الفصل الثاني والثلاثون ❤
حينما كنت اخط هذه السطور , كنت اعلم يقينا انني ساجعلك تقراها يوما , من بين كل الذين الموني , كنت انت اكثرهم شدة وقسوة , هل تذكر حينما التقينا في حفل خطوبة نسرين ماذا قلت لي ؟ قلت : " ان كنت ارتكبت خطا ما اخبريني , لا تصدري حكمك دون ان تسمعيني , ناقشيني , امنحيني ولو احتمالا صغيرا ببراءتي "
هل تذكر ؟ لم لم تمنحني انت احتمالا صغيرا ببراءتي ؟ لقد احببتك بجنون , ولم اتوقف يوما عن حبك , اجل قلبي الغبي هذا لازال يعشقك وامتنع عن الاذعان للمنطق الذي يقول ان عليه ان يكرهك وينساك . حينما افكر فيك ابتسامة مشرقة تنير وجهي , وصورتك تطرد النوم من عيني ونعم ساظل احبك فانت صوت قلبي لكن يا حبيبي اقول لك في النهاية , لان هذه هي النهاية :
لنفترق قليلا..
لخيرِ هذا الحُبِّ يا حبيبي
وخيرنا..
لنفترق قليلا
بحقِّ ما لدينا..
من ذِكَرٍ غاليةٍ كانت على كِلَينا..
بحقِّ حُبٍّ رائعٍ..
ما زالَ منقوشاً على فمينا
ما زالَ محفوراً على يدينا..
بحقِّ ما كتبتَهُ.. إليَّ من رسائلِ..
ووجهُكَ المزروعُ مثلَ وردةٍ في داخلي..
وحبكَ الباقي على شَعري على أناملي
بحقِّ ذكرياتنا
وحزننا الجميلِ وابتسامنا
وحبنا الذي غدا أكبرَ من كلامنا
أكبرَ من شفاهنا..
بحقِّ أحلى قصةِ للحبِّ في حياتنا
أسألكَ الرحيلا
لنفترق أحبابا..
فالطيرُ في كلِّ موسمٍ..
تفارقُ الهضابا..
والشمسُ يا حبيبي..
تكونُ أحلى عندما تحاولُ الغيابا
كُن مرَّةً أسطورةً..
كُن مرةً سرابا..
وكُن سؤالاً في فمي
لا يعرفُ الجوابا
من أجلِ حبٍّ رائعٍ
يسكنُ منّا القلبَ والأهدابا
وكي أكونَ دائماً جميلةً
وكي تكونَ أكثر اقترابا
أسألكَ الذهابا..
لنفترق.. ونحنُ عاشقان..
لنفترق برغمِ كلِّ الحبِّ والحنان
فمن خلالِ الدمعِ يا حبيبي
أريدُ أن تراني
لنحترق.. لنبكِ يا حبيبي
فقد نسينا
نعمةَ البكاءِ من زمانِ
لنفترق..
فباسمِ حبٍّ رائعٍ
أزهرَ كالربيعِ في أعماقنا..
أضاءَ مثلَ الشمسِ في أحداقنا
وباسم أحلى قصةٍ للحبِّ في زماننا
أسألك الرحيلا..
حتى يظلَّ حبنا جميلا..
حتى يكون عمرُهُ طويلا..
أسألكَ الرحيلا..
اغلق المذكرات بيدين مرتجفتين بينما تسللت دمعة حزينة على خده , ليغمغم بصوت تغلفه المرارة والندم
-ماذا فعلنا بك يا شهد ؟ ماذا فعلت بك يا حبيبتي ؟
ثم هوى بقبضته على سطح الطاولة الرخامية بجانبه قبل ان يمسك راسه بيديه وتتهدل كتفاه بانهزام رجل فقد اغلى ما في الحياة
........................................
هجرت الفيلا بخطوات مترنحة تحرر في صعوبة زفراتها المحتبسة داخل صدرها تخنقها , فهمت غيوم الدمع تشخب ماءها . اوصالها المرتعشة تروي حكاية قلب مكتوب له ان يحب ويعشق ومكتوب عليه ان يضيع بين فراشات تائهة ودموع تترقرق .
واصلت مسيرها متعثرة مستندة على الجدار , رجلاها ما عادتا تحملانها . لقد كان الحمل ثقيلا جدا بحيث عندما تخلصت من وطاته فقدت توازنها . الفراغ هو ما تشعر به ينخر عميقا داخل روحها , لست سنوات تخيلت اللحظة التي ستعود اليهم , لست سنوات الفت السيناريوهات المختلفة للنيل منهم . غير انها ولا مرة وضعت باعتبارها اللحظة التالية لانتقامها , لم تتحضر لهذا الفراغ الاخذ في التمدد مهددا بزهق روحها .
اطرقت براسها في حالة استنزاف تام ركيزتها جدار الحديقة الصلب حينما احست فجاة بلمسة ناعمة دافئة على ذراعها وجسم ريان يسندها اليه . تبسمت شفتاها الحزينتان بخجل بالرغم من هالة الحزن التي اطبقت عليها , لم تحتج الى النظر لتعرف من اتى لنجدتها . عادت بذاكرتها المتضعضعةالى الوراء , كانت نفس اليدان من امتدتا بسخاء تدعمانها بكل الحب والوفاء في احلك لحظات حياتها ..
وهاهما اليوم تعيدان نفس الكرة , تنتشلانها في اكثر اوقات حياتها ضياعا . شخصت بابصارها متوسلة الى الواقفة بجانبها , صاحبتها صادقة العهد وهمست بصوت لا يكاد يسمع
-خذيني بعيدا عن هنا
سامية المحبة والبارة توقعت بسدادة رايها ان ابنة خالتها ستواجه وقتا عسيرا بعد مجابهتها لزوجها , لذلك حضرت سريعا تتبعها الى الفيلا . لم يخطئ حدسها وها هي نور لا تكاد تصلب طولها من حمل ثقيل من ظلم تجددت تقرحاته ومن مشاعر الاسى والوجع ..والهزيمة .
اجل الهزيمة هذا ما حاولت ان توصله لصديقة عمرها , الانتقام سلاح ذو حدين , انه يشطر الطرفين معا ولا يستثني احدا .
ساعدتها على ركوب السيارة بتمهل واطمانت الى استقرارها براحة داخلها قبل ان تدلف بدورها وتستلم عجلة القيادة كي تاخذها بعيدا الى مرفا الامان حيث اعتادت في حياتها السابقة ان تركن اليه كلما عاجلتها رياح الزمن العاتية .
انه اليم , عالم من المتناقضات والغموض , هدوء وعاصفة ..سكينة وصخب ..خير وشر ..بساطة وجبروت ..مثلها تماما في هذه اللحظة , تظهر ضبطا انفعاليا يخفي صراعات مخيفة تتلاطمها من الداخل . انه البحر , نديمها السرمدي , هنا لا تحتاج الى حروف او كلمات لمناجاته , انه ببساطة يفهم كل خلجاتها وسكاناتها . يكفيها ان تنتصب قدامه وتتامل امتداده اللامحدود الذي لا تحجزه جدران حتى تنتعش العين , اما اللون الازرق فيتسرب الى الاعماق طاردا كل تلك الغيوم السوداء التي تحجب السلام عن الروح .
عبت بنهم من ذاك العطر الذي يعبق بالاجواء وشبح ابتسامة ظلل ملامحها , بعدها رفعت محياها الى السماء فاردة ذراعيها عاليا لتلفظ على دفعات زفراتها ومعها بقايا اناتها ووجعها بينما الابتسامة على شفتيها اخذت في الاتساع .
تاملتها سامية الراكنة الى الهدوء بجانبها بحذر قلق قبل ان تسالها بنبرة مضطربة
-هل اصبحت بخير ؟
تسمرت نور في مكانها للحظة وقد نسيت تماما انها لم تكن وحيدة في مخدعها السري , بعدها استعادت هدوءها وهي تقول بصوت ممتن
-اجل انا الان بخير ..سكتت برهة لتلتفت اليها وتحدق مباشرة الى عينيها لتقول بعدها بامتنان طغى على اي شعور ما عداه
-انا شاكرة لك تواجدك , دائما تكونين حاضرة من اجلي , لساني حقا يعجز عن الشكر حبيبتي..
قاطعتها سامية باشارة من يدها لتبدا الكلام بصوت محتج
-ما هذا الكلام ؟منذ متى كنت بحاجة لشكري ؟ حبيبتي كنت لتقفي معي نفس الموقف وتاريخ حياتنا يشهد .. توقفت للحظة تطرق براسها الى الارض خجلا واناملها تلاعب السوار حول معصمها بتوتر كي تقول بصوت هامس
-كما انني لن انس مؤازرتك لي ضد سعيد
وكانها اطلقت نكتة للتو اذ انفجرت في المكان ضحكة مجلجلة عكرت صفوه , تطلعت بحدة الى نور المستمرة في قهقهتها حتى انها ركعت الى الارض ممسكة باحشائها . لكن حدتها سرعان ما اختفت وهي تتامل مشهدا حبيبا حنت اليه كثيرا , ترقرق الدمع في مقلتيها وهي تبصر صديقتها تضحك من قلبها , تقهقه من دون هموم ومن دون حقد , لقد رات للتو لمحة من صديقتها السعيدة :شهد
انتبهت الى الصمت الذي عم المكان والنظرات المتركزة عليها لياتي الى سمعها صوت نور المعتذر
-اسفة حبيبتي غير انني لم استطع المقاومة , لقد تذكرت للتو وجه سعيد و انا اهدده في مكتبه . تمنيت من كل قلبي لو كنت حاضرة هناك كي تري بام عينيك الى اي نعجة استحال زوجك امامي
ثم انطلقت في موجة ضحك رنان جديدة , شخصت اليها سامية بانظارها غير مصدقة كيف انها قادرة على السخرية والتفكه في حالتها تلك .
وما هي الا لحظات قصيرة حتى انتقلت اليها العدوى لتشرع هي الاخرى في الضحك ومخيلتها تحاول تصوير ملامح زوجها .
بعد وقت يسير خيم صمت ناعم على الاثنتين حتى غدتا جزء من المكان وهما تنعمان بالهدوء والراحة المنتشرين في الارجاء . كانت سامية من وضعت حدا لتلك السمفونية العذبة التي يعزفها البحر بسحر فريد , همست بنبرة متوترة وهي لا تجرؤ على النظر اليها
-هل قررت ماذا ستفعلين بشان عائلتك ؟؟ انت حتما لن تستمري في القطيعة ؟؟
في لحظة واحدة توارى سحر البحر وبهاؤه وتلاشى السلام الداخلي المتفشي , تعكرت قسماتها واغتمت عيناها بينما تكورت قبضتاها بقوة . صار الصمت بينهما مثقلا بالتوتر والاضطراب ودام للحظات قبل ان تقرر نور الاجابة
-منذ ان نفوني من حياتهم وحياتي وحولوني الى ذكرى موصومة بالعار اتخذت عهدا على نفسي , لاجرعنهم الحنظل قطرة قطرة قبل ان انحيهم عن وجودي الى غير رجعة . كان قرارا بمنتهى البساطة وعزمت ان افي به , بيد انه الان بعد ان عدت وعشت من بينهم من جديد اجد نفسي عاجزة عن التقيد بقراراتي السابقة .
من جهة يتاكلني الحنين اليهم ومن جهة اخرى اشواك غدرهم تدق مخيلتي تنخرها ...قطعت حديثها لتسحب انفاسا عميقة لفظتها بعدها بتان ثم واصلت وعيناها تشردان الى الافق البعيد
-يقال ان الثقة كالزجاج اذا ما تهشمت يصعب تصليحها , قد التمس الاعذار لاياد في الاخير هو مجرد رجل غريب .
لكن هم انهم عائلتي ادرى الناس بحقيقتي ؟؟ هل اعطيتهم يوما سببا للشك في اخلاقي ؟؟كنت دائما الحمل الوديع وحرصت على ان اكون ابنة يفتخرون بها ..ابتسمت بتهكم هازة بكتفيها في حيرة وهي تردف بصوت يقطر حسرة ومرارة
-فما الذي حصل ؟؟
امسكت عن الكلام , مسحت محياها بكفيها ثم تطلعت بنظرات مظلمة الى البحر
-لا ادري كيف اتعامل معهم , ساكذب ان قلت انني ساسامحهم . قد اتناسى ما فعلوا بيد انني ابدا لن اغفر , قلبي محجوب بندبات عميقة عجز الزمن عن محوها . من اجل الولدين قد اعيدهم الى حياتي , انا لا اعرف حقا ؟؟فلندع الزمن يقرر
افتر ثغر سامية عن ابتسامة حنونة دافئة ومتفهمة قبل ان تميل على جذع صديقتها وتحيط خصرها بذراعها بينما تريح راسها على كتفها ليتفشى الصمت والسلام في جنبات المكان من جديد ويظل صوت البحر خليلهما الوحيد
......................................
بدات الشمس تنزل من عرشها ليحتضنها المحيط الازرق بشوق جارف بينما تلونت السماء بالشفق واصطبغ الافق باللون الاحمر الدامي .
كانت شهد تتامل المشهد امامها بلهفة وتركيز حتى لا يفوتها تفصيل ولو كان صغيرا , منذ حداثة سنها وهي تعشق الغروب , لا تعرف لماذا لكنها واظبت دائما على تامل هذا المشهد الرائع . افاقت من انبهارها على ظل امتد امامها , رفعت راسها لتتبين ملامح هذا الذي سولت له نفسه ان يقاطع خلوتها , ليقع بصرها على اياد , المفاجاة سمرتها للحظات قصيرة قبل ان تتذكر انهما كانا يقصدان المكان سويا فيما مضى , اخفضت راسها وتجاهلت وجوده لتعود الى تاملها .
مرت دقائق من الصمت الثقيل بينهما دون ان يكلف اي منهما نفسه عناء الكلام , ثم بادر اياد بصوت اجش
-كنت اعلم انني ساجدك هنا , كنت في الماضي دائما تقصدين هذا المكان كلما كدرك امر ما
ارجعت شعرها خلف اذنها ثم اجابت بصوت خال من اي تعبير
-لقد اصبت , فقد كنت تعرفني جيدا في الماضي
اجفل اياد للمعنى المبطن في كلامها , شعر بالياس يزحف الى قلبه لكنه سرعان ما نفض عنه افكاره السوداء , ان كان يطمع بان تغفر له وتسامحه و تمنحه فرصة اخرى , فعليه المحاربة بصلابة وقوة وعزم وعدم الاستسلام عند اول عقبة , ابتسم وقال بتفاؤل يحسد عليه
-منذ كنت صغيرة احببت الغروب , لن انس كم المرات التي جررتني فيها وراءك كي نشاهده معا
اجابته باستهزاء وهي لا زالت تتطلع الى المنظر امامها
-لقد كنت غبية ولازلت , الناس عادة يحبون الشروق وليس الغروب
تمتم اياد بصوت واثق وهو يجلس بجانبها على الرمال
-انت ابدا لم تكوني غبية , المسالة مسالة اذواق ليس الا
حدجته بنظرة جانبية ثم رددت باسى
-قرات يوما في مجلة ما تعريفا للغروب , هل تعرف ماذا قالوا عنه ؟
وقفت على قدميها وتقدمت الى الامام واضعة يديها داخل جيبي سروالها الجينز الخلفيين , تطلعت بعيدا الى الافق حيث الشمس جمعت خيوطها الذهبية تستعد للرحيل ثم قالت بصوت حزين
-الغروب هو حينما تغوص الشمس في اعماق البحار فتغتسل من هموم النهار وتمحو احزان اليوم , حينما يضطرب قلبك وتهتز روحك وينهار املك وحينما تبكي عيناك وتذرف الدموع , انه حينما تتحطم الاحلام وتنهار الاماني ويعذبك الحب وتعاودك الذكرى , انه حينما يعاودك الاسى ويعييك الياس وتهاجمك اللوعة و لا يكون لك من الحزن ماوى , حينما يخبو بريق السعادة في اعماق روحك وتخرج همومك من مكمنها وتظهر لك احزانك وتتجلى
احس اياد بالحزن العميق وهو يتامل في معاني كلماتها , انها تحاول بكل جهدها سد الطريق عليه , انها بئر عميق من الاحزان والاوجاع , كيف عساه يصل الى قلبها من جديد ؟
ساد صمت كئيب بينهما والقرص الاحمر يواصل الغرق في اعماق المياه الزرقاء , فجاة استدارت شهد وملامحها تتغضن بالاسى لتقول بصوت مبحوح
-طوال حياتي طاردت منظر الغروب , دائما سعيت الى مشاهدته دون ان افهم سر انشدادي وانجذابي اليه , لكن اليوم بعد كل ما مررت به اكتشفت ان الغروب هو جزء كبير من حياتي بل هو جوهر حياتي
توقفت عن الكلام لتشير الى قلبها وتواصل بنبرة متهكمة
-انه هنا داخلي , غروب حياتي , غروب مشاعري , غروب سعادتي , غروب حبي
لم يستطع اياد الصبر هذه المرة وتصنع الهدوء بل وثب من مكانه وقال بصوت منفعل
-يكفي يكفي , اعلم انني اخطات , والله اعلم وانا نادم اشد الندم , لكن بالله عليك ماذا تريدينني ان افكر وانا اعود لاجد رجلا غريبا شبه عار في غرفة نومي برفقة زوجتي ؟ اسالي ايا كان , سيجيبك ان تصرفي منطقي
انفجرت شهد في وجهه وهي تصيح بصوت غاضب
-منطقي ؟؟منطقي ؟؟ اين الثقة ؟اين الحب ؟المنطقي يا عزيزي ان تسال ان تستفسر , المتهم بريء الى ان تتثبت ادانته . حتى المجرمون لهم حق توكيل محام للدفاع عنهم وانت..
رفعت سبابتها تشير اليه باتهام بينما وجهها محمر من الغضب
-انت كنت القاضي والجلاد , لقد برهنت لي ان حبنا لم يعن لك شيئا , لو كنت حقا تحبني لالتمست لي الاعذار ولبحثت بكل الطرق كي تظهر براءتي
بان الحنق جليا على محياه وجحظت عيناه وهو يجيب كازا على اسنانه
-عن اي براءة تتحدثين والدليل كان ماثلا امامي ؟
انتفض كل جسمها وهي ترد بصوت متالم
-لقد عرفتني لسنوات , ليس لشهور وليس لايام , كنت امامك كالكتاب المفتوح , كنت اعتقد ان الثقة بيننا كبيرة , وما كان شيء ليزلزل صورتي في عينيك
تحرك من مكانه ومد ذراعيه امامه في حركة يائسة قبل ان يعيدهما الى جانبه ويقول بصوت منهك
-احببتك اكثر من روحي والله شاهد علي ولم اتوقف يوما عن حبك
تطلعت اليه بنظرات متهكمة قبل ان تساله بصوت ساخر
-حقا ؟ونور ؟
فهم تلميحاتها , تخلل شعره باصابعه وتطلع الى البعيد ثم قال بصوت هادئ نسبيا
-اولا نور هي انت , ثانيا لو لم تكن نور انت ما كنت لاقع في غرامها , لقد قضيت ست سنوات والنساء خارج نطاق حياتي وكان يمكنني ان اتابع هكذا لولا ظهورك فيها
تنهد بانهاك ثم قال يحاول كسب ثقتها من جديد
-حبيبتي اقسم انني نادم , احببتك واحبك وساحبك الى الابد , حياتي انتهت منذ غادرتها , غيابك اضنى روحي , كم مر على ذلك الزمن الذي صار بعيدا وهو قريب من الالم ؟الوحدة صنعت فراغها , كنت انام بين الالم والحلم والذاكرة ادعوك الى المجيء والسكون بين ضلوعي , حياتي اشتكت من كثرة محطات الانتظار , عذبتني ملامحك كلما عصفت بذاكرتي , ذكرتك حين تغضبين وتتغير قسمات سماحتك وحين تبتسمين وتشرق شموس وجهك وتشع اقماري تذكرت ساعات لقائنا وتصافح اكفنا واجسادنا
توقف للحظات وهو يضع راحته على جبينه بينما نظراته يسكنها الالم ليسترسل بصوت حزين
-واذكر الغياب غيابك واذكر معه الرحيل المفجع للايام ذهبت وخلفت وراءك ذكريات تكدست بها زوايا حجرتي وبراويز صور خالية وفؤاد مشتاق يبحث عن الماضي من بين كل تفاصيل حاضري كل شيء بات يرعبني بدونك حياتي اصبحت بلا نهاية واصبحت والذكرى في صراع محتدم وانا اخاطب الايام الصامتة علها توصلني اليك , كم من مرة تمنيت عودتك ؟كنت مستعدا ان اسامحك رغم تاكدي من خيانتك , رغم انني طردتك خارج حياتي الا انك فعليا لم تغادريها ابدا ..
نظر اليها مليا ثم اشار الى قلبه قائلا بصوت اجش
-لقد كنت دائما وستظلين ابدا هاهنا , احبك
حدقت اليه شهد مليا والدموع تجمعت على مشارف رموشها ثم قالت بصوت مخنوق
-وانا احببتك فوق ما تتصور بالرغم من الظروف وبالرغم من الامي ومقاساتي احببتك وساحبك دائما , كنت الرجل الوحيد الذي علمني معنى الحب وستظل كذلك . لكن شيئا ما انكسر داخلي , شيء من الصعب اصلاحه , لقد فقدت الثقة بك , فقدت الثقة بحبك , ضاع مني احساس الامان بقربك , لقد فقدت الايمان ليس بحبك فقط ولكن بالحب عموما .
ما عدت شهد الفتاة الحالمة التي ترى الحياة بعيون وردية , ما عدت اصدق الكلام المعسول , ما عدت تلك الفتاة البريئة المعطاءة , شهد تلك التي كانت قادرة على مسامحتك والتماس الاعذار لك ماتت ولن تعود , لم يبق الا نور ونور لا تملك سوى ذاكرة مثقلة من الاحزان لا تقو على النسيان بل لا تعرف معنى النسيان وقلب يفيض بالحقد
تمعن اياد بملامحها وصدى كلماتها يتردد داخله , بحث عن بصيص امل يعيده الى الحياة , بحث عن لمحة صغيرة من شهد حبيبته الرقيقة , لكنه لم يجد شيئا من مبتغاه كل ما حصل عليه قسمات متصلبة عكرها حزن حفر عميقا عليها حتى اصبح جزء لا يتجزا منها , زفر بانهاك ثم تقدم منها واخذ يدها وخر راكعا امامها ليقول بصوت حمله كل حنانه
-احبك بل اعشقك , ليس كل ما حدث خطئي , اغفري لي ..وامنحيني شيئا من الثقة والايمان .. وساقضي عمري كله اكفر عن غلطتي , ساعوضك عن كل اهة صدرت منك ساعيد اليك ثقتك وايمانك بالحب .. فقط سامحيني حبيبتي اصفحي عني ارجوك
فاضت عيناها بالدموع وهي تسمع كلماته وتلمس مدى صدقه , اختلج قلبها وشعرت بالم كبير يعتصر صدرها , مسحت عبراتها بيدها الحرة ثم تمتمت بصوت ناعم يقطر اسى
-لا استطيع , اتظن انني لم احاول ؟ اتظن انني لم افكر بذلك ؟بلى فكرت لكن الذكريات الاليمة كانت كل مرة تعصف بذاكرتي وتحيي الجرح من جديد . لقد حاولت من كل قلبي مسامحتك , من اجل الولدين ومن اجلك ومن اجلي . هناك حاجز عال يفصل بيننا , الماضي لا ينفك يعود وانا اخاف كثيرا ان عدنا الى بعضنا ان اكرهك يوما ويدمر احدنا الاخر , دعنا نفترق احبابا , من اجل خيرنا وخير ولدينا دعنا نفترق كي لا يموت حبنا كي لا يكره احدنا الاخر . من يدري ؟ قد تغفو تلك الذكريات المريرة داخلي وتنطفئ لنعود انا وانت الى الحياة من جديد .
دعني اداوي جروحي بعيدا عنك , دعني اشفى من ذكرياتي انا بحاجة لاجد شهد التي اضعتها وحينما اصبح قادرة على لمس جراحي دون ان اتالم مرة اخرى وانظر الى الخلف دون جنون ودون حقد , عندها يا حبيبي ساعود , فانتظرني...
والى حينها , اذكرني بكل غروري وقسوتي بكل حناني ورقتي اذكرني بكل عنادي بكل رعونة الاطفال في افعالي , حتما لو شاء الله سياتي يوم يجمع فيه قلبينا ليملاهما الحب والنور وستظل عشقي الاول والاخير ستبقى داخلي رغم قرارات الرحيل ...
امسكت وجهه بين يديها لتحدق مليا في قسماته وكانها تحاول ان تخزن ملامحه كزاد تقتات به في ايام الفراق الكئيبة , ثم طبعت قبلة حارة وطويلة على جبينه قبل ان تستدير مغادرة بعيدا .
جلس اياد على الرمل يتابع خطواتها مبتعدة عنه دون ان ياتي بحركة لمنعها , بينما قلبه يعتصر الما وهو يستحضر الفراغ الذي سيهاجمه كسماء بلا نهاية والحنين الذي سيتربص به كوحش مفترس والذكريات التي ستمزقه كانياب حيوان جائع عند الفراق .
رمت الشمس باخر شعاع لها قبل ان تنزل عميقا في مياه المحيط الصافية , لتبعث يصيص امل اخذ يزحف تدريجيا الى قلب اياد وهو يتذكر كلمات حبيبته . لقد اخبرته انها ستعود اليه , تحتاج فقط ان تلتئم جروحها وتندمل ذكرياتها , بعدها سترجع اليه .تسللت ابتسامة صغيرة الى شفتيه مافتئت تتسع وهو يعد نفسه بانتظارها ليس شهرا او سنة بل حتى اخر العمر ان لزم الامر , ليخيم الظلام على المكان بعد ان غادرت الشمس مملكتها مع وعد بهيمنة جديدة و شروق جديد...
تمت بحمد الله
الى لقاء اخر وقصة جديدة
🏵🏵🏵🏵🏵🏵
»»»»»»»الفصل السابق«««««
»»»»»»»العودة للألبوم«««««««
«««««البوم رواية جروح الخريف»»»»»
«««««البوم نوفيلا وفاء »»»»»
««#روايات زهرة الريحان»»