الفصل التاسع والعشرون ❤
احسست كان ماء دلو مثلج صب علي , فرغم ان حضور السيدة كان يعني خلاصي , اذ تقهقر زوجها عني بسرعة البرق , لكن المشهد الذي تراءى لها لابد وان يجعلها تظن بي الظنون , اذ واصلت بعد ذلك بنبرة كره شديدة
-وانت ايتها الحقيرة
خاطبتني وكل جسدها ينتفض بينما تهددني بسبابتها
-بعدما اويتك في بيتي ومنحتك عملا يقيك الجوع هكذا تقابلين احساني ؟ بعد كلامها هذا , ذهب عني اي اضطراب او خوف , ولم اعد اصغي اليها , جمعت متعلقاتي الشخصية وغادرت المكان دون ان اكلف نفسي عناء الرد عليها , لانها ببساطة اعتبرتني كبش المحرقة , تركت زوجها الجاني الحقيقي واخذت تكيل لي انا الكلمات النابية , من عليه ان يهان ويتهم ؟ اليس زوجها من جاء قبل الوقت حتى يستفرد بي ؟اذن لم كان عليها ان تصب جام غضبها علي انا ؟ كنت مقهورة وفي اعظم حالات ياسي وما ان لمحت سمية حتى ارتميت في احضانها وانا انطلق في عويل صاخب اخاف سمية واخرج ليلى من غرفتها لتعرف ما الخطب , كانت الاثنتان تحاولان تهدئتي , لكن حالي تجاوزت الحدود , بداخلي تجمعت كل تلك المشاعر المكبوتة التي حبستها , الظلم , الذل , الاشمئزاز , الياس والغثيان , اجل احس بالغثيان من حياتي ومن وجودي , ما قيمة حياة نتعرض فيها الى امتهان الكرامة ؟ ما قيمة حياة تستباح فيها الانسانية ؟ الم يقل ان كل الناس احرار ؟ اذن لم لا يزال بعضنا يمسك بصكوك ملكية الاخر ؟ لم يعتقد القوي ان الضعيف ممسحة ينظف فيها قدميه ؟ لم ؟ لم ؟ حالة الهذيان والاضطراب التي اصابتني دفعت بليلى الى حقني بابرة مهدئة وهي تلاحظ انني اعجز عن التحكم بنفسي ولملمة جراحها . استغرقت في نوم هادئ لاربع وعشرين ساعة كاملة , يبدو ان تعبي النفسي استهلك كل طاقاتي وقوتي البدنية , كان صباحا ممطرا , بينما السماء مغطاة بالغيوم , كان الطقس يعادل حالتي النفسية الكئيبة , جلست مسترخية على مخدة صغيرة في الغرفة التي اتشاركها مع سمية وانا انصت الى فيروز , كانت تغني اغنية حزينة زادت من اكتئابي فقمت متثاقلة اجر قدماي الى حيث وضع الراديو على منضدة صغيرة واقفلته , لقد مللت الحزن والياس ضجرت من حالة البؤس التي اصبحت عنوانا لحياتي , كرهت الالم الذي اصبح يسطر كل صفحة من صفحات حياتي , تذكرت اغنية جميلة للراحل "الحسين السلاوي"تعجبني كثيرا واخذت ادندنها
يا موجة غني يا بحر غني
يا موجة غني على البحر غني
كيف الي سايب محبوب متهني
اها ها ها ها ها على البحر غني
هكذا غنيت انا على الموج
قلب العاشق يبكي كفيروج
كنت فلبحر بانوا لي شي دروج
يا محلى حبنا واحنايا بزوج
انت ترقصي لي وانت لي تغني لي
ها ها ها ها ها ها على البحر غني
هو الحياة والفن فبالي
من بعد الغياب رجع والقاني
قذف قبلة يالاه وصلني
عل الفلوكة يا ناس محني
قذف وصلني وعلاش تعطلني
ها ها ها ها ها انا وليت على البحر نغني
تمنيت ان اعود شهد الفتاة المرحة ذات البال الخالي التي لا يكدر صفو عيشها شيء , لذلك واصلت غنائي وانا اتوسط الغرفة وابدا بالرقص , اغمضت عيناي وبدات اتمايل وادور حول نفسي , نسيت كل شيء او تناسيت كل شيء , وبدات ارقص كان حياتي خالية من الهموم , رقصت كان الحياة لا تشحذ اسلحتها ضدي تتحين الفرصة القادمة لطعني في الصميم . رقصت كفتاة صغيرة لازالت تعيش طفولتها البريئة , نسيت اين انا نسيت ما مررت به بل نسيت حتى من انا , كنت في حالة من الغيبوبة اللذيذة التي انفصلت فيها لبضع دقائق عن واقعي المر , ولاول مرة بعد الحادث استمتع بوقتي , كنت مندمجة كليا حينما سمعت ضوضاء بجانبي شتت تركيزي الدقيق , توقفت واخرجت نفسي مرغمة من الحلم الجميل الذي حاولت نسجه , فتحت عيناي لارى سمية وليلى تضحكان وتصفقان لي بينما ترمياني بتعليقات مرحة
-اين كنت تخفين عنا هذه الموهبة ؟
-سمية محقة , لديك صوت ماشاء الله , كروان يغرد
انصبغت وجنتاي بلون الخجل وانا احاول ان الملم شتات نفسي التي لازالت تهفو الى تلك الدقائق التي استطعت فيها التسلل من سجن عذاباتي فقلت مرتبكة بصوت مجامل
-اي كروان انت الاخرى , صوتي عادي جدا , تفضلا اجلسا ساحضر لكما الشاي
جلستا حول مائدة مستديرة الشكل على الارض بينما انصرفت انا احضر الشاي المنعنع , اتاني صوت ليلى سائلا باهتمام
-ماذا ستفعلين بخصوص الشغل ؟ اعلم ان ما تعرضت له صعب , لكن يا حبيبتي يجب ان تباشري بالبحث عن عمل اخر , فامثالنا لا يملكون رفاهية الحصول على فترة نقاهة تستعيدين فيها نفسك
تضايقت من سؤالها , لكنني في نفس الوقت شكرتها في داخلي لعدم التطرق لموضوع ما حدث في شغلي الاخير , تظاهرت بالانهماك في عملي متجنبة الرد عليها فلم يكن من سمية الا ان سارعت بالقول
-صحيح اننا فقراء لكن هذا لا يعني انها لاتستطيع الراحة ليومين قبل ان تستانف بحثها وان احتاجت لشيء فانا هنا
استدرت راسمة ابتسامة امتنان وشكر على ثغري كوفئت عليها بايماءة من راسها وابتسامة اعرض منها , اخرجت الاكواب لارتبها في الصينية حينما سمعنا نقرا خفيفا على الباب قبل ان يفتح وتطل منه مليكة جارتنا السكرتيرة وابتسامة جذابة تزين شفتيها
-عرفت انكن مجتمعات لذلك قررت الهجوم عليكن , هل تقبلن بي ضيفة خفيفة على قلوبكن ؟
كلماتها رسمت البسمة على وجوهنا جميعا قبل ان تجيبها سمية بصوت ضاحك
-اعترفي انها رائحة الشاي المنعنع ما اغراك بالمجيء
رفعت مليكة يدها كانها ستقسم لتقول بصوت ضاحك
-اعترف انني مذنبة سيدتي
شاركتهن ضحكهن وانا اضيف كوبا جديدا ثم اقدم لهن الشاي مرفقا بصغار الحلويات التي تتفنن سمية بتحضيرها , ما ان جلست حتى قالت ليلى
-صحيح , اخبريني مليكة , انت تعملين كسكرتيرة في احدى الشركات ؟
اجابتها الاخرى وعيناها تحملان الحيرة والتساؤل
- كما تعلمين اجل , ما سبب هذا السؤال ؟
اخذت ليلى الكاس الذي مددته لها ورشفت منه رشفة قبل ان تقول وعيناها تلمعان
-انه لذيذ , سلمت يداك حبيبتي
لم تنتظر ردي عليها اذ وجهت نظراتها الثاقبة الى مليكة وسالتها من جديد
-الا تحتاجون في شركتكم لعاملات ؟
تبادلت انا وسمية النظرات وقد فهمنا المغزى من كلامها المبطن , اخفضت راسي وانا اشعر بالحرج وانا ارى ليلى تتسول لي عملا , زفرت بضيق وانا اتظاهر بانهماكي باحتساء المشروب الساخن بينما ردت عليها مليكة بضحكة مجلجلة
-اضحكتني يا ليلى , شركتنا تبحث عن التخلص من موظفيها الحاليين وليس البحث عن اخرين جدد . الا تعيشين في هذا البلد ؟ الا تطلعين على الاخبار ؟ الازمة الاقتصادية التي تواجه العالم اجمع تجبر الشركات على التخفيض من عمالتها وليس العكس , وانا لن افاجا اذا ما تم تسريحي يوما , فانا لم التحق بالعمل الا حديثا
توقفت عن الكلام واخذت تنهل من كوبها وتتذوق الحلويات , فيما تغضنت قسمات ليلى وارتسم الضيق جليا عليها وهي ترى ان خطتها باءت بالفشل , وضعت يدي عليها وانا احاول التخفيف من شعورها ثم رسمت ابتسامة واسعة على فمي وانا اصرح بصوت عال
-باركن لي يا فتيات , لقد وجدت عملا جديدا
كانت مليكة الوحيدة التي بادرت الى تهنئتي بينما التزمت الاخريتان الصمت وقد اصابهما الذهول , حدقتا الي بعدم فهم فاعتبرت ذلك سؤالا صامتا اجبت عنه بكل شجاعة وانا اصفي حنجرتي
-لقد قررت ان اعمل مع سمية
خيم صمت ثقيل على الغرفة بينما كل الوجوه اعترتها الصدمة لتجحظ الاعين خارج محاجرها وتفتح الافواه بانشداه , وربما كانت سمية اكثر تاثرا من الاخريات واسرعهن بديهة اذ سرعان ما نفضت عنها مشاعر الصدمة التي شرعت تتحول الى مشاعر غضب وهيجان لتسال بصوت غاضب مكتوم
-لم ؟ هل تدركين حجم الحماقة التي تفوهت بها ؟ ان كانت هذه مزحة فاسمحي لي ان اقول انها مزحة سمجة
انشغلت بتامل اناملي وتفقد اظافري , انها تحتاج الى تقليم المسكينة لقد حرمت من العناية التي كنت اوليها لها , اجبت بعد برهة حاولت خلالها امتصاص غضبها فقلت بصوت هادئ لا يعكس حجم الانفعالات التي تتضخم في صدري
-لا ليست مزحة , انني اتحدث بجدية , كما انني لا افهم سبب اعتراضك انه عمل كاخر
يبدو ان عباراتي كانت مستفزة لانها سمحت لغضبها المكتوم بالتحرر من معقله لتصرخ بصوت هادر وجسدها يرتعش بينما انتصبت واقفة امامي
-لا تفهمين سبب اعتراضي ؟ لنرى حبيبتي , هل تقبلين ان تتركي السحاب وترضين بالقاع ؟ هل تستطيعين ركوب سيارات لا تعلمين وجهتها ليتمتع بك صاحبها كما يحلو له ثم يرميك ارضا لتنتظري سيارة جديدة ورجل اخر ومصير مجهول اخر ؟ هل انت قادرة على ترك احاسيسك في المنزل والفصل بين العمل والمشاعر ؟ هل انت مستعدة لعيش حياة مزدوجة ؟ هل ستتحملين نظرات الناس اليك كانك نجاسة ستلوثهم ان هم فقط سلموا عليك ؟ هل ستتحملين نظرات الذئاب السعرانة ولمساتها ؟
بدا صوتها يخفت شيئا فشيئا بينما عيناها غشتها الدموع لتعجز قدماها عن حملها كي ترتمي بتعب ارضا على الوسادة الصغيرة , غطت وجهها بيديها بينما شهقات مكتومة تصل الى مسامعنا , لم تحاول اي منا الكلام او الايتاء بحركة , تركناها تتحدث بحرية منصتات اليها باهتمام تام . بعد برهة رفعت راسها وعيناها محمرتان بينما انتفخ وجهها من اثر الضغط عليه نظرت بعيدا وواصلت بصوت اكثر هدوء
-انا لست نادمة على قراري بامتهان هذا العمل , لانه في ذلك الوقت كنت اشعر بالذعر لحالة الافلاس التي وقعت فيها , لكن الثمن كان اعلى بكثير مما كنت اتصوره . من الصعب تصور حياة العاهرة , لا يمكن قراءة ذلك , لا يوجد كتاب دليل للبغاء , ولا يوجد تمارين تطبيقية تحضرك لما انت مقبلة عليه , بل عليك الاعتماد على تجاربك الشخصية , اه ؟؟ انه احساس بشع حين تكونين مجبرة على الاستسلام للمسات رجل غريب وتكونين مطالبة بالاستجابة له والتفاعل معه حتى يكون راضيا وفي الاخير يرمي لك بعض الدراهم على السرير .
توقفت قليلا لتسترد انفاسها قبل ان تطلق ضحكات ساخرة متهكمة وتتابع حديثها
-كنت ارى تلك الحركة في الافلام الامريكية واستهجنها , لم يصر الرجل دائما على اهانة العاهرة وتحسيسيها بانها ساقطة ؟ لم يحتقرها لما هي عليه بينما لا يتوان للحظة من الاستمتاع بجسدها ؟ لم المراة تنعث بابشع المسميات بينما الرجل لا احد يستطيع توجيه اصبع الاتهام له ؟ اليس هو شريكها ؟ اليس هو من جعل منها مومسا ؟ اذن لم هذه النظرة المزدوجة للامور : المراة ساقطة والرجل فحل مكتمل الرجولة ؟ انهم يصيبونني بالغثيان
اخرجت سيجارة من جيبها واخذت تنفث منها مراقبة دوائر الدخان المتصاعدة ثم واصلت بعدها بصوت تشوبه المرارة
-الرجال اكرههم من كل قلبي , هم اس البلاء , لو لم يخلق الله الرجل لكانت الارض جنة للنساء . كان اسمه نبيل
جلجلت بضحكة عقيمة قبل ان تردف
-هل رايتم سخرية القدر ؟ كيف يحمل شخص مثله اسما نبيلا كهذا ؟ جمعتنا قصة حب او هكذا كنت اعتقد ليقنعني بالهرب معه بعد ان رفضت اسرتي ارتباطنا لصغر سني ولانه عاطل عن العمل , كرهت عائلتي لاعتراضها طريقي ولم اتردد لحظة واحدة في الموافقة على طلبه . اقمنا بشقة لصديق له وعقدنا قراننا , قضينا شهر عسل لم نخرج فيه من غرفة النوم , علمني اصول العلاقة بين الرجل والمراة وكيف يمكن للمراة ان تسعد رجلها وانتهى شهر العسل ونفذ معه العسل , تغيرت معاملته معي واصبح قاسيا ثم بدا يشكو من قلة المال وصعوبة الحياة . لمح لي الى ضرورة ان اعمل لاساعده في المصاريف قبلت عرضه بحسن نية واخبرته عن نيتي على البحث عن عمل , سخر مني وبدا يوجه الاتهامات لسذاجتي و اخيرا حينما سالته عن نوع العمل الذي يفكر به , صدمت وانا اسمع الجواب يخرج من فمه , كان ياتي بالمبررات وبالحجج ويلون الاسود ويحلل الحرام كشيطان رجيم بل انه هو الشيطان بعينه . ما عدت قادرة على احتمال المزيد وهرعت خارجة من الشقة على غير هدى , كنت امشي هائمة على وجهي وكلماته المسمومة تتردد داخلي لتحطم احلامي وبراءتي , ويحي , ماذا فعلت ؟ اين اذهب ؟ لقد فرطت في الصدر الحنون الذي كان ياويني ؟ اينك يا عائلتي لتري ما حل بي ؟ لم لم اذعن لمشيئة والدي ونصائح امي ؟ اين كان عقلي ؟ كان البرد في تلك الليلة قارسا وخروجي السريع حال دون ان احمل معي معطفي فشعرت بالبرد ينخر عظامي كما تنخر الافكار السوداء راسي . استقررت بزاوية من الشارع والليل قد اطفا شمعة النهار بينما برودة الطقس ارغمت الكثيرين على المكوث بمنازلهم , كان المارة لا ينفكون يحدقون الي بنظرات فضولية بينما تجرا البعض بمعاكستي بكلام ناب قبل ان يتجرا احدهم على الاقتراب مني وعرض المال علي مقابل قضاء وقت ممتع معه , جنت دقات قلبي واخذت تسابق الزمن بينما انضافت رجفات الهلع الى رجفات البرد لاركض سريعا مبتعدة عن المكان وعقلي يعمل بسرعة مذهلة . لا مكان الوذ اليه ولا صديق الجا اليه فلم يكن مني الا ان عدت الى زوجي المبجل عاملة بحكمتي المشهورة "الحقير الذي تعرفينه خير من الحقير الذي لا تعرفينه "
توقفت قليلا لتمسح دمعة سالت على خدها وتسحب نفسا عميقا من سيجارتها ثم اكملت حديثها ببسمة ساخرة على شفتيها
-وهكذا كما ترين انتهت قصتي حيث اصبحت انطلاقا من تلك الليلة مومسا مع مرتبة الشرف , اه نسيت ان اخبركن , اكتشفت ان زواجنا كان مزيفا وان العدل والشهود كانوا من اصدقائه , واكتشفت ايضا انها لم تكن خدعتهم الاولى وانهم بتلك الطريقة غرروا بالكثير من الفتيات البريئات مثلي
سحبت نفسا طويلا هذه المرة قبل ان تحول نظراتها الي مباشرة وتقول بصوت متحد
-ها هل لازلت تصرين على احتراف مهنتي؟
🌷🌹🌷🌹🌷🌹🌷🌹🌷🌹🌷🌹🌷
🏵🏵ألبوم الرواية🏵🏵