الفصل28 من رواية أسألك الرحيلا بقلم الكاتبة sweettara

 الفصل الثامن والعشرون ❤


همت في منتصف الليل على وجهي اتخبط في مشاعر الظلم والحيرة والمرارة , وانا لازلت عاجزة عن تصديق مجريات الليلة , في هذا الوقت كنت لاكون مستلقية بين احضان زوجي الدافئة وهو يثبت لي مرة بعد اخرى مقدار حبه وعشقه لي , وليس جالسة على مقعد صدئ لحديقة عمومية قاحلة كمتشردة لا ماوى لها , تاملت المكان المظلم الا من انارة خفيفة لبعض المصابيح المتفرقة في ارجاء الحديقة , الارض ملاى بالتراب والاشجار الوارفة الظلال نهارا بدت كوحوش توشك على التهجم علي , ضممت جسمي بذراعي ومشاهد من افلام مرعبة كنت قد شاهدتها قبلا تعود في هذه اللحظة الى مخيلتي وكانها تواطات مع الحظ السيء الذي حط رحاله في حياتي لتنتشر قشعريرة باردة سرت في جميع اوصالي فابدا بالارتعاش وانا انكمش على نفسي تلقائيا مغمضة عيني , فجاة وسط تلك الصور البشعة سطعت صورتان لاجمل وجهين شاهدتهما في حياتي لاعز اثنين على قلبي , كانت هاتان الصورتان بمثابة شمس منيرة انارت كل تلك الخيالات السوداء المقيتة التي هيمنت على افكاري لتنتشر موجة من الدفء والحنان في اوصالي وتطرد ارتعاشاتي عن بكرة ابيها , تذكرت العيون الضاحكة والشفاه الباسمة كلما اقبلت نحوهما , وسرعان ما انحسرت لحظات الهدوء الجميلة لتتحول الى دموع فياضة جرت في قلبي قبل عيني , ترى ماذا يفعلان الان ؟ هل افتقداني ؟ هل يبكيان مطالبين بي ؟ تراهما احسا بما امر به ؟ هل ساراهما ثانية ؟ ماذا سيخبرهما والدهما عني ؟ اذا كبرا وترددت الى مسامعهما الاكاذيب التي اشاعوها عني , هل سيصدقانها ؟ وهل سيكرهانني ؟ بقيت رهينة لدوامة من الافكار والمخاوف التي كانت تتلذذ بالتلاعب بي , كنت متعبة ومنهوكة القوى , فلم ادري متى تمكن الكرى مني لاتمدد فوق المقعد غير عابئة بالمخاوف التي يوحي بها المكان . 

لم اعرف كم من الوقت ظللت نائمة حينما احسست فجاة بهز عنيف على كتفي , لاول وهلة لم اتعرف الى المكان وكان فكري مشوشا , لكن ما ان وقعت عيناي على الاشجار العملاقة امامي حتى تذكرت كل ما مررت به , رفعت بصري انظر لمصدر ازعاجي وقلبي يغادره الهدوء الذي حظيت به المدة التي غفيت فيها , كانت امامي امراة مليحة بمكياج صارخ , هذا ان اطلقنا عليه اسم مكياج بينما ترتدي فستانا ضيقا قصيرا جدا يظهر منحنياتها بدقة , وكانت تلوي فمها بمضغ علك , بدت كفتاة ليل او انها لم تبد كذلك فقد كانت فتاة ليل , كانت نظراتها قاسية بينما تضع يدها على خصرها اما اليد الاخرى فلوحت بسبابتها مهددة وهي تقول بالفاظ سوقية -اسمعي انت , هذه منطقتي ولا اسمح لاحد بالاعتداء على ممتلكاتي 

رمقتها بنظرات حائرة وانا عاجزة عن فهم ما تعنيه , صمتي جعل غضبها يتصاعد لتزفر بحدة و يرتفع صوتها بينما اقتربت مني وجسدها يتصلب في اهبة للهجوم علي ان استدعى الامر 

-اسمعي ايتها المعتوهة حينما اكلمك تجيبينني , ولا تلعبي معي دور الغبية المسكينة فهو لن يفلح معي 

اعتدلت جالسة وانا لازلت اتساءل ما الذي تريده هذه السيدة مني , وما كدت افعل حتى سمعت شهقة قوية واحسست بها تمسك بوجهي الذي كان خفيا عليها في وضعي الاول , تبدلت ملامحها كليا لتكتسي قسماتها بالحزن والرثاء لحالي وهي تهتف بصوت حنون 

-يا الهي من فعل بك هذا ؟ اي حقير قادر على فعلة كهذه ؟ يا للمسكينة لابد انك تاذيت كثيرا , هل لا زال يؤلمك حبيبتي ؟ 

كنت احدق في عينيها كالبلهاء وانا لا اعرف عما تتحدث , صحيح انني احس بحروقات على نصف وجهي , لكنني لم اعر الامر اهمية فالحروق التي تفتك بقلبي اشد الما وعمقا , سالتها بدوري وانا الزم جانب الحيطة والحذر 

-ما الذي تقصدينه ؟ 

نقلت المراة بصرها من الجرح الى عيناي لتدرك حقيقة وضعي وتهتف بصوت مواس 

-يا للمسكينة انت لم تريه الى الان ؟ 

لم تنتظر جوابا على سؤالها بل جلست الى جانبي واخذت تعبث بمحتويات حقيبة يدها الجلدية المهترئة ثم مدت يدها لي بمراة صغيرة , اخذتها منها في صمت وتاملت سبب تغير موقفها تجاهي , كان جرحا عميقا يمتد من وسط خدي الى بداية عنقي , كان منظره بشعا مقززا بتلك الدماء التي تخترت على جوانبه , هذا المنظر لم يثر بي اي ردة فعل , حدقت به كما لو انني احدق بشيء طبيعي وليس بنصف وجهي الذي شوه . ترى من سبب هذا الجرح ؟ هل هو اياد ام ابي ؟ ارتسمت ابتسامة ساخرة على شفتي , وهل حقا يهم من منهما فعل ذلك ؟ النتيجة واحدة , لكن صوتا عميقا في داخلي صرخ :اجل انه مهم , حتى يدفع صاحبه الثمن غاليا , لمعت الفكرة في ذهني واضحة براقة , اجل عليهم ان يدفعوا ثمن ما فعلوه بي , عليهم ان يذوقوا من الكاس التي جرعوني منها . كنت شاردة في افكاري بعيدا فجاة احسست بيد توضع على كتفي مربتة بحنان , انتبهت الى انني لازلت امسك بالمراة الصغيرة بين يدي اعدتها لها شاكرة لملمت اشيائي قاصدة الرحيل لتبادرني سائلة 

-هل لديك مكان تلجئين اليه ؟ 

رمقتها بنظرات جامدة لاتعبير فيها دون ان اتفوه بحرف , تنهدت بتعب وهي تقول 

-اعلم ان قلبي الرقيق هذا سيوقعني في المتاعب يوما , تعالي معي لقد اوشك الفجر على الانبلاج ولا اود ان ترمقني العيون الفضولية 

تبعتها دون ادنى تفكير , فاي خيار كان متاحا امامي بدون مال او ماوى , كانت تتقدمني بخطوات مسرعة , وانا خلفها مباشرة غير مبالية بما حولي , جل ما كنت افكر به هو مكان يمكنني التمدد فيه , فجسدي لازال منهكا والسويعات القليلة التي سرقتها من النوم لم تكن كافية لازالة ذاك الانهاك الذي نخر في عظامي حتى النخاع , لم اكن امشي بل كنت اجر قدماي خلفي وانا اتلهف لسماعها تخبرني اننا قد وصلنا , استغرقنا بالمشي قرابة الساعة وهي تاخذني بين الازقة , كانت الاحياء شعبية بنيت على الطراز التقليدي , المنازل العتيقة لوحها اللون الاسود للدخان مخفيا معالمها التي كانت زاهية في يوم من الايام , الارض ذات بلاط متاكل غير مستو . كان الفجر قد بدا يبزغ حينما توقفت المراة امام احد الابواب المتصدعة لتخرج مفتاحا من حقيبتها بصمت , شرعت تصعد الدرج الضيق بعد ان اشارت لي بان اتبعها , صعدنا بهدوء الى السطح المتواجد بالطابق الثالث , لتتخلى المراة عن حذرها وتبدا بالكلام 

-انا اقطن هنا في هذه الغرفة 

قالتها وهي تتوجه لفتح باب جانبي ثم تابعت بلامبالاة 

في الغرفة الكبرى تقطن ليلى انها ممرضة مطلقة اما الغرفة الاخرى فتقيم فيها مليكة تشتغل سكرتيرة باحدى الشركات 

همهمت بكلمات غير مفهومة وانا اومئ براسي , لم اكن مهتمة بمعرفة من يقطن في الجوار كنت اتلهف الى نيل قسط من الراحة يذهب عني بعضا من تعبي وارهاقي . كانت الغرفة مستطيلة الشكل ذات لون ازرق فاتح قسمت الى جزئين فصلا بستارة بيضاء , خصص الجزء الكبير للنوم والجلوس بينما الباقي استغل كمطبخ صغير زود بادوات ضرورية بسيطة , قالت المراة بصوت مرح 

-مرحبا بك في منزلي بالمناسبة انا سمية وانت ؟ 

ساد صمت ثقيل الغرفة وانا انظر الى ما حولي وسؤالها يتردد صداه داخلي :من انا ؟في الماضي كان هذا سؤالا بسيطا اجيب عنه بسهولة تامة لكن الان لم اعرف بم اجيب ؟ الفتاة التي تعرضت للغدر من اقرب الناس اليها , الفتاة التي كانت تامن غدر الدنيا بوجود عائلتها الى جانبها , الفتاة التي كانت تؤمن انه ما من شيء سيطالها مادامت تتمتع بحب الكل لها , لكن كل شيء تغير اليس كذلك ؟ غاب الامان وغاب الحب وغابت الثقة وبقيت مرارة اليمة خلفتها الخيانة والغدر . قطعت سيل افكاري اليائسة ورسمت ابتسامة باهتة لم تصل الى عيني و انا اردد 

-انا شهد 

.................................................. ...............................................

كنت مستلقية فوق الفراش الذي جهزته لي ليلى اسفل سريرها انعم بنوم عميق لم تتخلله اية كوابيس شيء استغربته بشدة حينما بدا صوت ما بازعاجي , تقلبت علني اطرد ذاك الضجيج المزعج لكن هيهات , استسلمت اخيرا و فتحت عيناي لارى مكانا غريبا لم اتعرف اليه للوهلة الاولى فهو يختلف كليا عن غرفتي الفسيحة ذات الالوان البهية والاثاث الفخم , وسرعان ما عصفت بي الذكريات الاليمة والاحداث الرهيبة لليلة الماضية , ظللت احدق الى السقف المتصدع ذي الدهان الباهت وانا اجاهد كي امنع دموعي من مغادرة محجري , كنت في مصارعة عقيمة غير متكافئة اذ مافتئ ان تبلل وجهي بسيول جارفة لا تنضب , وماهي الا لحظات حتى تعالى نحيبي وشهقاتي لادفن وجهي بين يدي وانا اسمح اخيرا لالمي وشجني بالظهور , بكيت كل لحظة الم عشتها , بكيت ابا كان من المفترض ان يحميني , بكيت اما وقفت عاجزة عن الدفاع عني , بكيت اخا اعتقدته الحضن الدافئ الذي سيقيني برد صقيع الحياة , بكيت زوجا جعلته توام روحي , رثيت لحالي ومصابي , اه من احساس الخذلان , اه من احساس الغدر ؟؟؟انه بشع وفظيع خصوصا اذا كان من اقرب الناس اليك , قد اعذر ضحى هي بالاخير انثى اعماها الحقد والكراهية , لكن ما عذر الاخرين ؟هل سبق واعطيتهم دليلا واحدا على اني فتاة ساقطة ؟ لقد حرصت دوما ان اكون ابنة مطيعة واختا حبيبة وزوجة صالحة , فلماذا اذن سهام الغدر تلك ؟لم كانوا مستعدين لتصديق الاسوا عني ؟ما الذنب الذي ارتكبته ؟اه اه اه ؟؟؟؟ احس كما لو ان قلبي بركانا سينفجر , الالم يتردد صداه في كل ذرة من جسمي , هل يمكن للحزن ان يقتل ؟لم الحياة هكذا ؟ كنت لازلت مستغرقة في موجة انهياري حينما شعرت بيدين تحيطان بي وتضماني بحنان بينما تساعدني على الجلوس , كان حضنا دافئا احتجته في تلك اللحظة اكثر من احتياجي للاكسجين الذي اتنفسه , تشبثت بسمية بكل قواي وانا اواصل نوبة بكائي الهستيري . بعد فترة طويلة ابتعدت عنها وانا احس بالخجل الشديد , كيف استسلمت لمشاعري بين احضان غريبة لا اعرف عنها شيئا ؟ وكانها احست باحراجي فابتعدت هي الاخرى وعيناها لازالتا مسلطتين علي ثم غمغمت بصوت ذي نبرة جدية حازمة 

-البكاء ليس عيبا , انه مفيد للتخفيف من العبء الذي يثقل كاهلنا , اساليني انا , انه وصفة سحرية لشفاء الروح , لا تخجلي حبيبتي وابكي طالما رغبت بذلك . هل سيكون من غير اللائق ان اسالك ما قصتك ؟ 

كانت كلماتها مريحة اشاعت نوعا من الطمانينة داخلي لكن سؤالها سرعان ما اربكني واعاد الي مشاعر الكابة , فاحنيت راسي واخذت افرك يداي بعصبية , وضعت سمية يدها على يداي راحمة اياهما من حركتي المتوترة قبل ان تبتسم بتفهم وتقول بنبرة متعاطفة 

-ابدا لست مجبرة على اخباري , لقد كان مجرد فضول غبي من طرفي , حسن لقد جهزت لك الحمام انك بحاجة ماسة له , اما جروحك..

عند سماع كلماتها ارتفعت يدي تلقائيا تتحسس الجرح الغائر في خدي 

-فساطلب من جارتنا الاهتمام بها , ما فائدة ان تكون ممرضة ان لم تداوي جيرانها ؟ 

وانطلقت في ضحكة مجلجلة حاولت بها التخفيف من الجو الكئيب الذي يحوم حولنا 

لاحظت سمية توتري وهي تقودني جهة الحمام ولابد انها فهمت السبب لانها علقت بصوت دافئ 

-لا تقلقي , انها امراة متفهمة لن تحكم عليك فهي ايضا تجرعت من ويلات هذه الدنيا 

كانت ليلى امراة اربعينية تمتلك جمالا مبهرا بشعرها الاسود وعينيها العسليتين وبشرتها الكريمية , عند رؤيتها لا يتخيل المرء ابدا انها ستكون مطلقة , فمثلها تعيش كاميرة تستجاب كل طلباتها , لكن متى كان الحظ مرتبطا بالجمال ؟كانت تبدو ممرضة محنكة بحركاتها الدقيقة والسريعة , قامت بتضميد كل جروحي , حتى تلك التي لم تظهر للعيان ووضعت المرهم على الكدمات التي شكلت خريطة على وجهي , كانت امراة لطيفة تدخل القلب بسرعة , وضعت اللصاق الاخير وهي تتنهد براحة 

-كل الجروح والكدمات بسيطة ستشفى بسرعة , لكن الجرح على خدك سيحتاج الى عملية جراحية والا سيترك اثرا واضحا 

تحسست الضمادة على خدي بيد مرتجفة وانا افكر بسخرية فيما حاجتي لعملية تجميلية , فلمن ساتمنى ان اكون جميلة بعد اليوم ؟ ما الفرق الذي سيشكله وجود ذاك الجرح ؟ بل انني الح على الاحتفاظ به لكي يذكرني باحساس الغدر والا اامن جانب احد بعد اليوم , هذا على اعتبار انني قد انسى يوما , شيء اشك كثيرا بتحقيقه والذكريات لازالت راسخة بحدتها في مخيلتي حية كانها شريط فيديو يكرر تلقائيا . ابتسمت لها شاكرة بينما سمية تقدم لنا الشاي مرفقا ببعض الفطائر الشهية , قالت سمية بينما تسكب الشاي المنعنع في اكواب عادية 

-شكرا لك يا ليلى , لقد غمرتنا بلطفك , اتعبناك معنا 

اجابت ليلى بينما تتناول منها الكوب وابتسامة متسامحة تتخلل ملامحها 

-ما هذا الكلام يا سمية ؟انا لم افعل غير الواجب , اضافة الجار للجار ونبينا الحبيب وصى على سابع جار 

ردت عليها سمية بنظرات امتنان خالصة وهي ترشف من كاسها لتقول بعد ذلك 

-صلى الله عليه وسلم , دائما انت هكذا , ابنة جود وكرم , لم اقصدك يوما في معروف ورددتني خائبة 

ابتسمت ليلى بحياء 

-شكرا حبيبتي انا لم افعل غير الواجب 

ثم استطردت سائلة 

-لم تخبريني كيف تعرفان بعضكما ؟ 

رمقت سمية بنظرات مرتبكة متوسلة , فهمت الاخيرة الرسالة الصامتة لتجيب بصوت هادئ 

-انها ابنة خالتي , وصلت في الصباح الباكر لقد اتت من مدينة اخرى 

بادرتها ليلى بفضول 

-من اي مدينة بالضبط ؟ 

هذه المرة كنت انا من تولت الاجابة فلو تركت سمية تجيب قد نفضح اذا ما اختارت مدينة ذي لهجة مميزة 

-اكادير اتيت من اكادير 

صاحت ليلى مهللة 

-اهلا بناس اكادير , احب هذه المدينة لكن للاسف لم يسبق لي زيارتها , الكل يمدح فيها 

غمغمت بشرود وانا استرجع بالم ذكرياتي السعيدة في تلك المدينة الرائعة 

-انها مدينة مذهلة لن تندمي ابدا على زيارتها 

وضعت ليلى كاسها متنهدة بضيق 

-الذهاب الى هناك يستلزم نقودا كثيرة وانا راتبي محدود لا يسمح لي برفاهية السفر الى مدينة بعيدة , اسمحا لي ان اترككما فانا متعبة جدا , سعدت بمعرفتك شهد واتمنى للسافل الذي اذاك ان يلق جزاءه في القريب العاجل , اكره الرجال الذين يستقوون على النساء 

ابتسمت بحرج وانا اتحسس من جديد ضمادتي مغمغمة بتحية غير مفهومة 

كن نجلس خارجا في جلسة تقليدية على الارض وقد افترشنا الحصير قرب ما يسمى حديقة السطح اذ ان السيدة ليلى وضعت العديد من الاصيص بالنباتات المتنوعة و اخذت على عاتقها سقيها والاهتمام بها , لم تكن حديقة حقيقية لكنها اعطت لمسة جمالية للمكان المهترئ . رددت سمية بعد قليل بصوت محرج لكنه يحمل في طياته الصرامة 

-اعلم ان الوقت ليس مناسبا , وارجو الا تسيئي فهمي , ما الذي تنوين فعله ؟ 

سؤالها كان بسيطا لكن مباغتا وصعب الاجابة , فكرت وانا انقل بصري بعيدا ضائعة في افكاري , ما الذي علي فعله ؟ انا لا اعرف ببساطة لا اعرف . امام صمتي التام تولت سمية دفة الحديث وهي تقول بصوت شابته نبرة حزينة مريرة 

-لا تعتقدي انك الوحيدة التي جار عليها الزمن وظلمتها الاقدار , لا يا عزيزتي فكل واحدة من قاطنات هذا السطح تجرعت المرار , صحيح ان قصصنا مختلفة لكن الالم واحد , الحياة يا حبيبتي لم تترك احدا الا وطعنته بسهام الغدر ربما في يوم من الايام ساحكي لك قصة كل منا , لكن الان المهم هو ان تعرفي الخطوات الواجب اتباعها لكي تبقي على قيد الحياة , اجل فكري بنفسك انك تعيشين وسط غابة بين الوحوش 

توقفت لحظة لتلتقط انفاسها وعيناها تمتلان بمعرفة حصلت عليها عن خبرة ثم استانفت حديثها 

-كي تعيشي في هذه الحياة يجب ان تكوني واحدا من هذه الوحوش والا وجدت نفسك ضحية يتغذى عليها الكل 

ثم التفتت الي محدقة بعيني مباشرة 

-اول ما عليك التفكير به هو المال , يجب ان تحصلي على عمل يذر عليك دخلا يمكنك من استئجار ماوى والحصول على طعام 

تمتمت بصوت خافت 

-لدي بعض المجوهرات 

نظرت الي سمية باستمتاع وهي تهتف بصوت مرح 

-يا لك من ساذجة ؟؟؟ 

ارتسمت نظرة من الاهانة على محياي فسارعت الاخرى مستدركة بصوت اسف 

-لا تسيئي فهمي , الامر انك ذكرتني بالفتاة التي كنتها يوما 

ثم نهضت متوجهة الى الجدار المنخفض للسطح , تاملت السطوح الرمادية التي استعملت كقبو يطرح فيه جميع الاشياء الغير المستعملة والتي لم يقدر اصحابها على التخلص منها لتمنح منظرا مشوها للحي , اصبحت نظراتها قاتمة وهي تواصل بصوت غلفته المرارة 

-كنت مثلك فتاة ساذجة بريئة لم اختبر قسوة الحياة وفجاة رميت وسط امواج عاتية اخذت تتقاذفني بلا رحمة , وجدت طوق نجاة تشبثت به بكل قواي لكنني بعد فوات الاوان اكتشفت انه اخطبوط احاط بي من كل جانب ليغرقني في القاع بعد ان امتص كل قطرة دم تجري في عروقي 

استدارت تواجهني قبل ان تكمل 

-انت تتساءلين لماذا اردت مساعدتك ؟ حينما تطلعت الى عينيك رايت تلك الفتاة التي كنتها يوما , تلك الفتاة التي اغتالوها وقضوا عليها , ماكنت لاسمح ان تتعرضي لما تعرضت له , كنت اتمنى لو وجدت احدا حينها يساعدني لكن للاسف لم اجد , اردت ان اجنبك مرار ما مررت به , لقد كان قاسيا ومؤلما ولن تتصوري ابدا كم الاحزان التي احملها في قلبي , لذا قررت ان اخذ بيدك واول خطوة هي العمل , صحيح ان المجوهرات لها قيمتها و ستساعدك لكنها ليست دائمة , لكم من يوم ستبقى معك ؟ ليوم؟ اشهر ؟ عليك ان تجدي عملا سريعا انت الان وحدك لا معين ولا احد سيقدم لك العون مجانا لذلك انسي ما حدث اعتبريه من الماضي البعيد , فكري بالمستقبل ولا تدعي الامك تشدك الى الهاوية , اجل انت الان على شفير الهاوية وان لم تحسني الاختيار وتتحكمي بزمام الامور ستجدين نفسك سريعا في القاع مع اولئك الذين استسلموا للظروف ورضوا ان يعيشوا على الهامش .

والان اسمحي لي, لدي امر علي الاهتمام به ساغيب لبعض الوقت وادعك تفكرين بهدوء بالقرار الذي عليك اتخاذه 

ثم استدارت مغادرة بعد ان التقطت مفاتيحها ونظاراتها الشمسية , راقبتها تبتعد بنظرات شاردة بينما كلماتها يتردد صداها عميقا داخلي , كنت افكر يا للمفارقة ؟؟؟ انها غريبة مجرد غريبة التقيتها صدفة في ظروف حالكة ومع ذلك وقفت الى جانبي وقفة رجل , اثر بها مصابي , انسانة غريبة في مكان غريب ووقت اغرب , لكنني لمست فيها انسانية اكثر من هؤلاء الذين اعتبرتهم اهلي واسكنتهم فسيح قلبي وكنت مستعدة لافديهم بروحي . سالت نفسي , اذا كان هذا صحيحا , هل صحيح انني عشت كذبة طوال هذه السنوات ؟ كانت سمية محقة , الى متى سابكي واذرف الدموع ؟ واخيرا ادركت ان علي ان استجمع نفسي فعزمت على الا افكر فيما مضى وان اركز على حياتي الجديدة , ان كانوا هم قادرين على محوي من حياتهم فانا ايضا ساتصرف بالمثل , لن اتحدث عن الماضي مطلقا وساحاول الا افكر فيه كثيرا ولكني عزمت ان اعود الى هناك يوما , كنت اعلم ان علي انتظار وقت طويل للعودة , فامامي مشوار طويل لالملم شتات نفسي وارتب اوراقي , لكنني ساعود وحينها لن ارحم احدا منهم , ساجعلهم يذوقون كل المرار والياس والالم . 

وهكذا توالت الايام وانا ابحث عن بداية جديدة لحياتي الجديدة , صدقت سمية في تكهناتها , بعد بيعي للمجوهرات القليلة التي استطاعت سامية تزويدي بها , اخذت النقود تتسلل من يدي بسرعة كبيرة , فبين مشاركتي لسمية بايجار الغرفة والاكل وبين مصاريف تنقلي للبحث عن عمل , تقلص المبلغ الذي حصلت عليه وبدا التوتر والهلع يتسللان الي رويدا رويدا , ماذا اذا انقضى المال قبل ان اعثر على عمل ؟ لقد حفيت قدماي وانا اتنقل بين الشركات للحصول على منصب يناسب مؤهلاتي , رغم توفري على دكتوراه في ادارة الاعمال الا ان افتقاري للخبرة جعل حظوظي للنجاح تعادل الصفر . نبهتني سمية وليلى الا انتظر العمل بشهادتي ولابد لي ان اتنازل واقبل عملا دون مؤهلاتي كما يفعل الكثير من شباب اليوم , فالعمل ضمن مجال تخصصك اصبح عملة نادرة في هذه الايام , وهكذا قبلت منصب سكرتيرة في شركة متواضعة , منصب لم احتفظ به كثيرا لان صاحب الشركة يرى ان تسليته ومجاراته من ضمن المسؤوليات المنوطة بالسكرتيرة , ثم بعدها تكررت السيناريوهات وحينما وجدت اخيرا صاحب عمل محترم , عانيت من استهتار ابنه الذي كان يستبيح عرض كل من تلبس تنورة . ومن بين المرات التي لم اواجه تحرشا بمقر عملي , كانت زوجة الرئيس غيورة جدا واعتبرت ان جمالي نقطة سوداء في سجل عملي . تخليت نهائيا عن العمل كسكرتيرة , ونظرا لقلة فرص العمل ولان المال قد شح في جيبي , ارتضيت ان اعمل خادمة في البيوت , اجل ابنة الياسي احد اغنى رجال البلد تمسح وتغسل وتكنس وتخدم الناس , اول مرة قمت بهذا العمل احسست بمدى فداحة الوضع الذي انا فيه , احسست بذل وقهر يهدان الجبال , حينها ادركت معنى "ارحموا عزيز قوم ذل " , لا يمكنني ان اصف مدى ما شعرت به من ذل وهوان , انا التي كنت القي الاوامر اتلقاها الان , انا من كنت احسن الى الخدم واقدم لهم المساعدات اصبحت اجد صعوبة في تحصيل قوت يومي , يا الله ؟؟؟ هل يفكر بي ابي الان ؟ هل يعلم ما اقاسيه وهو الذي لم يهياني لهذه الحياة ؟ لم عودني على رغد العيش والحياة بكرامة وكبرياء ان كان بعدها سيلقيني في الوحل لاصبح مطمع ذئاب لم تر في الا فريسة سهلة , وبين ايدي ربات بيوت متنمرات اعتقدن انهن استعبدنني بتلك الدريهمات القليلة ليستبحن كرامتي وعزة نفسي ؟ وهكذا كان جمالي نقمة رافقتني في كل عمل حصلت عليه , رغم الندبة على وجهي , فالسيدات كن يخفن على ازواجهن مني خاصة حينما يعلمن انني مطلقة فيحاصرنني بشكوكهن وتشددهن ويتفانين في اعطائي مختلف الاعمال الشاقة التي لاتخطر على بال حتى اقرر وحدي ترك العمل دون ان اطالبهن باستحقاقاتي . وفي اخر عمل حصلت عليه وكان هذا القشة التي قسمت ظهر البعير , كنت وحدي في الشقة بينما السيد والسيدة في عملهما , كنت منهمكة في غسل الاواني حينما شعرت بيدين تحيطان خصري , اصبت بحالة رعب سمرتني في مكاني ليسقط الصحن من يدي ويتهشم الى قطع صغيرة , احسست بانفاس حارة كريهة على عنقي وصوت خفيض يهمس بالقرب من اذني 

-ارحميني يا شهد , كوني لي وسامنحك كل ما تريدين 

ثم انهال على عنقي بقبلات حيوانية جشعة , كنت ارتجف من شدة خوفي وانا احاول ان اتخلص من حالة الجمود التي استولت علي , تقلصت معدتي واحسست بالغثيان , وفجاة استجمعت قوتي لادفعه عني حينما سمعت صوتا يقول بنبرة ساخرة تفيظ حقدا 

-ألهذا السبب تركت عملك باكرا 

🏵🏵🏵🏵🏵🏵


  »»»»»»»الفصل التالي«««««««




    »»»»»»»الفصل السابق«««««««




    »»»»»»»العودة للألبوم«««««««









تعليقات