الفصل 7 من رواية أسألك الرحيلا بقلم الكاتبة sweettara

 الفصل السابع ❤

ابتعدا عن بعضهما محاولين ترتيب هنداميهما واحاسيسهما ليستوعبا ما يجري , فهما كانا في دنيا اخرى , في عالم جميل من الاحاسيس والمشاعر الرقيقة , كان اياد اول من استطاع استجماع شتات نفسه ليقول بصوت هادئ رزين وهو يقف شامخا 

-مساء الخير هند , هل هناك من خطب ؟ 

كانت ابنة خالته في حالة هيجان بينما صدرها يعلو وينزل ووجهها احمر من الغضب فيما عيناها تقذفان حمما بركانية 

-اعود الى المنزل واجدك بحضن هذه وتقول ما الخطب ؟ انا التي اسال ما الذي يجري هنا ؟ ان ظنت تلك المغنية ان هذا بيت للدعارة فقد اخطات العنوان 

-ههههههههههههههههههههههههند 

صرخ اياد بصوت هادر اخاف السيدتين على حد سواء , كانت قبلها نور تستمتع برؤية الحنق والغضب على محيا غريمتها 

-لا اسمح لك ابدا بان تتحدثي اليها بهذا الاسلوب 

تطلعت اليه هند بنظرات غير مصدقة 

-اتصرخ بوجهي من اجل هذه ؟ انت لم تفعلها حتى من اجل شهد 

هنا هبت نور على قدميها وبشائر الغضب الاسود تتجمع على ملامحها لتقول بصوت ناعم نعومة الحية 

-حبيبي اياد , نحن لم نعلم ابنة خالتك بمفاجاتنا الصغيرة 

ثم واصلت وهي ترمق هند بنظرات منتصرة متشفية 

-الن تباركي لنا ؟لقد تزوجنا 

ثم امسكت بذراع زوجها وهي تضع راسها على كتفه بدلال بينما خاتمها الماسي الكبير يلمع بشموخ هو الاخر , الصدمة كانت بادية بوضوح على ملامح هند التي بقيت ذاهلة في مكانها غير مصدقة لما سمعته , لكن صمت ابن خالتها وتعلق تلك المراة به اوضح لها ان الامر برمته حقيقي وليس كابوسا ستتخلص منه متى افاقت من نومها . خرجت من حالة سكونها لتركض بسرعة البرق الى غرفتها في الطابق العلوي وهي تجاهد لتخفي دموعها التي خانتها وبدات بالنزول مدرارا على خديها . شاهدتها نور وبسمة تشف مرسومة على شفتيها , استدارت تنظر الى اياد وهي ترسم على ملامحها علامات الضيق والكدر 

-اسفة حبيبي , لم اكن اريد اعلامها بهذه الطريقة , لكنها استفزتني 

حاوطها زوجها بذراعيه مقبلا راسها وهو يقول بشرود 

-لا عليك حبيبتي , كانت ستعرف في مطلق الاحوال 

لم يغب عنها تكدره لما حدث لابنة خالته لكنها تصنعت الجهل وهي تبادره بسؤال مباغث 

-حبيبي هل حقا كنت تنصر ابنة خالتك على زوجتك ؟ 

السؤال انتزعه من شروده ليقول وهو عاقد حاجبيه 

-من اخبرك بذلك ؟ 

اشارت براسها الى المكان الذي كانت تقف فيه ابنة خالته لتقول بصوت ناعم بريء 

-هي لقد قالت ذلك 

هز راسه بضيق وهو يزم بشفتيه 

-ليس الامر كذلك , شهد كانت من النوع المسالم وعرفت دائما كيف تتفادى الشجار مع هند , لذلك لم اكن بحاجة للصراخ عليها قبلا 

قالت وهي تلعب بزر قميصه 

-لابد ان زوجتك كانت رزينة وحكيمة 

حينما لم يجبها اضافت 

-او ربما كانت تحبك كثيرا لتصبر على اذى هند 

نظر اليها اياد بتفاجؤ لينطق بعد برهة تفكير عميق 

-اتدرين ؟ لم افكر قبلا كيف كانت علاقتهما , صحيح ان هند كانت تتذمر دائما من تصرفات شهد لكن امام صمت الاخيرة لم اعر يوما الامر اهتماما 

قالت نور وهي تبتعد عنه 

-ربما كان عليك ذلك , انت لم تحدثني عن زوجتك الراحلة , اعرف ان الامر مؤلم 

اقتربت منه وامسكت بيده لتقول بصوت حنون 

-حبيبي لا تغضب مني , لكنني اريد ان نبدا حياتنا على نور وكل منا يعلم عن الاخر كل شيء , لقد اخبرتك عن قصتي , رغم انها مؤلمة , لكنني ارتايت ان من حقك ان تعرف عنها لان الماضي , مهما كان جارحا يبق جزء منا يحكم حاضرنا , ويؤثر فينا , انه يصنع من نكون , هو بمثابة تاريخ لنا ولا احد يمكنه الاستغناء عن تاريخه مهما حاول 

تاملها اياد وهو يستغرب من هدوئه , فهو بالعادة مايكاد يسمع اسمها حتى يتبخر هدوؤه وينفجر غضبه , لكنه الان يحس بسلام داخلي , افتقده منذ زمن , منذ رحيلها , اجل لقد رحلت اخذة معها كل الاشياء الجميلة التي كانت تزين حياته وتجعلها سعيدة . هل يمكن لانسان ان تكون له كل تلك المكانة في قلب شخص ؟هل يمكن لانسان واحد ان يغير حياة شخص اخر رغم انه قد غادرها ؟ 

انتزع نفسه من افكاره ليبتسم في وجه حبيبته وينهض مادا يده داعيا اياها لتصحبه 

-ساحكي لك , لكن ليس هنا , فلنذهب الى غرفتنا 

بادلته نور الابتسام وهي تمد يدها موافقة على فكرته بينما شعور بالراحة يتسلل اليها وهي تراه لاول مرة يتخلى عن حذره في الحديث عن زوجته الراحلة 

......................................... 

-لا يعجبني امر تمديدها لعطلتها , انها المرة الثانية , انا اشك انها تخفي امرا ما عنا 

تاملها رافت وهو يرفع راسه عن الجريدة بين يديه ليقول بامتعاض 

-يا لحبك للفضول ؟؟الم تدعنا بنفسها الى اللحاق بها الى المغرب ؟اذن لم كل هذه الجلبة ؟ 

ثم عاد للاندماج في قراءة جريدته المفضلة , سحبت منى تلك الجريدة من يده بحنق وهي تقول 

-وانت تنسى انها قالت انها تحضر لنا مفاجاة 

استسلم زوجها لاصرارها وهو يجاريها في كلامها 

-وان يكن ؟ الا تعرفين انها تحب المفاجات ؟ ليس هذا بالشيء الجديد 

تنهدت بضيق وهي ترفع راسها الى السماء في حركة مستنجدة 

-حبيبي هذا كان قبل ان يظهر اياد في حياتنا , انا اشم رائحة شيء مختلف 

رمقها بنظرات ساخرة 

-حبيبتي انت دائما تشمين رائحة شيء مختلف 

رمته بنظرات مستمتعة 

-اعترف ان حدسي يكون دائما صائبا 

اخذ الجريدة من يدها وقال قبل ان ينغمس في القراءة من جديد 

-في هذا انا اعترف انك كيوبيد مع مرتبة الشرف 

ابتسمت منى من تعليقه استندت بذقنها على يدها الموضوعة على الطاولة بينما عيناها تلمعان بحالمية وهي تتخيل نور في الفستان الابيض واياد يحملها بين ذراعيه 

....................................... 

كانت غرفتها في حالة فوضى , فادوات الزينة اصبحت تفترش الارض عوض الطاولة المخصصة لها , بينما المزهرية بجانب سريرها تحولت الى اشلاء منثورة على الارض , اما المراة فتهشمت بسبب زجاجة العطر التي قذفت بها . اما فيما يخص صاحبة هذه الفوضى فلم تكن حالها باحسن من حالة غرفتها , فاناقتها التي دخلت بها اضحت عرسا للالوان , فالاسود والاحمر والاخضر على وجهها امتزجت لتشكل لوحة عات بها مبتدئ ما , لتصبح وحشا يخيفون به الاولاد الصغار بل حتى الكبار , كانت لازالت تولول على حالها حينما رن هاتفها لتلتقطه بسرعة خاطفة وهي تتعرف على هوية المتحدث 

-النجدة يا ضحى , لقد تزوجها 

ساد الصمت على الجانب الاخر من الخط لتعيد كلامها بغضب هادر 

-ضحى انت معي ؟ 

صمت تام اجابها من الجهة الاخرى وقبل ان تعيد سؤالها مرة اخرى اتاها صوت ضحى مستوضحا 

-انا معك , لم افهم , من تزوج من ؟ 

زمجرت هند وهي تبدا ولولتها من جديد 

-اياد تزوج المغنية 

صاحت ضحى بحدة 

-ما هذا الكلام ؟كيف يتزوجها وقد تعرفا للتو ؟ اضافة ابن خالتك قد عزف عن الزواج منذ زمن 

صرخت هند بنفاذ صبر 

-اقول لك لقد تزوجا , لقد اخبراني بنفسيهما بعد ان فاجاتهما يتبادلان القبل في منزله 

صمت ثقيل ساد بين السيدتين ومشاعر حنق وغضب وكره تجمع بينهما , تكلمت ضحى بحقد 

-اللئيمة , لقد بخسناها حقها , انها تعمل بسرعة ولابد انها داهية حتى تجعل اياد يقع في شباكها . لكن اطمئني سنتخلص منها كما تخلصنا من سابقتها 

انهت كلامها بضحكة مجلجلة بثتها كل خبثها 

............................. 

كانت تعيش نفس الكابوس من جديد , الرجل يحاول خنقها واناس يرتدون اقنعة مخيفة يحيطون بهما و يمتنعون عن تقديم يد العون لها , و كالعادة بدات تصرخ بصوت مكتوم وتتصبب عرقا . لكن صراخها الذي ظنته مكتوما كان غير ذلك اذ سرعان ما احست بذراعين يهزانها بينما صوت ينادي باسمها وبصيص ضوء يخترق عتمة حلمها المزعج . فتحت عينيها رويدا رويدا ليقع بصرها على زوجها القلق الملامح والمنحني عليها , استغرقت لحظات طويلة قبل ان تتعرف عليه اذ لجزء من الثانية تمازجت صورته مع الرجل من الحلم ليشكلا شخصية واحدة قبل ان تنفض عنها افكارها المشوشة وصوته القلق يبادرها 

-حبيبتي استيقظي انه مجرد حلم 

تاملته نور للحظات طويلة بملامحها الخالية من اي تعبير على محياها المخلل بحبات العرق دون ان تاتي باي حركة , فسارع الى ضمها الى صدره وهو يردد كلمات مهدئة محاولا اخراجها من جو الكابوس الذي يبدو انه لازال مسيطرا على عقلها , لكنه تفاجا بيدها تدفعه عنها بعنف بينما ارتسمت علامات الخوف على وجهها وهي تنكمش على نفسها لتستدير بعيدا وتدفن وجهها في الوسادات الطرية مولية اياه ظهرها وتبدا في البكاء بصوت خافت . تصنم اياد في مكانه للحظات قصيرة والدهشة تظهر على صفحة محياه من تصرف زوجته الغريب , الا انه سرعان ما تجاوز شعوره وهو يعزو ذلك الى بلبلة افكارها اثر الحلم المزعج . احترم رغبتها بالانزواء بعيدا عنه فغطاها بالشرشف الحريري ثم تمدد الى جانبها وهو يغالب رغبته الملحة في ضمها الى صدره وطرد تلك المشاعر الرهيبة التي استولت عليها ليمنحها بدلا عنها الشعور بالامان والحب الذي يملا قلبه لاجلها 

.............................. 

كانت تنتظره في المقهى المعتاد الذي تعودا اللقاء به , لمحها من بعيد وقد اختارت طاولة منزوية , حث الخطى واسرع اليها وابتسامة مشرقة تنير ملامحه 

-مرحبا حبيبتي , هل انتظرت طويلا ؟ 

التفتت اليه راسمة ابتسامة باهتة وعيناها يغيب عنهما ذاك البريق الذي الفه فيهما ما ان تلمحانه , شعر بالقلق وهو يرى ملامحها الذابلة فبادرها بالسؤال 

-بسمة حبيبتي ما بك ؟ 

انشغلت بتامل يديها المتشابكتين على الطاولة قبل ان ترد بصوت متوتر 

-هناك من تقدم لخطبتي 

تبدلت ملامحه الى البرود وهو يهتف بصوت حاد 

-وان يكن ؟ 

رفعت بصرها ليه لتقول بصوت اكثر حدة 

-انت لا تفهم , انه عريس بمواصفات مثالية اضافة انه ابن عمي 

قال كازا على اسنانه 

-وبما انه عريس بمواصفات مثالية , ماذا تنتظرين ؟ ولم انت هنا ؟ 

حدجته بنظرات جريحة وهي تقول وكتفاها قد تهدلتا بتعب وياس 

-انا اصف لك العريس بعين اهلي , ولو كنت حقا اريده ما رايتني اجلس معك الان 

ثم اشاحت ببصرها بعيدا عنه حتى لا يلمح الدموع المتجمعة على اعتاب ماقيها , احس ياسر بالندم لتسرعه في الحكم عليها , تنهد بضيق وتخلل شعره باصابعه قبل ان يمسك بيدها بين راحتيه , حاولت التخلص من قبضته لكنها لم تستطع , تمتم بصوت اجش 

-انظري الي 

لم تطاوعه وعاندت ليهتف من جديد 

-حبيبتي انظري الي من فضلك 

زفرت بضيق ثم وجهت نظرها اليه 

-تعلمين اني احبك بل اعبدك , ان اسمع ان هناك عريسا جيدا من وجهة نظرك اطاح بعقلي , ضعي نفسك مكاني , ماذا لو اخبرتك ان هناك عروسا مناسبة لي , كيف ستكون ردة فعلك ؟ 

زفرت بضيق مرة اخرى 

-افهم ما تعنيه , لكن لا زال هناك مشكل علينا حله , فيما مضى كان ابي يرفض فورا العرسان الذين يتقدمون لخطبتي بحجة انني لازلت صغيرة على الزواج , اما الان فانا اراه متحمسا للموضوع . اخاف كثيرا ان يغصبني فهذا ابن اخيه 

قبل يدها ثم استرسل بصوت هادئ لا يعكس بركان المشاعر المضطربة داخله 

-انت تعلمين عن حالة ابي الصحية , لو كان الامر مختلفا لطلبت منه خطبتك , لكن في ظل هذه الظروف اطلب منك الصبر . الان ارفضي واذا ما حاول غصبك عندها لكل حادث حديث 

............................................... 

-اذن حبيبتي , الن تخبريني عن الحلم الذي رايته ؟ 

ارتبكت نور وهربت ببصرها بعيدا متظاهرة بتمشيط شعرها 

-انه مجرد كابوس وانا لا اتذكر معظمه 

رمقها بنظرات قلقة متهمة 

-لا بد انه كان مروعا حتى جعلك تنزوين في جانب السرير 

اضطربت من ملاحظته فمشطت شعرها بعنف غير مدركة للالم الناتج عن ذلك 

-انت محق لقد كان مروعا 

تتبع اياد حركاتها العصبية فرحم حال شعرها الذي عذبته بضرباتها العنيفة فعبر الغرفة ليمسك يدها القابضة على المشط ويوقفها عن الحركة بينما يضمها اليه بحنان وهو يهمس بحب في اذنها 

-لا عليك حبيبتي , لقد انتهى الامر 

استكانت نور بين احضانه وتنهدت بتعب وما هي الا لحظات قصيرة قبل ان تسترجع قوتها وتتمتم بصوت ناعم 

-انا لا زلت انتظر 

قطب اياد جبينه متسائلا وهو لا زال يحتجزها بين ذراعيه 

-تنتظرين ماذا حبيبتي ؟ 

ابتعدت عنه قليلا ونظرت مباشرة الى عينيه لتقول بحزم 

-ان تروي لي ما حدث مع زوجتك السابقة 

حدجها زوجها بنظرات غاضبة سرعان ما اختفت لتحل مكانها اخرى متعبة ومثقلة بالهم زفر بضيق , ابتعد عنها و 

جلس مهدل الكتفين على حافة السرير الكبير في غرفة نومه الفسيحة بديكورها العصري ذي اللون الاسود , بينما جلست نور على الاريكة المقابلة للسرير وهي تتظاهر بالهدوء في الوقت الذي تغلي فيه من داخلها وهي تترقب متى يبدا زوجها بكشف الستار عن حياته قبلها . اخيرا رحم اياد حالها و قرر الكلام بملامح مظلمة ونظراته شاردة بعيدا وقد عادت به الذاكرة الى ست سنوات مضت 

-كنا اسعد زوجين ... 

انصتت اليه وهي تتامل ملامحه , احساس بالعذاب عصف بقلبها وهي ترى الحزن محفورا على صفحة وجهه التي اخذت تتلون بانواع الالم , الم مماثل حفر عميقا في داخلها , ضغطت يدها على قلبها تحاول ان تسحق تحت قبضتها الوجع الذي وصل حد الانفجار . من مكانها شاهدت حزنه يتحول الى غضب قاتم اظلم قسماته وهو يسترسل في سرده لقصته , لم تحاول الدنو منه ولم تفكر في مواساته بل لم ترد ان تفعل . كانت حكايته كالهوة السحيقة التي تفصل بينهما , تابعت روايته مواظبة على ملاحظة كل تفصيل دقيق على وجهه فرات كيف ان الغضب انتقل الى مشاعر حقد شوهت اساريره الوسيمة ابدا . قبعت في مكانها فوق السرير وهي متقوقعة على نفسها كان القصة قصتها وكان الجرح جرحها . 

رفع بصره نحوها ليرى ردة فعلها على ما اخبرها , كان ينتظر منها دراما من نوع ما , لكنه فوجئ بنظرات فولاذية كالصخر , وملامح لا تعبر عن شيء . كان شاكرا لتمنعها عن الكلام , فهو في هذه اللحظة يحتاج الى الهدوء , يحتاج الى الوحدة . لو لم تكن قد شاركته الامها قبلا ما كان خاض في الماضي وجراحه , ما كان ابدا غاص في الوحل الذي مرغ حياته , يكفي ان تلك الذكريات لازالت تلقي بظلالها على حياته وحياة ولديه , فلا يحتاج ان يعلنها على الملا . صمت ثقيل ران على المكان بينما كل منهما تائه في دوامة افكاره التي اخذته بعيدا , اي منهما لم ينتظر كلمة من الاخر كما لو ان الصمت كان ابلغ من الكلام , كل واحد منهما اخذ يحدث الاخر مناجيا اياه بنظرات قالت الكثير عما يختلج في الصدور واعينهما تحدقان في بعضها . 


فجاة رن هاتفه الخلوي الذي بدا كموسيقى روك صاخبة ناقضت الهدوء المسيطر على المكان, ليقطع ذاك الحديث الهامس بينهما , انتزع نفسه من دوامة الافكار المتضاربة ثم اجاب دون ان يلقي بالا لهوية المتحدث , كان يرحب باي شيء من شانه ان يخرجه من تلك الافكار السوداء التي تتقاذفه 

-مرحبا من معي ؟ 

-....................... 

-الان ؟الامر مستعجل لهذه الدرجة ؟ 

-.......................... 

-نعم ساتي فورا 

وضع يده على السماعة ثم تقدم من نور وقال بصوت اسف 

-اعتذر حبيبتي , سعيد يريدني في امر طارئ , لا تنتظريني ساتاخر 

لم يترك لها الفرصة لقول شيء ما , قبل جبينها وغادر على عجالى , ما ان اصبح خارجا حتى قال لمحدثه 

-اسف سعيد , كنت في موقف محرج واتخذتك مبررا للتخلص منه , انا مشغول الان ساتصل بك لاحقا 

ثم انهى المحادثة ليركب سيارته المرسيدس وينطلق مسرعا , لم يعرف اين يتوجه , لكن سرعان ما وجد نفسه على شاطئ البحر , في مكانها المفضل . كانت منذ صغرها تقصد هذا المكان متى ما وجدت نفسها حزينة او غاضبة , كانت تطلق عليه اسم "جنتي على الارض". ابتسم للذكرى وهذه اول مرة يتذكرها دون ان يتعكر مزاجه, جلس على الرمل وصوت الامواج الغافية تداعب الحصى والصخور فتعطي موسيقى منعشة في ذلك المساء , راى نور المنارة في حركته الدائرية لارشاد السفن , فكر انه في امس الحاجة الان لمنارة تنير طريقه وسط افكاره المبلبلة . تامل المحيط الممتد امامه واخذ نفسا عميقا , لتملا رائحة البحر الصافية رئتيه ويشعر براحة لذيذة تتسلل الى اعماقه . كانت حركتها وهي من علمته اياها , وكانت محقة فهذه الحركة تخفف من همومك وتمنحك شعورا من الراحة والسكينة .

عاد بافكاره الى الحاضر , نور , ابتسم من جديد وهو يتذكرها , هي امراة غريبة , تصر على معرفة ما حدث مع زوجته . لو كانت اخرى في مكانها , لرغبت ان تبقى ذكرى زوجته السابقة طي النسيان , اما نور فتبحث وتسال ولا تخشى المنافسة من زوجته السابقة . يعشقها بجنون , ربما لانه اراد ان يمحو بها ذكرى حبه لشهد , فالمراتان متناقضتان . زوجته الاولى كانت شقراء بعينين زروقاوين , ذات طبع مسالم وعقل راجح , تبحث دائما عن السلام , لا تحب الشجارات والتعقيدات , تعشق البساطة , ملابسها تعدل عليها دائما وتضيف لمساتها الخاصة , منزلها , الوجبات التي تحضرها , ببساطة هي تصنع الجمال في كل موضع تمسه يدها . اما زوجته الحالية , فتختلف عنها قلبا و قالبا , فهي تمتاز بشعرها الاسود وعينيها العسليتين , ذات شخصية قوية مشاكسة عصبية , لا يخيفها ان تثير غضبه , بل يمكنها ان تقوم بالشيء فقط لتغيظه , لا تخيفها الشجارات والتعقيدات , وان قررت امرا فانها لن ترتاح الا اذا قامت به , ذوقها صعب واختياراتها متانقة بعيدة عن البساطة . احب الاثنتين , كل منهما استطاعت ان تستولي على قلبه ومشاعره , لكن حبهما يختلف من واحدة لاخرى , فحب شهد زرع نبتته وسقاها ورعاها لسنوات طويلة قبل ان يجني الثمار . اما حبه لنور فكان عنيفا مباغثا , كان من نوع اخر , كان حب رجل ناضج مكتمل الرجولة قد راى من النساء الوانا . لا يمكنه ان يرجح كفة اي منهما على الاخرى , فكل منهما يشكل جزءا منه , من قلبه وكيانه . تبادر الى نفسه سؤال حيره , ترى لو كانت شهد معه الى الان , هل كان ليتاثر بنور ؟ ابتسم بسخرية من نفسه وهو يستلقي على ظهره مفترشا الرمال الذهبية بينما عيناه تسمرتا على الثوب الاسود الممتد امامه المرصع بحبات الماس من كل الاحجام . كان المنظر اسرا امامه , استمتع به وهو يقوم بمحاولة عد النجوم , ليتوقف في منتصف عمله ويزفر بضيق , بعض العادات لا يمكنها ان تغادرنا حتى لو غادرنا اصحابها , لقد كانت شهد من تستلقي على ظهرها محاولة عد النجوم , كان دائما يستمتع بمشاكستها والسخرية من عملها , لكنها ابدا لم تلق بالا له وكانت تواصل العد وحينما ينجح في خربطة حساباتها , كانت تعيد العد من جديد . لكنها لم تعد هنا الان , لقد رحلت وتركت فراغا كبيرا وراءها . لقد حاول بشتى الطرق نسيانها , غير ان صورتها كانت تعود دائما اليه , تكتسحه بجنون وتابى المغادرة . لقد حاول محوها من وجوده , تخلص من جميع صورها , غير المكان الذي جمعه بها وانتقل للاقامة بفيلا اخرى , بل انه وصل الى حد منع الجميع من ذكرها امامه . لكنه كان مخطئا , ذكرياتها لم تكن فقط تسكن المكان او تتردد على لسان من عرفوها , لقد كانت محفورة في داخله وتسكن ثنايا روحه . ورغم مرور كل هذه السنوات , صورتها لازالت حاضرة بقوة في حياته , انها تلك التفاصيل الصغيرة التي نتشاركها مع من نحب , قد لا نعيرها اهتماما لكنها تحفر في اعماقنا وتباغثنا بين اللحظة والاخرى . ومما اكتشفه انه لازال يشتاق اليها , يشتاق الى لحظاتهما معا , اجل رغما عن كبريائه الجريحة وغروره الرجولي , يعترف بان حبها لازال منقوشا على صفحات قلبه 

زفر بضيق وهو يعترف لنفسه بحقيقة مشاعره , هب جالسا من المفاجاة , اجل انه لازال مقيدا بحبها لازال قلبه الغبي ينبض من اجلها . امسك راسه بكلتا يديه وكانه بهذه الحركة سيطرد تلك الافكار التي اخذت تزحف اليه وتعري احاسيسه بعدما جاهد لسنين كي تظل طي الكتمان . هب واقفا على قدميه وهو يشتم ويركل كومات الرمال امامه متخيلا وجهها , مازال قلبه يحترق بنيرانها رغم انه رماها خارج حياته .. 

............................................... 

ارتدت روبها وتسللت الى غرفة ريان , كان الولد ينام على بطنه بينما راسه مخبا تحت الوسادة , ابتسمت لوضعه هذا الذي ذكرها بوالده , يبدو ان هذا الشبل من ذاك الاسد , اغلقت الباب بروية ثم انتقلت لغرفة نوران لتلقي عليها نظرة , بعدها عادت الى غرفتها وهي تتساءل عن ساعة وصول زوجها . مسرحية المكالمة المستعجلة لم تقنعها , عرفت انه اتخذها ذريعة للمغادرة , اذ يبدو ان تذكر الماضي قد زعزع ثقته بنفسه , لم يعد ذاك الاياد بعنفوانه وجبروته , لم يعد ذلك الرجل ذا السطوة والنظرات الثاقبة, لن تنس ابدا نظراته التائهة او شروده اثر انتهائه من سرد احداث ما جرى بينه وبين زوجته , لقد بدا كما لو انه رجع ست سنين الى الوراء , ظهر بمظهر من عاد ليعيش من جديد تلك القصة وليس مظهر من يحكيها . اعتلت ملامحها قسوة شوهت جمال اساريرها وهي تتذكر ما حكاه لها عن زوجته الراحلة , لمعت نظراتها بالتصميم لتاخذ هاتفها وتطلب رقما معينا اجابها صاحبه على الفور 

-مرحبا حبيبتي , واخيرا تذكرت صديقك الوفي 

ضحكت بغنج قبل ان تجيب 

-مرحبا يا عزيزي , لقد اشتقت اليك كثيرا 

-يا لك من كاذبة , لو كنت كذلك لاتصلت بي 

ابتسمت وهي تتامل اظافرها المطلية باتقان 

-من يسمعك يقول اننا لم نر بعضنا منذ دهور 

اتاها صوته الذي لا يخلو من المرح 

-ماذا افعل ان كنت اشتاق لك كثيرا ؟ 

اجابته بصوت اسف وهي تجلس امام مراة الزينة الكريستالية 

-انت تعلم ان مشاغلي كثيرة فاعذرني ارجوك 

-اعلم ان الفن مهنة متعبة فليعنك الله , والان اخبريني عن سبب هذه المكالمة المفاجئة 

قهقهت عاليا وهي ترد عليه بينما تلاعب خصلات شعرها 

-دائما تكشفني 

ثم تحولت لهجتها الى الجدية لتعتدل في جلستها وتغادرها علامات المرح وهي تردف 

-احتاج الى مساعدتك هل يمكنك لقائي غدا ؟ 

اجابها بسرعة ونبرته تنم عن قلقه من جديتها المبالغة 

-بالطبع حبيبتي , طلباتك اوامر , فقط حددي الزمن والمكان 

اغلقت هاتفها و ابتسامة انتصار تلوح على شفتيها بينما عيناها تشعان بنظرة قاسية وهي تتامل صورتها المنعكسة في المراة


🏵🏵🏵🏵🏵🏵


  »»»»»»»الفصل التالي«««««««


    »»»»»»»الفصل السابق«««««««


    »»»»»»»العودة للألبوم«««««««









تعليقات