الفصل الواحد والثلاثون ❤
... عند هذه النقطة انسلت المذكرات من يدي اياد لتسقط ارضا بينما كانت يداه ترتجفان وعقله في حالة صدمة مما كان يقراه , حبيبته , زوجته , ام اولاده س... لم يستطع ان يفكر بالامر حتى , لم يكن بمقدوره التخيل بان معشوقته قد تكون لاخر , ان يتمتع رجل غيره بنعومة ملمسها ودفئها ورقتها , لا لا يستطيع .
كل ليلة عاشها بعيدا عنها يتخيلها بين احضان غيره يسكنه غضب اسود وتتقاذفه افكار قاتمة تحول بينه وبين النوم , ليقضي ليال بيضاء بعدد شعرات راسه . قام من مكانه ليرتشف كوبا من الماء يرطب به حلقه الجاف قبل ان يقرر ان من حقها عليه ان يكمل مذكراتها للنهاية , انه مدين لها بذلك , مهما كان ما يوجد بين دفات ذلك الكتاب جارحا ومدميا لقلبه . تناول الكتاب المرمي على الارض بعزم ليجلس من جديد ويواصل من حيث توقف
...مراقبة يديه تفتح السحاب كانت كافية لاخرج من حالة الذعر التي جمدتني في مكاني واركض باقصى سرعتي مغادرة المكان دون ان التفت ورائي . توقفت عند المشرب غير عابئة بالنظرات الفضولية من حولي , حيث كانت سمية تشرب كاسها بتلذذ , كانت جالسة بهدوء دون ان تتاثر بالاجواء المحيطة وكانها كانت بانتظاري , بما انها لم تستغرب حضوري ولا حالة الهيجان التي كنت اعاني منها .
جلست قربها الهث لتقدم لي كاس عصير طلبته مسبقا على ما يبدو , تناولته دفعة واحدة عله يخفف من دقات قلبي السريعة ويهدا من حالتي ثم قلت بصوت خافت وانا ارمق انعكاس صورتي في المراة الموجودة بمواجهتي , كنت متوردة الخدين بينما بعض الخصلات المتمردة خرجت من مكانها الذي حددته لها داخل تسريحة فرنسية انيقة , كدت اقسم ان الصورة المنعكسة ليست لي , انها لفتاة غريبة لا اعرفها بمكياجها الصارخ وقميصها الجريء , لم تكن هذه انا , فشهد التي اعرفها كانت تكتفي في غالب الاوقات باحمر شفاه شفاف وظلال عيون ناعمة , اما تلك التي اشاهدها الان انها صورة لنمرة مفترسة وشرسة وتملك اسلحة اغراء فتاكة اجادت سمية اظهارها
-كنت تعلمين ؟
خيم صمت ثقيل بيننا ثم اعدت جملتي لكن هذه المرة بصيغة تاكيدية متهمة
-كنت تعلمين
التفتت لي ورمقتني بنظرات ماكرة وابتسامة لعوبة تتراقص على ثغرها
-من الجوانب الحسنة لعملي , هذا ان كان له جوانب حسنة , انني اصبحت ملمة بخفايا النفوس البشرية . اصبحت قراءة الشخصيات والتكهن بردات فعلها من هواياتي المفضلة , اضحيت قادرة على معرفة الناس معرفة جيدة .
توقفت لترتشف جرعة من كاسها قبل ان تضيف بتسلية
-اجل كنت اعلم وعلمت انك لن تقدري على ذلك لن تستطيعي مهما حاولت
نظرت اليها بحيرة وياس
-لكن لم ؟ انت استطعت لم ليس انا ؟
تاملتني بتركيز ثم اشارت الى صدري وهي تردد بثقة عالية
-لانه هنا يوجد قلب طاهر يفضل الموت على ان يلبس ثوب الرذيلة , انت يا شهد انسانة رقيقة ذات فطرة نقية , مهما كان الليل حالكا والعتمة شديدة الا انك دائما تمتلكين نورا ينبع من الداخل يضيء ايامك ويقيك الوقوع في الخطا . لكي تكوني مومسا يجب ان يكون قلبك ميتا , روحك ميتة , امالك من هذه الحياة ماتت هي الاخرى وانت لازال هناك شعاع من نور ينير دربك فحافظي عليه من اجلك ومن اجلي
تاثرت من كلماتها التي تردد صداها داخلي , لقد كانت محقة , ابدا ماكنت قادرة على المضي في هذا الطريق , ربما تربيتي او ديني او بكل بساطة فطرتي التي جبلت عليها , سالتها بفضول
-لكن انت تملكين قلبا من ذهب , قلبا لازال ينبض بالحياة
وضعت يدها فوق يدي الموضوعة على سطح المشرب لتقول بصوت حزين –الامر فقط ان قلبك النقي يرفض ان يرى الشر في الناس والا كنت لاحظت ان قلبي ما عاد موجودا بل الرماد ما يسكن داخل اضلاعي
ثم سحبت يدها لترتشف جرعة اخرى , امسكتها محاولة منعها الا ان النظرات الصارمة التي رمقتني بها دفعتني الى التراجع لاقول بارتباك
-بما انك كنت تعلمين , لما اصطحبتني الى هنا ؟
ربتت على كتفي وهي ترمقني بنصف عين قائلة
-لا عليك , لقد تعودت شربه منذ سنين
كانت تشير الى محاولتي منعها من الشرب ثم واصلت وعيناها تلمعان بمزيج من المكر والتسلية
-الم تقولي انك بحاجة لعمل ؟
اجبتها بصوت مرتاب
-اجل , لكن ظننت ..
قاطعتني ولم تدعني انهي جملتي لتقول بصوت حنون وكانها تكلم طفلة صغيرة
-البنات الصغيرات يا حبي لا يشغلن رؤوسهن الصغيرة بهذه الامور , اهدئي ودعيني اتصرف
ثم اتسعت ابتسامتها وهي تنظر خلفي لياتي صوت المدير من ورائي مرحا
-اذن كيف وجدت ملهانا المتواضع ؟
رددت بصوت مرتبك وانا انقل نظراتي بينهما بينما اشعر ان هناك امرا تخفيه سمية عني
-انه رائع
تفاجات بسؤاله التالي لارمقه بذهول بينما فاهي ظل فاغرا
-هل تقبلين الغناء هنا ؟
تبادلا الاثنان ضحكة قصيرة على منظري المشدوه لتتولى سمية الاجابة عني
-طبعا تقبل واين ستجد فرصة عمل مماثلة , لكن اذكرك يا عزيزي , انها هنا للغناء والغناء فقط
رمقها سمير بنظرات معاتبة قبل ان يرد عليها
-حبيبتي اخبرتك انني احتاج مغنية لا ..
خرجت من حالة ذهولي وقد استوعبت اخيرا الخبر السعيد , لقد وجدت عملا , انتابني احساس عميق بالراحة لم يستمر الا لحظات وانا اتنبه الى طبيعة عملي , مغنية ؟؟لكن انا لم يسبق لي الغناء
يبدو انني قد فكرت بصوت عال اذ سرعان ما التفت لي الاثنان , الرجل بحيرة وسمية بتانيب
-لكل شيء مرة اولى حبيبتي
اجبتها بنبرة مرتعبة
-انا لا استطيع الغناء امام الغرباء
تاملتني سمية وقد ضاقت ذرعا باعتراضي لتقول بصوت نافذ الصبر
-وهل تستطيعين التعري امامهم ؟ ام تفضلين العودة الى الغرفة التي ركضت منها قبل قليل كالجرذان التي تغادر السفينة الغارقة ؟
كلامها الجمني لالتزم الصمت وانا اتنبه الى سلوكي الشبيه بسلوك طفلة مفرطة الدلال , سمية محقة , الغناء افضل من العمل الذي اتيت الى هنا عازمة لامتهانه , الخياران اسهلهما مر , لكن يبق الغناء في هذا المكان اخف وطا . تهدلت كتفاي واخفضت راسي باستسلام للامر الواقع ليكمل الاثنان حديثهما حول ترتيبات عملي الجديد .
اول مرة وقفت فيها على المنصة كنت بحالة مزرية وكاد المايكروفون ان يسقط من يدي , ونسيت كلام الاغنية في مقاطع متعددة , لكن نصائح سمير الثمينة ودعمه لي هو وسمية جعلاني انطلق في سماء الملهى ككروان شذي , ساعدني على ذلك سكر مغلب الزبائن وعدم انتباههم الي مما جعلني اكتسب جراة في الغناء بحرية كيفما اشاء
اعجب سمير بادائي ووظفني براتب معقول ادخل الفرحة الى قلبي وجعلني ارتاح من هم التفكير بحافظة نقوذي الفارغة . وهكذا توالت الايام تباعا وانا ارافق سمية الى الملهى حيث نفترق لتمارس كل منا عملها , اعتدت الملهى وحالات السكر حتى الثمالة لرواده , بينما نشات صداقة متينة بيني وبين سمير , كان اخا يعتمد عليه في الشدائد .
مرت ستة اشهر على التحاقي بالعمل حيث كونت جمهورا صغيرا اصبح ياتي خصيصا لسماعي , حتى اولئك السكارى كانوا ينصتون الي وانا اردد الاغاني المختلفة حتى ارضي جميع الاذواق . وفي ليلة من الليالي , بينما كنت مندمجة في الاغنية التي اؤديها اثار انتباهي طاولة بوسط الملهى استقرت مباشرة بمواجهتي , حيث كان يجلس رجلان بملابس انيقة ويظهر عليهما الاهتمام التام بغنائي , فيما كان ارتشافهما لكاسي الشمبانيا قليلا جدا , شيء اثار فضولي , فكل رواد الملهى يسرفون في الشرب , حركت كتفي بعدم اهتمام وواصلت الغناء .
وصلت الى غرفة التبديل بعد ان انتهيت من وصلتي , كنت منهكة وتعبة واحلم باللحظة التي ساوي فيها الى فراشي . تطلعت الى الباب لاجد سمير ينتظرني وهو متكئ على الجدار , وما ان لمحني حتى اعتدل في وقفته وابتسامته الجذابة ترسم على شفتيه , بادلته الابتسام وعيناي تطل منهما الحيرة ليجيب سؤالي الصامت
-هناك ضيفان يريدان مقابلتك
سرعان ما اختفت ابتسامتي وشر داخلي يتوجسني لاسال بريبة
-وماذا يريدان ؟
فطن سمير الى افكاري القاتمة لتتسع ابتسامته ويقول بصوت مؤنب
-ان بعض الظن اثم , الا تثقين باصدقائك ؟
ابتسمت بمرارة وانا ارد عليه
-علمتني الحياة الا اثق حتى بنفسي
اجابني والمرح لم يفارقه
-حسن كنت لاناقش معك نظرتك المتشائمة للحياة , لكن حبيبتي الرجلان بانتظارنا , ولمعلوماتك انهما رجلان شريفان وعمليان وهما يريدان مقابلتك لانهما اعجبا بصوتك
كنت على وشك طرح سؤال جديد حينما اوقفني باشارة من يده وذراعه الاخرى تقودني مرة اخرى الى الصالة ليقول بصوت حازم
-لن اضيف شيئا اخر , كل ما تريدين معرفته اسالي عنه الرجلين , ويا حبيبتي لقد جعلناهما ينتظران كثيرا واخاف ان يملا ويهربا بعيدا فاسرعي
كانت ليلة مميزة في مسار حياتي , لقد كانت الخطوة الاولى لحياة جديدة , حياة خالية من الرعب والخوف من الغد , واخيرا ابتسمت لي الحياة من جديد , وفتحت لي الدنيا مغارتها لاغترف من كنوزها اغترافا . لم اعد اسهر الليالي افكر في معاكسات صاحب العمل , ولم اعد اصاب بالارق من التفكير في ديوني المتراكمة .
كان الرجلان منتجان مصريان اعجبا بصوتي وقررا ان يتبنياني فنيا تحت طلب والحاح من سمير , و هكذا سجلت اول اغنية لي بالمغرب واطلقوها في السوق لتحقق اعلى المبيعات , وكان لزاما علي ان اقوم بعملية جراحية , اعادت الى وجهي رونقه الاول , و كان القرار بضرورة سفري الى مصر , هوليود الفن العربي . بادئ الامر , لم استسغ الفكرة واصبت بالهلع , لكن بتشجيع من سمير وليلى ومليكة وطبعا صديقتي الغالية سمية , قررت خوض غمار التجربة . لكن كان هناك امر ضروري علي القيام به قبل ان اغادر تراب مغربي الحبيب , تسلحت بكل ذرة شجاعة امتلكها بداخلي واتصلت برقم منزلي , كان لابد لي ان اسمع صوتهما , كان لابد ان اعرف ماذا اخبروهما بشان اختفائي .
واتصلت لاصدم بخبر فتت ما تبقى من ركام قلبي , ردت علي نوران لتخبرني ان والدتها قد توفيت في حادث سيارة , كنت متحجرة في مكاني والهاتف بين يدي وانا احدق به دون ان اراه , فقط كلمة واحدة كانت تتردد داخلي ليهز صداها اعماقي وتنطفئ تلك الشعلة الصغيرة التي شرعت تشق طريقها من جديد . انهم يعتبرونني ميتة , عائلتي , دمي و لحمي ؟؟؟ هل هناك قسوة اعظم من هذه ؟ الالم الكبير داخلي قتل اي احساس قد ينبض بالحياة , وشعرت بالحقد يتراكم , ولاول مرة في حياتي , اعرف ما معنى الكره والقسوة .
اجل كرهت عائلتي و لعنت تقاسمنا نفس الدم , واتخذت لحظتها اهم قرار بحياتي , ساعود , بعد ان يشتد عودي ساعود , بعد ان اصبح قوية سارجع , اجل سارجع لانتقم , ساجعلهم يدفعون ثمن كل لحظة الم بكى لها قلبي , لن تنالني الشفقة بهم , لن يراف قلبي الذي اغتالوه باحد منهم . وعلى هذه الافكار والوعود غادرت المغرب , تغربت عن بلدي واهلي ونفسي ... وكانوا هم السبب ...
🏵🏵🏵🏵🏵🏵
»»»»»»»الفصل التالي«««««««
»»»»»»»الفصل السابق«««««««