الفصل الخامس والعشرون ❤
فتحت هذه المرة عينيها بثقة وعزم لتواجهه بنظراتها المتحدية وتبدا في القاء كلماتها التي حملتها كل شجنها وغضبها
اخر رسالة هاتوصلك .. اخر رسالة
بدموع عينيٌه كتبتلك .. اخر رسالة
لو اني اغرق في الدموع
ولا اني ارضى بالخضوع
ولا عمري هااستنا الرجوع
لاكني بس بفكرك ..
اخر رسالة هاتوصلك .. اخر رسالة
على حالي دمعي كتير بكا
بدلت افراحي بكا
وجرحت قلبي ولا اشتكا
يا ريتني ماتطمنت لك ..
لو اني اغرق في الدموع
ولا اني ارضى بالخضوع
ولا عمري هااستنا الرجوع
لاكني بس بفكرك ..
اخر رسالة هاتوصلك .. اخر رسالة
انا قلبي وياك انظلم
واتحمل النار والألم
دلوقت حسيت بالندم
علشان غلط وملت لك ..
لو اني اغرق في الدموع
ولا اني ارضى بالخضوع
ولا عمري هااستنا الرجوع
لاكني بس بفكرك ..
اخر رسالة هاتوصلك .. اخر رسالة
وقفت جامدة للحظات حيث غاب المكان من حولها وتوقفت عجلة الزمن عن الدوران , حدقت عميقا في مقلتيه وماقيها فاضت له بسؤالين : اين حبك ؟اين وعدك ؟
لم يتفوه اي منهما بكلمة واحدة فقد تكفلت العيون بما عجزت عنه الالسنة . موجة من التصفيقات الحارة كان ما اخلرجهما من حديثهما الصامت وموجات العتاب التي عاتت بها عيناها , انتفضت نور وجلا وقد انفصلت عن واقعها تماما لكنها سرعان ما تمالكت نفسها وهي تسحب عنوة عينيها من اسر نظراته . توجهت الى الحضور الغافل عن اتون معركة الاعين الدائرة بينهما , راقبتهم بصمت قبل ان تتحدث بصوت جهوري صارم عمدا كي تذكر نفسها الا تضعف
-الحقيقة جمعتكم اليوم لسببين , طبعا السبب الاول هو عيد نوران اما السبب الثاني فهو سهرة حميمة بين اصدقاء قدامى
عم الصمت ارجاء المكان والكل يتبادل نظرات حائرة , كانت هند من تناول الكلمة وهي تقول بنبرة متهكمة حاقدة
-اتت منذ يومين والان تعتبر نفسها من الاصدقاء القدامى
ابتسمت نور بعذوبة وهي تتحدث بصوت ناعم كنعومة الحية
-لا عزيزتي انت مخطئة فانا اعرف الجميع هنا منذ نعومة اظافري
همهمات تعالت في جنبات القاعة وعلامات الحيرة والاستغراب علت الوجوه لتتابع نور كلامها باستمتاع بالجلبة التي احدثتها في مشاعرهم
-انا صديقة لشهد
صمت ثقيل متوتر اثخن نفوس الحاضرين قبل ان يتردد صداه في كل شبر من القاعة , حدجت نور اياد بنظرات جانبية خاطفة تنتظر منه اي بادرة لتكذيبها بيد انه خيب توقعاتها ملتزما الصمت وهو يكتف ذراعيه امام صدره مترقبا بعدما تخلص من تدخينه الشره . التوتر الصدمة التقزز الحزن الحنين الحسرة مشاعر مختلفة ارتسمت على معالم الحضور الذاهل , تجاهلت نور ردات فعلهم المتفاوتة لتواصل بثقة والرهبة الاولى قد غادرتها الى غير رجعة , لم عليها الخوف او التردد ؟هي صاحبة حق وهم من عليهم تسديد الديون
-التقيت بها في يوم من الايام وحكت قصتها , حقيقة تعاطفت معها واتعجبت كيف يمكن لاهلها ان يكونوا بمنتهى القسوة
ارتفع صوت هند صاخبا وهي تلفظ الكلمات لفظا
-انها كذابة وكل ما روته لك مجرد تلفيقات ثم كيف تخبريننا اننا نعرفك منذ الصغر والان تقولين انك التقيت بها ؟ انت مجرد كاذبة افاقة
تصفيقات عالية تردد صداها بالمكان ونور تبتسم باعجاب مصطنع لتقول بنعومة
-برافو ارى انك متابعة جيدة لكنني اتساءل لما كل هذا الحقد والكره لشهد ؟ الستما صديقتان ؟
تطلعت اليها هند بمكر لتقول بصوت خبيث
-بما انك صديقتها لابد انها اخبرتك
تابع الكل الحرب الكلامية الحامية الوطيس من دون ان يجرا احدهم على الكلام
لوحت نور بيدها عاليا
-اهوو لقد اخبرتني الكثير مثلا كيف انك واختها ضحى قد قمتما بتدبير مؤامرة خبيثة لتفرقاها عن زوجها
انفلتت اعصاب هند لتصرخ عاليا وقد انتصبت واقفة وكل عضلات جسدها في انقباض
-اخرسي ايتها الساقطة , كل ما اخبرتك اياه مجرد اكاذيب
تاملتها نور بملامح جامدة لا تلوي على شيء للحظات قبل ان تلتفت الى الحاج يونس وتواجهه بنظراتها الثاقبة
-لقد اخبرتني بان هاتين الاثنتين قامتا بتلفيق تهمة فرية لها وانهما كانتا السبب في طردكم لها
ظل الحاج صائما عن الكلام يتطلع اليها بمشاعر تمتزج بين العجز الامل والحزن الدفين , صوت لونه البغض في اقصى درجاته انطلق من ورائها هائجا صاخبا
-لا تصدقها يا عمي انها مفترية ترمي الناس باطلا اضافة انى لها ان تقابل شهد ؟
عندها فقط تقهقرت نور خطوات قليلة الى الوراء حتى اصبح الجميع في مجال نظرها , القت عليهم نظرة اخيرة قبل ان تمد يدها وتزيح ببطء القناع عن وجهها . انتظرت وهلة تطرق براسها قبل ان تقرر رفعه عاليا شامخا وهي تقول بصوت حافظ على هدوئه رغم الظروف
-الصراحة هي لم تكن صديقتي يوما لانه ببساطة انا هي شهد
اعترافها كان له وقع القنبلة المدوية , الذهول سيطر على الوجوه . الحاج يونس انهمرت عبراته بعد شهقة قوية وقلبه ينبض بالحياة من جديد , الله يمنحه فرصة ثانية فرصة اخرى في الامل . لقد عادت اليه ابنته الحبيبة هي لم تمت كما اعتقدها , نظراته كانت خليطا من الفرح والامتنان للخالق . نظرت اليه نور اولا بجمود وهي تقول بصوت بارد
-الحقيقة لم اكن اظن انك ستبحث عني يوما , ارجو ان تكون هديتي لك قد حازت اعجابك
رمقها الحاج بنظرات حائرة غافلا عن لوم وعتاب زوجته الى جانبه التي حدقت اليه باسف , اما نور فقد واصلت حديثها غير مبالية بالاخرين
-اقصد انا من من كلف المخبر ان ينباك بخبر هلاكي ففي الاخير انت من الف مسرحية موتي
تقوس حاجباه واتسعت حدقتاه في ذهول والانكسار والندم يشقان طريقهما الى ملامحه بيد انها لم تهتم وهي تشيح بنظراتها بعيدا عنه لينصب اهتمامها هذه المرة على الحاجة هناء
-انت من بين كل الناس ادميت قلبي , الام منبع الحنان . هل تعلمين ان الحيوانات تدافع بشراسة عن صغارها ؟ وانت ماذا فعلت ؟ يقال ان الام اعلم الناس بخبايا ابنائها بفضل قلبها وحدسها الامومي , الم يخبرك حدسك انني مظلومة ؟ وحتى ان كنت ظالمة كيف طاوعك قلبك على نفيي من حياتك ؟ هل تسمين نفسك اما ؟ هل تعلمين اكثر شيء اثار سخريتي ؟ حينما اخذت توصيني بالولدين خيرا .. توقفت للحظة تقهقه عاليا بتهكم قبل ان تسترسل ..-توصينني بولداي ؟؟الم يكن الاجدر بك ان تحافظي على والدتهما وتحميها بحياتك ؟؟
غامت عيناها بغشاوة رقيقة منعتها بحزم قاس من التحول الى قطرات تنساب على خديها , لم تستسلم او تضعف لمراى الحاجة الواهن وسط موجات الحزن والندم التي اخذت تلطمها من كل صوب وحذب .
تركتها لدموعها المتناثرة كسيل العرم وتوجهت الى سعيد الذي فقد نظراته الحاقدة كي تعوضها اخرى منذهلة ووذليلة . تبسمت بمرارة في وجهه وقالت بصوت ساخر
-انت الان بالتاكيد تدرك لماذا موجات عدائي لك . هل تعلم ؟ لقد تلقنت درسا :طالما انت اخي انا ابدا لن اكون بخير . شكرا لك لانك علمتني كم كنت غبية لانني امنت دائما بمتانة العلاقة التي تربط بين الاخوة
طاطا سعيد براسه وسدل اهذابه مخفيا بذلك مشاعر الندامة والاسف العميقين اللذين حفرا داخل قلبه قبل عينيه .
انتقلت منه الى هند ونظراتها قست بحقد وغضب عارمين
-اخبريني ما شعورك وانت ترمين بنفس الافك الذي رميتني به سابقا ؟..سكتت قليلا ملتفتة الى الاخرين وهي تقول بنبرة ساخرة تتصنع الاسف
-يا جماعة لا تقسوا عليها لم يكن لها دخل في قضية الرجل الذي ضبتموه معها في غرفة النوم , لقد كان الامر من تخطيطي , فقط جرعتها من نفس الكاس التي اذاقتني اياها
ثم عادت ترمقها بنظرات متحدية مستفزة , بركان ثائر اشتعل في قرارة عينيها لكن نظرات الاحتقار والنبذ من الحاضرين اليها كانت كافية لجعلها تنكمش على نفسها وهي تجبر نفسها على الهدوء والسكون . ابتسمت نور في انتصار لتدعها تغلي في نيران حقدها وهي تتوجه الى نسرين وياسر الصامتين , لكن اعينهما كان لها شان اخر , لقد فاضت بالحب والفرح الحقيقين . قناع البرود تلاشى ونور تضمهما بشدة الى قلبها تقبلهما معا قبل ان تبتعد وتقول بصوت حنون
-انتما فخر هذه العائلة , قلبها الذي لم تطله الاحقاد ولم تشوهه الاكاذيب . ابقيا وفيان لطبيعتكما ولا تتغيرا ابدا
عانقتهما مرة اخرى وهي تطبع قبلتين حارتين على جبين كل منهما قبل ان تفلتهما وتخطو صوب اخر غريم لها ,
ضحى القابعة بذل كسير في زاوية من زوايا القاعة الفسيحة , وقفت بعيدة منها لانها بمنتهى البساطة لم تكن قادرة على الدنو منها اكثر , اولتها ظهرها وبدات بالكلام بصوت مرير ذي غصة اليمة
- لقد اكتشفت امرا : منذ اتيت الى هذه الدنيا وانا لا افعل شيئا سوى مسامحتك على اخطائك الكثيرة بحقي , منذ الوهلة الاولى , تساهلت معك , قلبي الغبي كان يابى ان يحمل ضغينة ضدك , او يضمر لك شرا . هل تعلمين انك كنت فيما مضى مثلي الاعلى ؟؟؟
ابتسمت بسخرية وهي تطاطا راسها بينما تدلك جبينها بيدها في محاولة فاشلة منها لوقف تدفق تلك الذكريات التي ظنتها اختفت من عقلها منذ امد بعيد . توقفت عن الكلام لبعض الوقت حتى تخفف قليلا من الالم الذي سببه هذا السيل من الذكريات . حديثها لم يكن صادما لها وحدها , فمخاطبتها هي الاخرى ذهلت من الكلام الذي تردد على مسامعها , هي لم يسبق لها ابدا ان فكرت بما تشعر به اختها , او ما تحسه نحوها لانها دائما وبكل بساطة كانت مشغولة بنفسها وبنزواتها وبكيفية ارضائها .
واصلت نور ونظراتها التائهة مسلطة على نقطة بعيدة تلاشت في الافق لتقول بصوت خال من اي تعبير :
-لقد كنت شقيقتي الكبرى , كنت مبهورة بشخصيتك القوية وصلابتك , كنت ماخوذة بطلتك البهية ومظهرك الانيق . اتدرين انني كنت اتمنى لو ان لي شعرا كشعرك ؟ كنت اكره لون شعري وانا اقارنه بلون شعرك , وكنت عازمة على تغييره متى كبرت ...قهقهت عاليا بينما سخرية مريرة حفرت قسماتها وهي تردف بنبرة حاقدة :
-اتعرفين منذ متى توقفت عن اتخاذك قدوة لي في هذه الحياة ؟التفتت ببطء مدروس لتحدق مباشرة في عينيها بنظرات خاوية وتقول بصوت لا ينم عن شيء :
-لقد توقفت عن ذلك منذ قررت بكل وحشية كسر العروس التي اهداني اياها اياد في عيد ميلادي , كنت اراقبك وانت تكسرينها بغل وحقد وتمزقين بشراسة زيها الحريري . لم اكن استطيع التصديق او بالاحرى لم ارد ان اصدق ان شقيقتي حبيبتي كانت تقوم بتخريب اعز لعبة على قلبي , شاهدت ملامحك التي عشقتها دوما تتشوه بمشاعر الكره وتظلم باحاسيس الحقد . يومها لم تكسري لعبتي فقط ولكنك كسرت حلمي الجميل , كسرت تلك الصورة الوردية التي رسمتها عنك . يومها اختي العزيزة , فقدتني , انت لم تخسريني منذ ست سنين , ولكنك خسرتني قبل ذلك بكثير .
سكتت للحظات تحاول ان تمنع نفسها من البكاء والماضي يعيد نفسه في ذاكرتها :
تساءلت دوما عن سبب تصرفاتك السلبية اتجاهي , كنت اعتقد ان سلوكك سببه غطلة اقترفتها , لكن الحقيقة كانت خلاف ذلك , الحقيقة كانت انك انسانة انانية لا تحب الا نفسها , غيرتك مني ما كانت الا قناعا تخفين وراءه نفسك المريضة الملونة بالسواد . لم يكن ذنبي ان الكل احبني اكثر منك , لانه ببساطة انت من دفعتهم بعيدا عنك بلامبالاتك وعجرفتك , انت جعلتهم ينفرون منك بمعاملتك المتكبرة . حياتك البائسة كما تصفينها سببها شخصيتك الحقودة المعقدة التي ترى دائما نجاح الاخرين مصدر تعاسة لها , اكبري و انضجي , ماعدت تلك الفتاة الصغيرة التي يغفرون لها زلاتها , تحملي مسؤولية اخطائك ولا تلقي بفشلك على الاخرين . انظري الى نفسك , تاملي ما وصلت اليه , حتى زوجك جعلته يهرب بعيدا عنك بل حتى ولداك هجراك , تنكرت للجميع فتنكروا لك , طيلة حياتك كنت مخلصة لشخص واحد لضحى , وها انت الان تحصدين نتيجة اخلاصك . انظري حولك..
قالت عبارتها بنبرة متهكمة وهي تشير حولها بذراعان مفتوحتان:
فلا يوجد غيرها معك اخلصت لها فاخلصت لك هي الاخرى . اخترتها دونا عن الكل وفضلتها على اي فرد منا فعيشي معها الان وليطب لك المقام معها ...
ختمت كلامها بزفرة تعب احستها خرجت من اعماقها كما اطلقت الكلام الذي كانت تحضره منذ وقت طويل متحينة الفرصة كي تلقي به من على كاهلها , طاطات براسها للحظات قبل ان تلقي بنظرة متاملة على المراة التي احبتها يوما اكثر من نفسها دون ان تتاثر بحالتها المزرية وهي تراها تدفن وجهها بين يديها في نفس الوقت الذي تهالكت فيه على الاريكة القريبة منها ليرتفع صوت نحيبها عاليا في المكان . راقبت نور شموخ ضحى الذي كان يميزها ينكسر كما انكسر قلبها هي من قبل , وتاملت كبرياءها المزيفة تهوي ارضا دون ان يرمش لها جفن . لم تستطع ان تتعاطف معها ولم تكن قادرة على مواساتها , كانت تنظر اليها وكل الذكريات المريرة بينهما ابت الا ان تظهر في تلك اللحظات كشريط مصور بالوان نابضة اخذ يعرض في ذاكرتها . تقدمت عابرة الردهة بقامة منتصبة بشموخ لم تزعزعه اهات الانين المنبعثة من جوف شقيقتها بل واصلت طريقها وملامح وجهها خالية من اي تعبير . وصلت الى الباب فحانت منها التفاتة اخيرة , لتنظر بدون اي ذرة احساس الى الصورة الحزينة التي كانت تمثل شبح امراة قامت بتخريب حياتها وقضت على مشاعر والحب والحنان التي كانت تخصها بها . رفعت يدها في حركة خاطفة مودعة اياها الوداع الاخير , لان خطا ضحى هذه المرة تجاوز بمراحل لعبة البورسلين التي قامت بكسرها , لقد ااذتها كثيرا وقلبها البريء الهش الذي كان يغفر ويسامح ما عاد بريئا وما عاد هشا . كما انها ابدا لن تسامح من تسبب بالاذية لولديها . غادرت ونظراتها كلها تصميم وعزم على طي هذه الصفحة من حياتها الى الابد ...
غادرت غير ابهة بالشهقات والنحيب الذي تعالى من خلف ظهرها , غادرت من دون ان يستطيع اي منهم الكلام او يتجرا على ايقافها. كان جرمهم بحقها عظيما لكي تستطيع التخفيف من وطاته العبارات فتركتهم يسيلون العبرات لربما تتمكن من تطهير ارواحهم ..
بقلم sweettara
🧡🧡🧡🧡🧡🧡🧡🧡🧡🧡🧡🧡🧡🧡