فرصة التراجع عما بدا البوح به فقال بصوت صارم هذه المرة 

-ستخبرني الان عما يجري , لا تختبر صبري سعيد 

النظرة الشبيهة بنظرة صقر مصمم الغت اي مشاعر تردد انتابته ليزفر بانهاك ويقول بصوت اسف 

-حينما وجدوه في المكتب كان يردد .. 

توقف برهة ليعود ويردف بارتباك 

كان يردد اسم ..شهد وحينما كان في الاسعاف ايضا ما انفك يكرر اسمها 

الصدمة الجمت اياد ليعود ببطء خطوة للخلف ويسند جسده الى الجدار و صوت سعيد يتردد صداه في مخيلته كموسيقى روك صاخبة توشك ان تفتك براسه , تخلل شعره باصابعه ضاغطا على راسه راجيا ايقاف ذاك الصداع العنيف الذي الم به بمجرد ان سمع باسمها . انه اسم حرص منذ عهد بعيد على شطبه من قاموسه وعمل بجهد على طمسه من وجوده , لم عليه الان ان يخضع لهذا العذاب ؟ انه اسم مشؤوم لايحمل معه الا الدمار والخراب , انه لعنة تمس كل من نطق به . 

لم تسمع نور الحوار الذي دار بين زوجها وسعيد لكنها 

لمحت كيف ان قسماته تحول تعبيرها من القلق والاهتمام , الى الضيق والحزن والكره , تساءلت عما يمكن ان يجلب كل هذه المشاعر الى صفحة وجه اياد , ترى ماذا اخبره سعيد ؟ تقدمت منه ببطء , لكنه لم ينتبه لوجودها , فوضعت يدها على ذراعه تسترعي انتباهه , وجد اياد صعوبة كبيرة في التركيز على من تقف امامه , ففكره شارد في سبب عذابه وياسه لسنين فاتت , غير ان اللمسة الحانية ليدها الرقيقة والابتسامة القلقة على محياها جعلته يستعيد رباطة جاشه ليمسك بيدها ويرفعها لاثما اياها برقة ودفء كبيرين . كانت حركة يستمد منها طاقة عوض تلك التي فقدها من جراء ما علمه اكثر منها حركة يسعى بها الى طمانتها , لم يعبا اذا ما شاهده احد , ففي هذه اللحظة كان فاقدا لاي احساس بالتصرف السليم  

الفصل السادس ج 2


حالة الحزن والقلق والترقب المخيمة على الاجواء منعت ايا كان من ملاحظة ما يجري بين اياد ونور , فكل لاه في افكاره البعيدة , ما عدا شخص واحد كانت له نظرات كنظرات الفهد المتربص بفريسته وينتظر اللحظة الحاسمة للانقضاض عليها , تاملت ضحى المشهد الرومانسي بصدمة اولا ثم باشمئزاز وقرف وعلامات الغضب والكره تعكر صفحة وجهها الهادئة . تمنت لو انها قامت من مكانها وجرت تلك النور من شعرها , ثم ما لبثت ان حولت بصرها لنسرين لترميها بسهام سامة وهي تعتبرها المسؤولة عن تعارف هاذين الاثنين فلولا دعوتها للغناء بالخطوبة ما استحودت عليه الان , كانت تتحرق في مكانها كي تنقل الخبر الكارثة لهند النائمة في العسل , ابتسمت بشماتة وهي تتخيل نظرات الصدمة والذهول التي سترتسم على محياها حينما تنقل لها النبا , حتما سيكون منظرا يستحق الفرجة .

ابتسامتها اختفت سريعا وهي ترى اياد يمسك بنور ليقربها من الحاجة هناء , ليحل محلها نظرات الحقد والغضب الاسود . لمست نور ذراع الحاجة برقة متناهية لتنبهها الى وجودها فهي تسبح في ملكوت خاص بعيدا عما يجري حولها , التفتت هناء اليها بنظرات منهكة ومتسائلة , للوهلة الاولى لم تتعرف عليها لكن اياد سارع بالشد على يدها مقبلا راسها وهو يقول بنبرة مشوبة بالحنان والمواساة 

-كيف حالك خالتي ؟ لقد اصرت نور على المجيء للاطمئنان عليكم 

زفرت الحاجة بتعب وهي تتمتم بصوت ضعيف بينما تغلق المصحف المفتوح بين يديها

-مادا اقول لك يا ولدي ؟الحمد لله على كل حال , ماشاء الله كان وما قدر فعل , سامحيني يا ابنتي انني بالكاد استطيع التركيز 

انحنت نور مقبلة راسها وهي تشد على ذراعها في حركة مؤازرة بينما تردد بصوت يشوبه الاسى 

-لا عليك يا حاجة , المؤمن مصاب و ان شاء الله يشفى قريبا 

اغرورقت عينا هناء وتهدج صوتها وهي تغمغم بحزن و ايمان بالله 

-يارب يا ابنتي يا رب 

عادت الحاجة الى ترتيلها والخشوع يغلف كل قسماتها لتنسى وجودهما وهي تنهل من اعذب الكلمات واقدسها كلمات الله عز وجل ناشدة فيها الاطمئنان الذي تبحث عنه كل القلوب . تركاها لوحدها وتوجها لياسر ونسرين مهدئين ومطمئنين ليستاذن اياد نورا ليعود بعدها الى سعيد ويؤازره في وقت محنته . وجدت نور نفسها تتوجه تلقائيا الى سامية , جلست بجانبها لتقول بمحبة صادقة 

-مرحبا , ارجو الا يضايقك انضمامي اليك 

انتزعت سامية نفسها من افكارها السوداء التي ما انفكت تعصف بمخيلتها كي ترسم ابتسامة مجاملة وهي تردد 

-لا خذي راحتك 

كانت على وشك العودة الى شرودها حينما بادرتها نور بكلامها 

-لابد انك تحبينه كثيرا ؟ 

ارتفعت نظرات سامية تلقائيا نحو سعيد لتقول بكلمات تحمل الكثير من الاسى وهي تطلق تنهيدة طويلة 

-اجل احبه كثيرا 

تابعت نور طريق نظراتها لترتسم ابتسامة مرحة على شفتيها وتقول بنبرة مشاكسة 

-كنت اقصد زوج خالتك 

نقلت سامية بصرها اليها بسرعة لترمقها بنظرات مرتبكة و خجلة قبل ان تخفض عينيها وتفرك يديها 

-اه انا اسفة , بالطبع احبه كثيرا انه بمقام والدي 

امسكت نور بيديها وربتت عليهما بلطف وهي تخاطبها بصوت حنون 

-لا عليك كنت امازحك فقط انه زوجك ويحق لك ان تحبيه كما تشائين 

رمقتها سامية بنظرات مجروحة منكسرة وهي تتمتم بصوت خافت 

-اجل انت محقة انه زوجي 

تاملتها نور مطولا وهي تبحث بين ثنايا محياها علها تستشف سبب تلك النظرات الحزينة والصوت الكئيب لتسال بفضول عجزت عن كبحه 

-هل انت بخير ؟ 

تفاجات سامية من السؤال لتسحب يديها بسرعة مشيحة بوجهها بعيدا وهي تقول بنبرة محايدة 

-انا بخير شكرا لك 

لاحظت نور بوضوح تغير ملامحها الى الامتعاض والتذمر كارهة ان يكون احدهم استطاع تخمين مزاجها الذي لاعلاقة له بحالة زوج خالتها الصحية فسارعت تقول بصوت يحمل بين طياته الاسف العميق 

-انا اسفة يبدو انني تجاوزت حدودي هلا سامحتني ؟ 

ساد صمت ثقيل بينهما قبل ان تزفر سامية بتعب وتقرر الالتفات اليها 

-لا تعتذري انت لم ترتكبي اي خطا , هل ابدو فعلا بهذه الحالة الرثة ؟ 

منحتها نور ابتسامة حنونة متعاطفة قبل ان تطمئنها 

-لا الكل سيعتقد انك حزينة من اجل حماك , الامر فقط انني اجيد قراءة الافكار واطمئني سرك في بئر 

ثم وضعت سبابتها وابهامها امام فمها لتديرهما علامة السرية , الحركة الطفولية جلبت ابتسامة مستمتعة على ثغر سامية التي بدات بالتخلي عن حذرها 

-ذكرتني ب.. 

توقفت فجاة عن الكلام وقد ادركت انها كانت على وشك ارتكاب هفوة بلسانها فحولت حديثها الى محور اخر 

-ارى انك واياد قد انسجمتما 

ابتسمت نور التي لم يفتها تغيير جارتها الموضوع لتقول بخجل 

-اجل 

استمتعت سامية اكثر وهي ترى نور تحمر خجلا من ملاحظتها فاسترسلت في كلامها وقد ارتاحت لايجادها من يبعد عنها افكارها اليائسة 

-لا بد انك تعنين له الكثير حتى ياتي بك الى هنا 

اجابت نور بارتباك وهي تهرب بعينيها بعيدا عن حدقتي رفيقتها الثاقبتين وهي تزيل خصلة وهمية من على جبينها 

-لا اظن , الامر فقط انه صادف اننا كنا نتناول الفطور معا حينما تلقى الاتصال لذلك اصررت على مرافقته خاصة وانني قد استلطفت عائلتك 

رمتها سامية بنظرات ماكرة وهي تعقب على كلامها 

-صدقيني حينما اقول لك انك مميزة لديه , فبعد رحيل زوجته .. 

بترت جملتها وهي تلقي بنظرة قلقة تجاه نور ثم سالتها بصوت متردد 

-انت تعلمين عن زوجته السابقة ؟ 

ابتسمت لها نور مطمئنة وهي تقول بثقة 

-لا عليك لقد اخبرني انها ميتة 

رمتها سامية بنظرات غامضة قبل ان تكمل بنبرة سادتها السخرية 

-اذن لقد اخبرك عنها , المهم لم يسبق له ان احضر امراة الى اي تجمع عائلي , انا لا اقول انه عاش قديسا بعد زوجته , لكنه ابدا لم يقدم لنا احدى صديقاته 

مشاعر من الغيرة انتابت نور وهي تسمع عن مغامرات زوجها , تعلم ان احاسيسها هذه غير مبررة وقد تزوجته للتو ولا حق لها بمحاسبته على ماضيه , لكن متى كان للغيرة منطق ؟ 

واصلت سامية التي كانت غافلة عن المشاعر المشتعلة التي خلفها كلامها 

-هل تعلمين شيئا , انا واياد وسعيد زوجي وشهد زوجة اياد ترعرعنا معا , ذهبنا الى نفس المدارس والنوادي والجامعات 

قطعت كلامها لتقهقه بشوق وحنين وقد انتقلت ملامحها من حالة البؤس الى الانشراح والتالق 

-تسكعنا معا , لعبنا معا , كنا نفعل كل شيء معا , عشنا حياتنا بالطول والعرض , انا كنت مشاغبة بينما شهد تميزت بطباع هادئة في الوقت الذي اتسم فيه الرجلان بالرزانة , كنا نجرهما الى اماكن ومواقف غريبة . 

كانا يمتنعان عن مرافقتنا ظنا منهما اننا سنجبن لوحدنا , لكننا كنا تنحداهما ليستسلما في الاخير ويرضخا لطلباتنا , كنت دائما ادفع بشهد لتجبرهما على الاذعان لنا فقد كانت تجيد ابتزازهما عاطفيا بوجهها الملائكي , لم يكونا ابدا قادرين على رفض طلباتنا الجنونية , وفي بعض الاحيان حينما كانا يعاندان كانت تلجا للتهديد وكل مرة حصلت على ما ارادت . كانت اوقاتا حلوة خالية من الهموم ولم تكن الحياة بمثل قسوتها اليوم 

توقفت عن الكلام وقد تهدج صوتها , رفعت يدها لتمسح احدى عبراتها المنفلتة لتقول بصوت مخنوق اسف 

-اعتذر انا حمقاء اتحدث لك عن حبيبته السابقة , يا لقلة تهذيبي ؟؟لكن اعذريني لقد كانت اعز صديقة لي ولقد احببتها كثيرا 

ربتت نور على كتفها وهي الاخرى قد اغرورقت عيناها تاثرا بمشاعر سامية 

-لا عليك , كنت اتمنى لو احظى بصديقة مثلك , هل .. 

ترددت برهة لتسال بصوت خجل متامل 

-هل يمكن ان تقبليني صديقة لك ؟ 

تاملتها سامية لوقت طويل وهي شاردة في افكارها ثم قالت بصوت حزين 

-هل تعلمين انني احببتك منذ رايتك اول مرة ؟ الامر لا علاقة له بنجوميتك , احس كما لو اننا نعرف بعضا من زمان , ارتحت بالحديث معك , شعرت انني اتحدث الى صديقة 

ثم ارتسمت على ثغرها ابتسامة مشرقة اضاءت ملامحها لتطرد كل معالم الحزن التي سبقتها قبلا 

-اجل اقبل ان نكون صديقتين 

بادلتها نور ابتسامة مليئة بالعرفان وهي تغمغم بصوت متهدج 

-شكرا لك 

انبتها سامية بصوت حنون 

-لا تشكريني , فانت من يسديني معروفا , انا لا املك صديقات لكن الان وجدت من افضي اليها بهمومي 

.............................. 

تاملت ضحى نورا وسامية وهما مندمجتان في حديثهما متناسيتين مكان تواجدهما او من يحيط بهما , بنظرات تقطر سما زعافا , تناولت هاتفها وخرجت الى الممر , ما ان اجاب الطرف الاخر حتى صرخت بغضب 

-ايتها البلهاء اين انت ؟ ابقي في غفلتك بينما اخرى تسحب البساط من تحتك , كنت غبية وستبقين كذلك 

اتاها صوت يشابه في حدته صوتها 

-ضحى احترمي نفسك , كونك صديقتي لا يعني ان تتجاوزي حدودك معي 

زفرت ضحى بضيق وهي تكاد تحطم هاتفها النقال من غيظها 

-هذا جزائي لانني ابحث عن مصلحتك , حسن كنت ساعلمك بافعال حبيب القلب , لكن بما انك ترين انني اتجاوز حدودي فانا الان ساحاول ان احترم الحدود التي وضعتها لي 

لم تكد هند تسمع كلمة "حبيب القلب" حتى غادرها ما تبقى لديها من درة عقل لتصرخ بعلو صوتها 

-اياد ؟مابه ؟ماذا حدث له ؟ 

ابعدت ضحى الهاتف عن اذنها وقد المتها طبلتها من الصراخ الحاد لهند , وضعت اصبعها في اذنها وهي تزم شفتيها استياء 

-الان بما انني حصلت على كامل انتباهك , فلتحضري الى المستشفى وانت متالقة في ابهى فستان تملكينه, حبيبك العتيد حضر الى هنا متابطا ذراع نور 

اغلقت الخط على اخر كلمة تفوهت بها وشفتاها تتسعان بابتسامة خبيثة بينما عيناها تلمعان ببريق شماتة بهند التي اعادت الاتصال بها فورا , كتمت ضحكة كانت على وشك الانفلات منها وهي تحول الهاتف الى الوضع الصامت 

.......................... 

-حبيبتي تناولي قليلا من الماء 

تاملته بحزن عميق وهي تحاول منع دموعها من الانزلاق مجددا فوق وجنتيها 

انا حقا لا استطيع 

قرب القنينة من ثغرها واضعا يده على ظهرها بينما يقول بصوت حنون مستعطف 

-وان قلت من اجل كريم حبيبك , هل ستردينني ؟ 

رسمت نسرين ابتسامة باهتة على شفتيها وهي تقرب فمها من قنينة الماء المعدني التي يمسك بها , رشفت بضع رشفات بصعوبة كبيرة مرغمة نفسها اكراما له , وضعت يدها مبعدة القنينة حينما حاول كريم دفعها الى شرب المزيد لتقول بصوت مبحوح من كثرة البكاء 


-يكفي ارجوك , لا استطيع ارتشاف المزيد , حقا لا استطيع 

ابعد القنينة راضخا لطلبها وهو يحيط كتفيها بذراعه لتضع هي راسها على كتفه مستسلمة وقد نال منها التعب النفسي الذي جثم بثقله على عواطفها , خيم بينهما صمت هادئ لم يحاول اي منهما قطعه , وكانهما اتفقا ضمنيا على البقاء هناك بدون حراك , مكتفيين بصوت ضربات قلبيهما التي يشعران بها كسمفونية مهدئة تصدح بتناغم متناسق وحد قلبيهما لتكون لغة الصمت ابلغ من الكلام 

.............................................

اتجهت جميع الانظار الى المصعد الذي فتح وبرزت منه هند متالقة في ملابس انيقة ومكياج صارخ كما لو انها قادمة الى سهرة وليس لعيادة مريض في مستشفى , ترافقها خالتها والدة اياد التي كانت امراة خمسينية لم تستطع السنون محو ملامح الجمال عن قسماتها ليبرز الشبه واضحا بينها وبين ابنها . تقدمت الاثنتان من الحاجة هناء بعد ان رحب بهما اياد ثم تنقلتا بين افراد العائلة مواسيتين قبل ان تعود والدة اياد لتتخذ مكانا بجانب صديقتها هناء بينما توجهت هند لتلتصق كالغراء باياد و هي ترمق نور بنظرات سوداء . ابتسمت سامية وهي تلاحظ نظرات الكره التي تلمع بها عينا هند لتقول بصوت مازح 


-احذري , انت الان على القائمة السوداء لهند 

جارتها نور الابتسام وهي ترميها بنظرات متسائلة 

-ولم عساي اكون ؟ ماذا فعلت لها ؟ 

اصطنعت سامية شهقة مستنكرة وهي تضرب براحتها على خدها 

-او لا تعلمين ؟ لقد اعتديت على ممتلكاتها 

هذه المرة انطلقت نور في ضحكة مجلجلة سرعان ما كتمتها وهي تتذكر اين هي لتقول بصوت خافت معاتب 

-حرام عليك , كفي عن هذه الحركات , ماذا ستقول عائلتك عني ؟ 

كتمت سامية ضحكتها هي الاخرى وهي تقول 

-وماذا افعل ان كان الموقف مضحكا؟ 

ناشدتها نور بصوت مترج 

-ارجوك توقفي , لا اريد ان اترك انطباعا سيئا لدى العائلة 

انتقلت ملامح سامية الى الجدية وهي تهمس 

-حسن انصحك ان تحذري منها فهي تعتبر اياد ملكية خاصة 

سالتها نور بحذر 

-واياد ؟ 


ابتسمت سامية فاهمة قصدها من السؤال 

-اطمئني , هو يعتبرها اختا صغيرة له , لكنها خبيثة وتتخذ من ولديه حجة للاقامة معه تحت سقف واحد , الا ان خططها لم تنجح وهاهو اليوم يهتم بك 

شعرت نور براحة تغمرها وهي تحصل على معلومات من مصادر موثوقة , لكنها تعهدت نفسها بالعمل بنصيحة سامية والحذر من هند ثم سالت بتردد 

-وهل علي الحذر من عنصر اخر ؟ 

ابتسمت سامية بخبث 

-ارى انك بدات باستغلال صداقتي , وبما انني طيبة سامنحك البطاقة البيضاء استغليني كما شئت 

بادلتها نور الابتسام وهي تحمر خجلا من تصريحات سامية المباشرة 

-اسفة ان كنت اثقلت عليك 

جاوبتها سامية بابتسامة متسامحة 

-انا امزح معك , ما فائدة الصديقات ان كن لن ينفعن في امر مماثل ؟ على العموم سؤالك وجيه 

ثم انتقلت ملامحها الى الجدية ونظراتها تلمع بتحذير وهي تشير بطرف عينها الى ضحى 

-اقدم لك الافعى الثانية في العائلة , احذريهما معا فهما خبيثتان وابدا لاتامني جانبهما 

تاملت نور الاثنتين بشرود قبل ان تتمتم بصوت خافت 

-نصيحتك على راسي وعيني واعدك انني لن افرط فيها ابدا 

ربتت سامية على ظهرها وهي تقول بصوت مرح 

-شطورة حبيبتي 

التفتت اليها نور لتتبادلا الابتسام ونظرة تواطؤ تتجلى في عينيهما 

................................... 

تامل اياد الجالس الى جانب سعيد نور وهي تضحك مع سامية , كانتا

تبدوان كانهما تعرفان بعضهما منذ زمن بعيد , سهولة تجاذبهما للحديث حركاتهما , كل تلك التفاصيل اعادته الى زمن اخر بعيد , حيث كانت سامية لا تفترق هي وشهد . عند تذكره لهذا الاسم , لعن في سره و منع ذاكرته من الاسترسال في التفكير في هذا المنحى , اعاد النظر الى نور , كانت تبدو منسجمة ومرتاحة , ارتياحها انتقل اليه وهو يلاحظ انها سريعة التاقلم مع افراد عائلته , شيء سيسهل امر ولوجها اليها . خرج من شروده على سؤال هند 

-ما الذي اتى بهذه الى هنا ؟ 

استفسر بحيرة 

-من تقصدين ؟ 

اجابت بغيظ 

-تلك الجالسة قرب سامية 

كتم اياد غيظه من اسلوبها بالتحدث عن نور ليقول بديبلوماسية 

-انها صديقة ولا احب ان تتحدثي عن الناس بهذه الطريقة 

صوته الهادئ لكن الحازم جعل هند ترتبك وهي تقول بتصميم 

-انا اقصد ان الحضور يجب ان يقتصر فقط على المقربين , فعائلة عمي يونس لا تحتاج لغرباء في هذه المحنة 

نظر اليها اياد بتفكير قبل ان يهتف بصوت رخيم 

-نور ليست غريبة , انا من طلب منها مرافقتي , كما انني لا ارى احدا اشتكى من حضورها 

ثم هب واقفا ليمنعها من مواصلة الحديث , توجه الى المصعد وهو يشير الى نور ان تلحق به 

كانا يجلسان في السيارة المرسيدس السوداء المكشوفة امام المستشفى حينما بادرته نور بالسؤال 

-الى اين تاخذني ؟ 

التفت اليها اياد وهو يشغل محرك السيارة 

-الى المنزل , اخشى ان الوقت ليس مناسبا لزيارة الولدين 

خفق قلب نور عند ذكرهما فقالت بصوت هادئ لا يعكس تخوفاتها الداخلية –بالعكس , لازال هناك متسع من الوقت , ارجوك اياد خذني اليهما 

حدق اليها بشك لكنه مافتئ استسلم لنظراتها المترجية ليقول باستسلام 

-حسن كما تريدين حبيبتي 

ثم التفت يقود سيارته مبتعدا عن مقر المستشفى قاصدا فيلته حيث ينتظره الولدان بلهفة 

.................................................. ........ 


كانت الصالة مؤثثة على الطراز المغربي الذي يتخلله بعض النمط الاوروبي لتبدو الصالة بابهى حللها بكنباتها المزركشة مع زربية مغربية ملائمة , اما الجدران فزينت بلوحات زيتية مازجت بين التقليدي والتجريدي , وفي الوسط استقرت طاولة زجاجية بيضوية الشكل وضعت فوقها بعض الاكسسوارات للتزيين 


اخذت نوران تقطع ارض الصالة ذهابا وايابا والقلق والتوتر يسطران صفحة ملامحها , اما ريان فجلس ساكنا على احدى الكنبات رغم بعض القلق الذي برز جليا على محياه . صاح باخته 

-نوران اجلسي , لقد اصبتني بدوار 

شرعت الفتاة تعض على اظافر يدها ثم توقفت لتجيب وهي تتهالك على اريكة مقابلة له

-يا لبرود اعصابك ؟؟كيف تريدني ان اجلس وانا اكاد انفجر من التوتر ؟ 

رمقها اخوها بنظرات حانية قائلا بصوت دافئ 

-هوني عليك انها مجرد مقابلة لا غير , كما انه سبق لك لقاؤها 

اجابته الفتاة بحنق 

-الامر ليس سيان , ثم انا لم اقابلها فقط لمحتها من بعيد اضافة انها الان ستاتي بصفتها زوجة لبابا 

نظر الى عينيها بتصميم 

-اهدئي , خذي نفسا عميقا 

ما كادت نوران تعمل بنصيحته حتى تبادر الى سمعهما صوت تنبيه سيارة ابيهما لتقفز الفتاة مباشرة الى النافذة , رات والدها يساعد نور المتالقة على النزول من السيارة , سارعت نوران بالاختباء وهي تلمح والدها يرفع بصرها , انه دائما ينهيها عن التلصص من النافذة . عادت الى مكانها تتصنع الهدوء وهي في حالة ترقب , اما ريان فلم يتنحنح من مكانه . 

........... 

تاملت نور الفيلا الضخمة المبنية على الطراز الحديث بواجهتها الرخامية , كانت تسلب الانفاس وتنم عن ذوق رفيع لصاحبها . فتح الباب لتستقبلهم امراة ستينية ذات ملامح عادية , رحبت بحرارة باياد ثم استقبلتها بنبرة محايدة , بادر اياد الى تعريف المراتين ببعض 

-نانا اقدم لك نور زوجتي , نور اقدم لك نانا مربية الاولاد 

ابتسمت نور بود للمراة الاكبر سنا بينما بادلتها الاخرى ابتسامة متحفظة , ثم انتقل بها اياد الى مكان الاولاد , تاملت نور الديكور الداخلي باعجاب , وهي تتبع اياد الذي قادها الى الصالة , وقف الولدان فور ان شاهدا والدهما , كانا يبدوان هادئين لولا ملامحهما التي عكست توترهما . اقتربت نوران من والدها اولا وهي تقبله على وجنته ثم تلاها ريان , بعدها التفت اياد الى نور ليحثها على الاقتراب منهم ثم شرع بمهمة التعارف


-حسن ايها الاولاد اقدم لكما نور , نور هذه اميرتي الصغيرة نوران وهذا بطلي ريان 

شعرت نور باحاسيس متضاربة تتقاذف بها , الفرح الخوف اللهفة الحزن , لم تعرف ما عليها عمله فوقفت ساكنة في مكانها وهي ترسم ابتسامة على شفتيها , تقدمت منها نوران وقبلتها على خدها فاضطرت الى مجاملتها 

-مرحبا حبيبتي , كيف حالك ؟ 

اجابت الفتاة بخجل , بخير شكرا لك 

ثم عادت نوران الى مكانها , رفعت نور عينيها الى ريان تنتظر ان يحذو حذو اخته , لكنها تفاجات بنظرات حقد مسلطة عليها , احست بالخوف وهي تراه يمعن التحديق بها , تدخل اياد الذي يبدو انه لاحظ نظرات ابنه ليقول بصرامة 

-الن تسلم على زوجتي ؟ 

تمتم الولد بعبارات غير مفهومة ثم ركض خارجا بسرعة وسط ذهول الجميع , كان اياد على وشك الخروج وراءه حينما استوقفته نور مترجية 

-ان كنت حقا تحبني لا تقل له شيئا يغضبه , ارجوك 

كلماتها المسترجية ونبرتها الناعمة خففت من الغضب الهائل الذي اجتاح اياد ليقول بصوت مطمئن 

-لن اغضبه اعدك فاطمئني 

ارتاحت نور الى كلامه فاطلقت سراح ذراعه الذي احتجزته ليغادر الصالة تاركا اياها لوحدها مع نوران التي بقيت ساكنة في مكانها , ابتسمت لها نور بتردد لتقول بصوت مرح 

-يبدو ان اخاك لم يحبني 

ساد صمت ثقيل بينهما قبل ان تجيب نوران بصوت مفكر 

-عادة يكون رزينا في تصرفاته , لا اعلم ما حل به , لكن اطمئني لا اظن الامر يتعلق بك 

ارتبكت نور وكانها طالبة مدرسة , سخرت من نفسها , ما بالها تخاف هذه الصغيرة ؟ 

-وانت ؟ هل احببتني ؟ 

اجابت الصغيرة بحكمة 

-كفنانة اعشقك , لكن كزوجة اب لا اعلم بعد 

ابتسمت نور من جوابها الصريح لتقول بصوت جدي 

-انت محقة , ما رايك اذن ان نتعارف حتى تقرري ان كنت تحبينني ام لا ؟ 

اجابتها نوران بريبة 

-وكيف نفعل ذلك ؟ 

ردت نور ببساطة 

-ان نصبح صديقتين 

قطبت نوران جبينها في تفكير عميق قبل ان تنشرح ملامحها وتهتف بفرح 

-موافقة 

اشرقت اسارير نور بابتسامة حقيقية وهي ترى تجاوب الصغيرة معها , على الاقل هناك جبهة واحدة كسبتها , اخذت حقيبة يدها واخرجت منها علبتان ثم قالت بصوت حنون 

-هذه هدية صغيرة من اجلك انت واخيك , حقيقة لم اعرف ما احضره لكما فاخترت الشوكولا المفضلة عندي , ارجو ان تعجبكما 

تناولت نوران الهدية بامتنان وهي تقول بحياء 

-اسفة لم احضر لك شيئا 

ربتت نور على خدها بحنان وهي تطمئنها 

-لا عليك حبيبتي , لست ملزمة بذلك , انها فقط لفتة صغيرة مني اردت بها رشوتكما 

ثم غمزتها لتبتسم الصغيرة بارتياح , في هذه اللحظة دخلت المربية الى الصالة ووراءها الخادمة تحمل صينية من العصائر والحلويات , ابتسمت للصغيرة وامرت الخادمة ان تضع ما بيدها على الطاولة قبل ان تنصرف . جلست النانا على الكنبة المقابلة لنور حيث بدات بصب العصير وتقديمه ثم قالت فاتحة الحديث 

-اسفة انني استولي على دورك , لكنني فكرت بما انها اول زيارة لك للبيت سيكون من الافضل ان اقوم بدور المضيفة 

ابتسمت لها نور كي تقول بصوت ناعم 

-لا عليك نانا , هل تسمحين لي بمناداتك هكذا ؟ 

تبادلت المراة النظرات مع نوران قبل ان تقول بصوتها الرخيم 

-اجل يمكنك ذلك , فالكل يناديني هكذا 

سالتها نور بفضول 

-عفوا للسؤال , لكن اسم نانا غير متداول بالمغرب فمن اطلقه عليك ؟ ارتبكت المربية وهي تسترق نظرات خاطفة الى الصغيرة كي تجيب عنها هذه الاخيرة بثقة 

-انها ماما من اطلق عليها هذا الاسم 

ابتسمت نور بوجهها 

-والدتك ذات ذوق رفيع , انه لقب جميل 

تنهدت المربية بارتياح وهي ترى ردة فعل نور لتقول بصوت واثق 

-ومتى تنوين الانتقال الى هنا ؟حتى تتم التجهيزات لاستقبالك 

رشفت نور من عصيرها وامارات التفكير متجلية على جبينها لتشرق ملامحها بابتسامة رنانة وهي توجه نظراتها الى نوران 

-حقيقة لم اقرر بعد , لكن لم لا نسال نوران ؟ها حبيبتي متى تريدينني ان انتقل الى هنا ؟ 

اشعت قسمات الصغيرة بابتسامة واسعة وهي تقول بفرح 

-لم لا تبقين اليوم ؟بما انك زوجة بابا فيحق لك ان تقيمي معنا منذ اليوم 

تفاجات نور من الترحاب الحار للصغيرة , ابتسمت لها بحب وهي تقول 

-طلباتك اوامر حبيبتي , لكن علي ان ارسل احدا ليحضر ملابسي 

هذه المرة اجابتها المربية 

-ليس هناك من مشكلة , السائق يمكنه احضار حقائبك 

ارتبكت نور وهي تقول بضيق 

-الامر انه لم اجمع ملابسي ولا يمكنني ان ادع رجلا يقوم بالمهمة 

حركت نانا راسها بتفهم لتقول بصوت حان 

-انت محقة يا ابنتي , يمكنني مرافقته ان احببت 

انفرجت اسارير نور لتظهر ابتسامة امتنان على شفتيها وهي تردد 

-شكرا لك لقد ارحتني 

بادلتها نانا الابتسام وهي تنظر الى الصغيرة 

-لا عليك يا ابنتي , وكما قلت طلبات نوران اوامر 

تبادل الثلاثة الابتسام بينما لمعت عينا نور بنظرات غامضة وهي ترشف العصير بتلذذ 

ظهر اياد على الباب وعلامات الضيق مرسومة على ملامحه , تناول كاسا ورشفه دفعة واحدة بينما اختار مكانا بالقرب من نور , اعادت نانا ملء كاسه وسط صمت مطبق لم تحاول اي منهن قطعه , انتهى من الكاس الثانية ليقول وقد تسللت بعض الراحة الى ملامحه 

-هذا الولد حقا عنيد لا اعلم من يشبه 

رمقته نور بنظرات خبث وهي تسال ببراءة 

-الا تعرف حقا ؟ 

تاملها اياد بحيرة بينما تبادلت نور ونانا النظرات لتنفجرا في ضحكة مجلجلة ليشاركهما الجميع , سال اياد من وسط ضحكه 

-ماذا ؟ 

تمالكت نور نفسها ثم سالت 

-من تظن ان ريان يشبه والده في عنده فلترفع يدها 

رفعت الثلاثة ايديهن لتجحظ عينا اياد وهو يقول بصوت غير مصدق 

-انا عنيد حرام عليكن , حتى انت يا نانا 

تظاهرت نانا بالجدية وهي تقول 

-الساكت عن الحق شيطان اخرس يا بني 

انفجر الجميع في ضحكات جديدة ترددت في ارجاء الصالة لتقول نور بعدها

-وشهد شاهد من اهلها سيد اياد 

صفى اياد حنجرته ثم قال 

-ارى انكن قد اجتمعتن في حزب ضدي فليكن الله في عوني , هيا نور لاصطحبك 

هبت نوران معارضة وهي تقول 

-لكن بابا نور ستبقى هنا معنا ولقد طلبت من السائق ان يخضر حقائبها وتطوعت نانا لمرافقته 

قطب اياد جبينه بينما الوجوم يسكن ملامحه ليقول بصوت حازم 

-حبيبتي هلا تركتنا لوحدنا انا ونور ؟ 

اطاعت الصغيرة والدها لتخرج من الصالة برفقة مربيتها , انتظر اياد خروجهما قبل ان يبادر نور بالسؤال 

-ما الذي يجري هنا ؟منذ متى تتخذين القرارات لوحدك ؟ كيف تقررين شيئا مماثلا وانا لم اعلم احدا بعد بزواجنا ؟ 

تصنعت نور الهدوء وهي تنظر مباشرة اليه لتقول بصوت ناعم 

-اولا لا احب نبرتك هاته , ثانيا ابنتك من اصرت ان ابقى وفي اول لقاء لنا ماكنت اقدر ابدا ان ارفض طلبها , اضافة كل من في المنزل يعلم اننا متزوجان فما المشكلة ؟ 

رفعت حاجبها الايسر بمكر وهي تساله 

-الا ان كنت انت ترفض وجودي , فهذه مسالة اخرى 

ازداد تقطيب اياد وهو يزفر بضيق وتعب بينما اصابعه تعبث بشعره 

-اسف لنبرتي , الامر ليس كذلك , المسالة ان ريان لم يتقبل وجودك وانا لم اعده لعيشك معنا هنا بعد ووضعه امام الامر الواقع ليس بالفكرة الصائبة , اضافة.. 

توقف عن الكلام وهو يرمقها بنظرات مترددة ليعترف بصوت خافت 

-هناك امر اخر , لم اخبرك بذلك سابقا لكن ابنة خالتي تقيم معنا بالفيلا 

تاملته نور لبعض الوقت قبل ان تساله بريبة 

-كم عمرها ؟ 

هز كتفيه في تصريح لعدم تاكده ليقول وهو يزم شفتيه 

-ثمانية وعشرون عاما ربما 

-اها ولم لا تقيم مع امك ؟ 

جاوبها بصوت هادئ 

-لانها متعلقة بي كثيرا 

مطت نور شفتيها لتسال بوضوح 

-وباي صفة تقيم معك ؟ 

استنكر اياد السؤال ليقول بصوت يمتزج بالضيق 

-ما هذا السؤال يا نور ؟هي تقيم بالفيلا وليس معي 

هبت نور على قدميها وقد بدا قناع الهدوء الذي ارتدته يتصدع 

-هل هي مرتبطة برجل اخر ؟ 

هز كتفيه مجددا وقد ضاق ذرعا باسئلتها الكثيرة 

-على حد علمي لا 

سالته مجددا وهي تصر على اسنانها 

-شابة شارفت على الثلاثين لم لم تتزوج بعد ؟ 

كز اياد على اسنانه وهو يصارع كي لا يفقد اعصابه 

-لا ادري اعلم ان الكثير تقدم لها لكنها كانت ترفض 

عضت على شفتها وهي تغرز اظافرها في راحة يدها لتسال مرة اخرى 

-وباي صفة تقيم معك هنا ؟ 

هذه المرة لم يستطع تمالك نفسه لينفجر في وجهها وعلامات الغضب تسطر ملامحه 

-نور لا تختبري صبري , لقد اجبتك عن هذا السؤال , الم ترمين ؟ 

بادلته نور الثورة بمثلها لتصرخ عاليا هي الاخرى وجسدها ينتفض كله 

-لا اظن انك رجل غبي حتى لا تفهم مرادي , في مصر من غير المسموح لامراة ان تقيم مع رجل ليس ابوها او اخوها او زوجها او عمها او خالها , ها هل تتحقق فيك احدى هذه الصفات ؟ام ان المغرب يدين بديانة غير ديننا ؟ 

تضاعف غضبه وهو يشير لها بابهامه مهددا كي يقول بنبرة صارمة 

-انا لا اسمح لك ان تلمحي ان ابنة خالتي ذات سمعة سيئة , احذري يا نور عائلتي خط احمر احذرك من الاقتراب منه 

رمقته نور بابتسامة متهكمة قبل ان تنحني لتتناول حقيبتها وتولي الادبار , كانت تصارع لتمنع دموعا حبيسة في ماقيها من الانسياب على خديها , لقد دافع عن ابنة خالته كضرغام شرس يدافع عن مملكته بوحشية , ان كان منذ البداية يتحيز لها هكذا فكيف ستكون النهاية ؟ كانت عند باب الفيلا الخارجي عندما احست بيدين صلبتين تمسكان بها من الخلف وصوت خافت يهمس بالقرب من اذنيها 

-انا اسف 

التزمت الصمت وهي عاجزة عن الرد عليه , كانت اعصابها مشدودة فمقابلة الولدين استنزفت كل طاقتها ليفاجاها بامر ابنة خالته 

, هذا كثير ليوم واحد . كرر اياد اسفه وهو يديرها اليه ليقبل جبينها بحرارة وهو يردد 

-لا تكوني حقودة قلت اسف 

حدجته بنظرات عاتبة 

-لقد صرخت بوجهي واستهنت بمشاعري 

اعاد تقبيل جبينها مكررا عبارات الاسف ثم امسك بذقنها رافعا وجهها اليه ليقول بصوت جياش 

-لقد بسنا القدم وابدينا الندم الا يرق قلبك لنا حبيبي ؟ 

لم تستطع مواصلة الغضب منه وهي تسمع عبارات التحبب السحرية تتسرب من ثغره كي تبتسم بخجل ويبتعد هو عنها زافرا بارتياح 

-واخيرا رضت الاميرة عنا 

قالها وهو ينحني مقبلا شفتيها , رفعت نور يديها وابعدته عنها وهي تعاتبه

-ماذا تفعل ؟سيرانا احدهم 

تلفتت بقلق حولها وهي تراقب ان كان احدهم قد لمحهما , اما اياد فكان مستمتعا برد فعلها ليقول بمرح 

-انني اقبل زوجتي فما العيب في ذلك ؟ 

رمقته نور بنظرات حانقة 

-لا اريد ان يتذكر ولداك بانه في اول لقاء لي بهما كنت اقبل اباهما 

ابتسم اياد وهو يربع ذراعيه على صدره 

-ستكون احلى ذكرى 

رمقته بنظرات محذرة 

-ارى انك تخلصت من مزاجك العكر , فلتخبرني بما جرى بينك وبين ريان 

غادر الاستمتاع ملامحه وحل محله العبوس وهو يصرح بحيرته 

-هذا الولد يحيرني , لقد كان دائما محايدا لكن ردة فعله اليوم تعاكس طبيعته الهادئة , وهو لم يرد اخباري بما يعتمل في صدره 

شردت نور بافكارها بعيدا قبل ان تساله بجدية 

-هل يزعجك ان اتولى انا الموضوع ؟ 

نظر اليها مليا قبل ان يردد بثقة 

-لا لا يزعجني 

ابتسمت له ابتسامة جذابة قبل ان تواصل بصوت حازم 

-بما اننا انتهينا من ريان ننتقل الى هند 

اراد اياد مقاطعتها لكنها منعته بحركة من يدها 

- ان تقيم امراة عازبة مع رجل عازب لا يربطهما رابط ديني يخالف الشرع , ثم ان تمتنع هذه المراة عن الزواج وتصر على الاقامة مع رجل فهذا يعني شيئا واحدا .. 

قطعت حديثها حتى ترى تاثيره عليه لتقول بنبرة واثقة 

-..انها مغرمة به , انا لا اقول انكما على علاقة انا اشرح لك موقفها 

انفجر اياد بالضحك بعد لحظات صمت حاول فيها استيعاب ما تقوله له وهو يصفق يديه ببعضهما دلالة على جنون الفكرة ليقول بعدما استعاد انفاسه 

-افكارك حقا جنونية , هند هي بمثابة اختي الصغرى ولا يمكن ان يكون كلامك صحيحا 

رمقته بنظرات مغتاضة 

-لاحظ انني كنت اتحدث عن مشاعرها هي ولم اقصدك انت , ربما انت تراها كاخت لك , لكن مشاعرها هي تعدت الاخوة بمراحل . لنفترض انها تحبك كاخيها واصرت على الاقامة معك على هذا الاساس , لم اذن لم تتزوج الى الان ؟ لنقل انها في السابق كانت صغيرة ولا تفكر لا في الدين ولا في كلام الناس , فما عذرها الان وهي على ابواب الثلاثين ؟كيف تسمح لنفسها ان تقيم مع رجل عازب وتسمح للناس بان تشوه سمعتها الا ان كانت تطمع بالزواج بك وانت طبعا لن تهمك اقاويل الناس ؟ 

تهالك اياد على مقعد حجري قريب وعلامات التفكير العميق تجلت على قسماته , تقطيبة ارتسمت على جبينه بينما عقله بدا يستوعب كلام زوجته ليقول بصوت خافت 

-لكنني دائما اعتبرتها اختا لي وعاملتها على هذا الاساس 

تقدم بجسمه الى الامام وهو يرفع يده ليقول بصوت اراده قويا 

-اقسم لك لم المح لها يوما باي كلام قد يوحي انني افكر بها بشكل مختلف 

سارعت نور الى الجلوس بجانبه والامساك بيده وتقبيلها لتهتف بصوت حنون 

-اصدقك حبيبي واعلم انك ابدا لم تفكر بها كامراة 

نظر اليها بنظرات تائهة كي يهمس بحيرة 

-وما العمل الان ؟انها تقيم معي منذ زواجي 

وضعت جبينها على جبينه ونظرت الى عينيه مباشرة 

-لن نفعل شيئا , المهم انك علمت الان عن مشاعرها لتتفادى في المستقبل اي احتكاك بها , ولتكون على دراية انها ابدا لن تستلطف وجودي وستسعى الى التخلص مني 

ابتعد عنها بسرعة ليقول 

-اذن ساطلب منها العودة للعيش مع والدتي 

قالت وهي تدفن راسها في صدره 

-الامر لا يستحق يا حبيبي , فانا ساعرف كيف ساتعامل معها ولن اسمح لجنس مخلوق ان يبعدنا عن بعضنا 

سالها اياد بصوت مرتاب 

-حبيبتي هل حقا وجودها لن يزعجك ؟ 

رفعت راسها لتطبع قبلة على ذقنه وتقول بغرور انثوي 

-طبعا لن يزعجني فانت لن تترك القمر لتنظر للنجوم 

تاملها اياد بنظرات وله مطولا قبل ان يهمس في اذنها 

-لا لن انظر , الم يقولوا اذا معي القمر مالي وماللنجوم؟ 

ثم اقترب بفمه ليعض حلمة اذنها ... 

.................................................. 

كان الليل قد اسدل ستاره عندما جلست الحاجة هناء قرب سرير زوجها في الجناح الذي نقل اليه بعد ان تعد مرحلة الخطر , تنهدت بارتياح وهي ترى بعض اللون يعود الى وجهه الذي اكتسب شحوب الموتى , صحيح ان جسمه لازال موصولا بالاسلاك الى الاجهزة الطبية الرابدة بقربه , لكن كلام الاطباء المطمئن وخروجه من غرفة الانعاش امداها بالامل وغمر شيء من الارتياح بالها المضطرب ونفسها الموسوسة , تنهدت من جديد بارتياح لتفاجا بالباب يفتح وتطل منه نسرين بابتسامة مشرقةرغم امتقاع محياها

-هل افاق ؟ 

ابتسمت والدتها بحنان 

-فقط لبعض الوقت 

زفرت الفتاة بارتياح هي الاخرى وهي تلج الى الغرفة وتقبل جبين والدها قبل ان تستقر بمقعد قرب الحاجة هناء 

-المهم انه تحدث , فحسب الاطباء انه مؤشر حسن على ان جسمه يتماثل للشفاء 

حركت امها راسها بموافقة 

-ان شاء الله يا حبيبتي ان شاء الله 

........................................ 

-هيا اخبريني بما حدث ؟ 

رمقتها هند بنظرات حانقة وهي تمسك كاس عصيرها بغيض 

-لو ترين كيف خاطبني لمجرد انني ذكرت اسمها 

رشفت ضحى من كاسها وهي تتامل رواد المقهى الذي تجلسان به , كان ديكور المكان عصريا , ومعظم رواده من الشباب . قالت بعد فترة صمت مدروسة 

-بعبارة اخرى انت لم تفعلي شيئا 

وضعت هند كاسها على الطاولة بحدة وهي تكز على اسنانها 

-اقول لك كان يدافع عنها بشراسة 

وضعت ضحى بدورها كاسها بحدة وهي تقول 

-الم اقل دائما انك غبية ؟ وما شانك به؟كان عليك ان تواجهيها هي لا هو ايتها الغبية 

فركت هند يديها بغضب وهي تزم شفتيها 

-كم مرة علي اخبارك الا تقللي من احترامي ؟ وماذا ساقول لها ؟ 

تاملتها ضحى بحنق وهي تزفر بضيق واضعة يدها على خدها 

.......................................... 

ترجلت من السيارة بسرعة والليل قد طرد اخر شعاع لنور النهار , ماكادت تصل الى السلم حتى فوجئت بيد تجذبها الى الخلف مانعة اياها من التقدم , التفتت لتجد سعيدا غاضبا يرمقها بنظرات حادة 

-لم السرعة ؟نحن لم ننه حديثنا بعد 

بلعت ريقها بصعوبة وهي تحس بجفائه وغلظته 

-ليس الوقت مناسبا للحديث , انا مرهقة واحتاج للراحة 

انهت حديثها وهي تحاول التملص من قبضته لكن يده كانت كقطعة حديد , تاملها مليا قبل ان يبادرها بالسؤال 

-لم كنت تحزمين حقيبتك ؟ 

هربت ببصرها بعيدا وقلبها تتسارع نبضاته لتقول بعد لحظة صمت قصيرة 

-اشتقت الى ابي واردت الذهاب لرؤيته 

كانت تعلم ان حجتها ضعيفة وانه لامحالة سيكشفها وسيصر على معرفة السبب الحقيقي , لكنه فاجاها بقبول مبررها بعد لحظة تردد اخفاها ببراعة ليقول بصوت هادئ بعد ان اطلق سراحها 

-ولم لم تخبريني قبلا ؟ام كنت تنوين الرحيل بدون علمي ؟ 

اضطربت من سؤاله لكنها تمالكت نفسها لتقول بصوت يتصنع القوة 

-كنت انوي اخبارك , فمنذ متى كنت اسافر بدون علمك ؟ 

هذه المرة لم تسمح له باكمال الحديث , استدارت وصعدت الدرج بسرعة لتقصد غرفة الضيوف التي كانت قد اتخذتها مكانا لنومها في الايام الخالية , صحيح انها لم ترحل لكنها ابدا لن تعود الى فرض نفسها عليه , لقد اختار النوم بحضن اخرى , فلا حاجة له بها بعد اليوم . اما فيما يخص قرار الرحيل فستنظر في امره لاحقا , اما الان فهي منهكة ولا تفكر الا في امر واحد , النوم 

............................................ 

كانا يتعانقان بلهفة في الصالون الصغير حينما تفاجا بصوت مزمجر يهتف بكره 

-ما الذي يحدث هنا ؟

بقلم sweettara

🏵🏵🏵🏵🏵🏵


  »»»»»»»الفصل التالي«««««««

   »»»»»»»الفصل السابق«««««««

    »»»»»»»العودة للألبوم«««««««









تعليقات