الفصل 5 من رواية أسألك الرحيلا بقلم الكاتبة sweettara

  الفصل الخامس 

ميلاد حب واندحار حياة


المفاجاة الجمت لسانها ومشاعر الحنق اختفت كانها لم تكن ابدا لتحل محلها مشاعر الذهول , فغرت فاها وهي تحدق به كالبلهاء لا تعلم ما اصابها . كانت لازالت تمسك بالميكروفون في يدها والذي وضعته بينهما كي يكون حاجزا بين جسديهما , وحينما اطلق اياد قنبلته التي هزت كيانها تردد صداها في جميع جنبات المطعم ليحل هدوء قاتل المكان والكل يترقب جوابها . لم يكن اي من الاثنين واعيين للعيون الفضولية التي تراقب ادنى حركاتهما فليس كل يوم يشهد المرء عرض زواج على فنانة مشهورة . رمقها اياد بنظرات تحمل الكثير من الصبر والتفهم , يعلم جيدا انها لم تكن ابدا مهياة لهكذا موقف , اذا كان هو نفسه لايزال غير مصدق لاندفاع مشاعره , صحيح انه كان يخطط لعرضه الزواج عليها الليلة ولكن ليس بهذه الطريقة . راقب مشاعر المفاجاة والحيرة والضياع تمر تباعا على صفحة وجهها كصور تعرض على الشاشة بالالوان , منحها بضع دقائق ليكرر عرضه عليها . امام استمرار صمتها المحايد , ارتفعت اصوات بجانبهما تصيح بصوت واحد 


-نعم نعم نعم 


كانوا يهتفون ويشجعون كانهم بمقابلة وليس بعرض زواج شخصي 


صخب الهتافات التي هزت الارجاء انتزعها من المشاعر المتخبطة التي استولت عليها منذ اصغت اذناها لعرض الزواج المفاجاة , انتبهت اخيرا لمن يحيطون بهما لتتخبط مشاعرها اكثر وهي تعلم انها محط انظار الجميع في موقف مماثل , احمرت وجنتاها بلون قرمزي لتدفن راسها بخجل في صدر اياد , الذي كان مستمتعا من مجريات الاحداث ومساندة الحضور له ليرفع يده شاكرا ومحفزا لهم , قال بصوت ماكر والكل يسمعه 


-حبيبتي , الكل ينتظر وانا معهم , هل ستخذليننا ؟ 


زادت نور من التشبث بجلابيته والخجل والحرج يسيطران عليها , كيف بحق السماء انقلبت اغنية شاعرية الى فوضى عارمة من المشاعر المختلطة والهتافات الصاخبة ؟ ماكانت ابدا لتصدق ان يكون عرض الزواج عليها عرضا مسرحيا يحضره اناس لم ترهم قبلا , كيف استطاع تحويل لحظة بمنتهى الرقة والشاعرية والخصوصية الى عرض جماعي يهتف فيه كما يهتف للاعبين في وسط الميدان ؟في نفس هذه اللحظة من تخبطاتها ودوامة الاحاسيس التي تتلاعب بها , وكانه شعر بها , زاد اياد من ضمه لها ليسري احساس كصاعقة كهربائية مجمدا كل الافكار المشككة والخيالات السوداوية لينتقل شعور بالدفء مباشرة الى قلبها كشعاع نور يبدد عتمة كل زاوية او شق من كيانها لازال مترددا او مرتابا من القرار الذي سطع كشمس مشعة في سماء قلبها المتلهف . رفعت بصرها عن حضنه لتلتقي عيناها بعيني الزوجة الشابة التي غنت لها , كانت عينا هذه الاخيرة تشع من الحب والفرح وهي تتكئ على ذراع زوجها باعثة لها برسائل صامتة تحثها على القبول لتنعم بالحب مثلها , اومات نور براسها وهي تحول نظرها الى ذاك الذي طال انتظاره , نظرت اليه عميقا وملامح وجهها الجامدة لاتدل على شيء قبل ان يشرق وجهها بابتسامة رائعة كالقمر المضيء ثم تردد بخجل 


-نعم 


هذه المرة المفاجاة كانت من نصيب اياد فهو ابدا لم يكن واثقا من موافقتها , اذا كان يامل في قبولها فقد شكك من امكانية حدوث ذلك بعد ان وضعهما في موقف محرج باندفاعه , استغرق ثلاثين ثانية بالضبط ليستوعب اخيرا جوابها بالقبول كي يضمها اليه بشغف رافعا اياها عاليا , والفرحة تسطع في كل انش من قسماته . الحضور لم يبخل عليهما بالهتاف والتصفيقات الحارة وكلمات التهنئة بينما سطعت اضواء الفلاشات في الاجواء , اما المطعم فعمد الى تقديم مشروبات وحلويات مجانية بالمناسبة لمشاركتهما فرحتهما . 


بعد جنون اللحظات الخالدة في ذاكرة كل من حضر الليلة , غادر اياد ونور المطعم تحت التصفيقات الحارة والتهليلات وكلمات التهنئة والتمنيات بالسعادة الدائمة . قادها اياد مباشرة الى جناحه مستغلا حالتها المضطربة , ماان دخلت , حتى توجهت الى الثلاجة الصغيرة , اخرجت منها عصيرا باردا ارتشفته دفعة واحدة ثم توجهت الى اقرب كنبة لترمي بنفسها عليها زافرة بقوة 


-يا لها من ليلة ؟؟؟ 


اخرج اياد له شرابا باردا هو الاخر قبل ان يرتمي بجانبها وهو يردد بخبث 


-من الف ليلة وليلة 


حدقت اليه مطولا بنظرات غامضة قبل ان تتحول الى اخرى غاضبة وهي ترميه بالوسادة الصغيرة على وجهه 


-لقد تعمدت الامر , لم احرجتني بهذا الشكل ؟ 


قالتها وهي تهجم عليه بيديها الصغيرتين , استقبلها اياد بابتسامة ظفر واستمتاع وهو يراها تخرج عن جمودها ويشهد لاول مرة شخصيتها الجامحة . سرعان ماكبل يديها لتصبح محتجزة بين ذراعيه , توقفت تماما عن الحركة وهي تعي المازق الذي رمت نفسها فيه , شعرت بانفعالاتها تتضخم داخلها ووجهه ينفث انفاسا حارة وملتهبة على وجهها الشاحب واللاهت , رفعت بصرها اليه لتفاجا بعينين تلمعان بجوع ولهفة اليها , كان صدره يعلو ويهبط في محاولة للسيطرة على هيجان مشاعره , قال بصوت اجش 


-ليس انني اتذمر ولكن اعلم انك غير جاهزة لذلك من المستحسن ان.. 


اكمل العبارة باشارة من راسه تعني الابتعاد عن بعضهما , تنفست نور براحة وهي تشكره في داخلها لانه يحكم السيطرة على مشاعره احسن منها . هذه المرة جلست بعيدا عنه , زفرت بضيق وحاجباها يلتقيان في تقطيبة حادة 


-مازلت غاضبة من الطريقة التي عرضت بها علي الزواج , لا اصدق 


رمقها بنظرات متسلية وحاجباه يرتفعان بمكر 


-لكن اعترفي ان الامر كان رومانسيا 


صاحت بحنق 


-بل قل ان الامر كان كفيلم هندي عتيق 


استوى في جلسته وعيناه تلمعان ببريق الانتصار 


-احلى فيلم شاهدته بحياتي مع العلم انني اكره الافلام الهندية 


عيناها كانت تقذفان حمما بركانية سوداء لو اصابته لاردته قتيلا على الفور , اختفت التسلية من ملامحه وهو يصرح بجدية غلفت قسماته 


-اعتذر ان الامر قد صار بهذه الطريقة , المسالة فقط ان المايك اللعين الذي كان بين يديك هو ما جعل لحظتنا الحميمة تتحول الى عرض جماعي 


لانت ملامحها من تصريحه هذا وتابعت كلامه بجدية مماثلة متشوقة لما سيقوله , اردف مستطردا وهو يتخلل شعره بيده 


-لقد تخيلت الامر بشكل مغاير تماما وخططت لان اهديك الخاتم في نهاية السهرة , لكن لا تجري الرياح بما تشتهي السفن 


غضنت تقطيبةكبيرة صفحة جبينه , ليرق قلبها متضامنا معه , هتفت بصوت ناعم وهي تتمنى محو تلك التكشيرة من على وجهه 


-اين هو ؟ 


نظر اليها والحيرة تطل من عينيه ليهتف متسائلا 


-عفوا ؟ 


قالت بتاكيد واثق 


-الخاتم , انت لحد الان لم تعطني الخاتم ام تراك غيرت رايك ؟ 


الابتسامة الماكرة ذات الغمازتين التي يعشقها لاحت على شفتيها لتشرق اساريره بدوره وهو يستوعب كلامها , لم يرد على سؤالها , بل مد يده الى جيب سرواله الفضفاض واخرج صندوقا مخمليا اسودا , ثم نهض من مكانه ليركع على ركبتيه امامها ممسكا يدها , فتح الصندوق ليخرج خاتما من الماس رائع التصميم ذي حجر ابيض كبير مربع الشكل يتكون من عدة فصوص يعكس الاضواء , ليدسه ببطء حول بنصرها وهو يرفع بصره لينظر مباشرة الى عينيها اسرا اياهما بسطوته وهو يردد بصوت اجش 


-هل تقبلين ان تكوني شمسا تدفئ ليالي شتاء حياتي ؟اتكونين لحنا عذبا يتردد صداه على مدى عمري ؟هل ترضين ان تصبحي زوجتي على سنة الله ورسوله حتى يفرق الموت بيننا ؟ 


تطلعت اليه وعيناها مغرورقتان بالدموع بينما تشرق ملامحها بابتسامة مشعة , خنقتها العبرة فلم ترد الا بهزة من راسها تعلن موافقتها , زفر اياد بارتياح وهو ينحني مقبلا يدها بشغف قبل ان ينتقل للجلوس بجوارها دون ان يغفل لحظة عن الاستمرار في اسر نظراتها بعاطفته الجياشة , مد يده ومسح دمعة تسللت خارج ماقيها قبل ان يطبع قبلة دافئة مطولة على جبينها سال بعدها وقد وضع جبينه على جبينها وهو لازال محدقا بها 


-هل انت سعيدة ؟ 


رمشت بعينيها محاولة التخلص من العبرات اللاصقة بين اهذابها قبل ان تقول بصوت مبحوح دافئ 


-اجل 


علق على كلامها بمرح 


-وانا سعيد بسعادتك يا عمري 


ابتسمت بحياء وهي تخفض نظراتها , لينهرها اياد بقوله 


-اياك ان تخفضي بصرك , دعيني اتامل سحر عينيك , اه من هاتين العينين , لقد كانتا السبب في ذلي وعذابي , انهما كغابتي نخيل وقت السحر , حينما انظر اليهما اضيع في غياهبهما , انهما تسكرانني بلا خمر , لو اقضي عمري كله انظر اليهما ما مللت يوما ولا اصابني الضجر 


.................................................. ..............................................


تامل سعيد موظفيه يغادرون مكتبه بعد الاجتماع المغلق الطارئ الذي دعاهم اليه , فتاخرهم في استلام بعض الشحنات اثار القلق , خاصة وان مبلغ الشرط الجزائي كبير جدا . توجه بنظره الى سكرتيرته التي كانت تجمع فناجين القهوة , كانت شابة في نهاية العشرينات , متوسطة الجمال بعينيها البنيتين وشعرها الاشقر المصبوغ , لكنها تملك بالمقابل جسدا بمنحنيات مثيرة ملفتة للنظر , ويبدو انها على دراية تامة بهذه المعلومة , فهي لاتنفك تختار ملابس ضيقة تبرز بوضوح مفاتنها , مما قراه من ملف توظيفها انها مطلقة . يستغرب عزوبيتها للان فهو يشك انها لم تتلق عروضا للزواج بعد طلاقها , فمما يراه من النظرات التي يرمقها بها موظفوه , يستنتج انها تثير اهتمام الكثير منهم . تامل خصلة شاردة على جبينها , وتمنى لو يقوم باعادتها الى مكانها . انتفض بعنف من الفكرة الجامحة التي حطت على افكاره فجاة , ما هذا الهراء ؟ كيف يفكر بهذه الطريقة ؟ الفتاة امامه من شهور ولم تستطع جاذبيتها ابدا ان تطيح باسواره العالية , فما الذي تغير الان ؟طبعا انه يعلم ما الذي تغير , في السابق كان محصنا بفضل حب حبيبته واهتمامها به , اما الان فهو يعاني الوحدة القاسية وهي تعامله بجفاء او بتعبير اصح , يعاملان بعضهما بجفاء , يعاملان بعضهما كالغرباء , كرفيقي سكن وليس كزوجين ربطت بينهما اعوام من المحبة والالفة واللحظات السعيدة . كل منهما يتفنن في ابعاد الاخر بعجرفته وغروره , كل منهما يبني حوله اسوارا عالية من الكبرياء الغبي . انه في الاخير مجرد رجل تحكمه العواطف تسيره الغرائز , وطبيعي في اوقات كهذه ان يضعف امام انثى تجعل اغواءه هدفا لرمايتها . لا ينكر ان زوجته تحاول استقطاب اهتمامه ومصالحته , لكنه لا يستطيع ان يغفر كلامها واتهامها اياه بظلمه لشهد , شهد بؤرة جرح متاججة , جرح لم يندمل ابدا وهي بكلامها كمن صب الملح فوق هذا الجرح , انه غاضب منها اشد الغضب , لولا انه سيطر على تاجج مشاعره الثائرة لكان خنقها بكلتا يديه , انه غاضب منها الى حد الرغبة في قتلها وغاضب من نفسه اكثر لجبنه وخذلانه شهد ... 


.................................................. .............................................


-مرحبا حبيبي 


حيته بعد ان دلفت داخل السيارة 


سلم عليها بقبلتين على وجنتيها مستغلا الفرصة ليستنشق عبير عطرها الفواح 


-مرحبا حبيبتي 


سالته بفضول 


-كريم قلت ان الامر مستعجل 


نظر اليها مضيقا عينيه وقد عقد حاجبيه باستهجان 


-الا يمكن للرجل ان يرى خطيبته الا ان كان الامر مستعجلا ؟ 


ارتبكت من ردة فعله الجدية عن اللزوم لتخفض بصرها وتقول بتلعثم 


-انا لا اقصد , لكنك حين خابرتني بدا لي الامر كما لو انك تريدني في امر بالغ الاهمية 


نظر اليها بخبث وهو يصرح بصوت اجش وقد تخلى عن دوره الجدي الذي تقمصه قبل لحظات 


-رؤيتك هو امر بحد ذاته بالغ الاهمية بالنسبة لي 


زفرت بخجل وهي تردد بصوت يغلفه الدلال 


-كريييييييييييييييييييييييم 


تنهد مطولا وهو يرفع بصره للسماء داعيا 


-يا صبر ايوب 


ثم رماها بنظرات حاقدة 


-ما هذا الزمن الذي لا يمكن ابدا للخطيب فيه ان يعبرعن اعجابه لخطيبته ؟ امتاكدة انت انك لست وراء المكائد التي يدبرها لي ياسر حتى لا انفرد بك ؟


لم تستطع نسرين كتم ضحكة خرجت مجلجلة من بين شفتيها وهي ترى غيظه الذي غضن ملامحه , قال لها بنبرة مهددة 


-اضحكي انت اضحكي , لكن تذكري ان مردك لي حبيبتي وعندها.. 


فرقع سبابته بابهامه وهو يرفع يده عاليا 


-لن ارحمك تذكري وعدي هذا 


ردد جملته الاخيرة وهو يلاعب حاجبيه بمكر , تهديده لم يلق ردة الفعل المرجوة عند انسانة اقصى ما تتمناه ان تكون تحت رحمته 


قال بعد لحظة صمت وهو يوقف سيارته امام فيلا صغيرة ببناء عصري 


-حسن احد اصدقائي يريد شراء هذه الفيلا وطلب مني رايي فاحببت اصطحابك معي هلا تفضلت بالنزول؟ 


ابتسمت له بحب وهي تترجل من سيارته البيضاء الرياضية 


ما ان دلفا للداخل حتى صرخت نسرين من الاعجاب 


-واو انها رائعة بل مذهلة 


ركضت كالطفلة الصغيرة الى النافورة الصغيرة المحاطة بالاشجار , كانت تشبه بحيرة استوائية بشكلها الحجري ونوع النبات المغروس حولها 


-انظر لروعتها 


قال بصوت شارد 


-اجل انها رائعة 


كان كريم ماخوذا بمنظر اخر اسر قلبه ولا علاقة له بالنافورة ابدا , انتزع نفسه من سير افكاره ليقول بصوت يملاه الحماس 


-انتظري حتى نصبح بالداخل 


اقتادها عبر درجات حجرية مرصعة بمصابيح كروية الشكل بينما تحف جنباتها حديقة غناء جمعت اجمل الورود واعبقها , فتح الباب الخشبي للفيلا ليظهر امامهما ردهة فسيحة مطلية باللون الذهبي بينما الارض رصفت بالرخام , كانت هناك درجات تقود مباشرة الى صالون كبير نقش سقفه بالارابيسك , بينما يوجد على اليمين صالون اصغر منه حجما غطت جدرانه بالورق المصبوغ باللون الشكلاطي ذي الاشكال المتعرجة , اما على اليسار امتد مطبخ فسيح بخزائن خشبية وطاولة رخامية , كان المطبخ حقا حلم كل ربة بيت محترفة , اما فيما يخص غرف النوم فقد احتلت الطابق الاول مرفقة بصالون ومطبخ صغيرين . كانت نسرين فاغرة فاها من جمالية الفيلا التي اذهبت لبها , شاهد كريم اعجابها هذا بعين الرضى والارتياح , سالها مستمتعا بتصرفاتها الطفولية 


-حسن ما رايك ؟ بم انصحه ؟ 


اطرقت براسها مفكرة وهي تحك حاجبها الايسر قبل ان تصدمه بقولها غير المتوقع 


-اخبره الا يشتريها 


هذه المرة كان الذهول من نصيبه هو وهو يردد كالابله 


-اخبره الا يشتريها ؟ لكن كيف ؟اعتقدت انها اعجبتك 


رمقته بنظرات عازمة 


-لانها اعجبتني اوصيك بالا يشتريها 


زفر بحدة وهو يكاد يفقد صوابه من لاعقلانيتها 


-كيف اعجبتك ؟وكيف لا يشتريها ؟قولي كلاما مفهوما 


زفرت بتعب وهي تراه عسير الفهم 


-قل له الا يشتريها كي نشتريها نحن 


استغرق كريم لحظات قبل ان يستوعب كلامها , علت جبينه تقطيبة وهو يسالها بصوت حاد


-لكن الا يعتبر هذا غشا ولا يمت للاخلاق بصلة ؟


ارتبكت نسرين وطاطات براسها بينما الدم تدفق غزيرا الى وجهها وهي تقول بصوت خافت


-عذرا انت محق لقد اخذني الحماس و..


رحم كريم حالها وهو يراها تجعد تنورتها ليطلق العنان لضحكة مجلجلة 


-يا لك من لئيمة ؟؟ وانا الذي خدعت بمظهرك البريء , الرجل يطلب راينا وانت تريدين الاستحواذ عليها لنفسك


قالت بصوت متذمر وقد اغاظها هزؤه منها 


-انا لست لئيمة لكنه هو الغبي , من يجد تحفة مثل هذه يخفيها عن الانظار ويحتفظ بها لنفسه 


تابعت ملامحه وجهها المتورد وهو لازال مستمتعا باغاظتها , قادها الى وسط الفيلا وسالها باصرار 


-هل انت متاكدة من انها اعجبتك ؟ 


زمت شفتيها بامتعاض وهي تكتف ذراعيها امام صدرها 


-وما نفع ذلك ان كان صديقك هو من سيحصل عليها ؟ 


سعل مجليا صوته وهو يخبرها بصوت ماكر 


-حسن نسيت ان اخبرك تفصيلا صغيرا , الفيلا ليست لصديقي 


استدارت بسرعة ترمقه وبشائر الامل ترتسم على محياها 


-هي لمن اذن ؟ 


رمقها بنظرات ذات مغزى وهو يصرح بصوت اجش 


-انها لنا , عشنا الصغير انا وانت , مارايك ؟ 


ما ان ترجم عقلها شيفرة كلماته حتى قفزت صارخة من الفرح كطفلة صغيرة حازت للتو لعبتها المفضلة 


-رائع مذهل لا اصدق لقد وقعت في غرامها من اول وهلة 


قال كريم بصوت اجش 


-وانا وقعت في غرامك منذ اول وهلة 




.................................................. ............................................


حاج يونس , هناك رجل يطلب رؤيتك 


اخبرته سكرتيرته بصوت عملي 


رد عليها بصوت حازم دون ان يرفع بصره عن الاوراق المكدسة امامه 


-هل لديه موعد ؟ 


اجابت بارتباك 


-لا سيدي , لكنه يقول انك ستستقبله فور ان اعطيك بطاقته 


اخيرا ابتعد عن الملفات ليلقي نظرة فضول على البطاقة التي قدمتها له السكرتيرة , تغيرت ملامح وجهه الضجرة لاهتمام كبير وهو يامرها بصوته الرخيم 


-ادخليه فورا 


نهض من مقعده وهو يرمق الباب بلهفة , رحب بالرجل الاربعيني ذي الطقم الاسود وهو يشير له بالجلوس الى المقعد المجاور 


-تفضل سيد حسن 


لم يكد الرجل يلتقط انفاسه حتى بادره الحاج مستعجلا 


-حسن ما الاخبار ؟ 


حدجه الرجل بنظرات غير مريحة وهو يبتلع ريقه بصعوبة 


-حسن نحن التحريين نبذل كل ما في وسعنا وطاقتنا حتى نلبي رغبات الزبون 


ازدرد حسن ريقه من جديد وهو يرى تقلص ملامح الحاج وحركاته النافذة الصبر ثم اردف متابعا 


واحيانا ننجح واحيانا اخرى لا نتوفق 


قاطعه الحاج بغضب يستعر داخله وهو يوشك على الانفجار 


-هل تحاول ان تقول لي انك تحر غير كفؤ وقد فشلت في مهمتك ؟ 


تحولت قسمات التحري من الاضطراب الى الوجوم من الاهانة الموجهة له 


-ما احاول ان اقوله لك , حسن تبا مهما كانت الطريقة فالنتيجة واحدة , يؤسفني سيدي ان ابلغك انه من خلال المعلومات التي توفرت لي وجدت ان ابنتك ..قد فارقت الحياة منذ سنوات عدة 


احس الحاج يونس كان قلبه قد ضيع ايقاعه ليتخبط في ضربات عشوائية صاخبة وقد شحب لونه , سال بصوت مخنوق , بينما اصابعه تحاول فك ربطة عنقه التي احسها في هذه اللحظة كقيد يحاول خنقه 


-ميتة ؟ هل انت متاكد ؟ انها لازالت صغيرة , لا يمكن ان تموت , لابد ان هناك خطا ما 


تامله حسن واقفا وهو يحرك راسه يمينا وشمالا شفقة على الرجل المضطرب امامه , رغم كل ماله وثروته الا انه يقف عاجزا امام تسييرات القدر فحتى قارون نفسه لا يملك من نفسه شيئا امام سطوة الموت 


-لقد بحثت جيدا سيدي وانت تعلم اننا نتحرى الدقة والصدق في معلوماتنا , الاسماء متطابقة والعمر وتاريخ الازدياد , ليس هناك خطا واحد , لقد احضرت لك رقم القبر واسم المقبرة 


كلام التحري قضى على اي بارقة امل تبادرت الى قلب الرجل الكهل ليعلو صدره ويهبط بانفاسه الضعيفة وهو يمسك بقلبه الذي بدا ينتفض من هول الصدمة التي تلقاها للتو , فاي قلب قادر على احتمال فقد فلذة كبده , اخذ نبضه يتلاشى وقلبه العليل يحتضر حدادا على ابنة كانت اغلى من الروح 


, اغلى من الحياة . استرخى الحاج على مقعده وهو يحس بشبح الموت يطرق بابه وبان ساعته قد ازفت فانسلت من بين شفتيه حروف حرم على شفتيه من سنين نطقها بينما دمعة يتيمة تدحرجت على خده راسمة اخدودا بين ملامح وجهه التي اعلنت الحداد 


-شهد شهد شهد ...


بقلم الكاتبة sweettara


🏵🏵🏵🏵🏵🏵




  »»»»»»»الفصل التالي«««««««




    »»»»»»»الفصل السابق«««««««




    »»»»»»»العودة للألبوم«««««««











تعليقات