الفصل الرابع والعشرون ❤
ازالت نور فوطة الحمام عن شعرها ثم مدت يدها تسحب العدستين الملونتين , حدقت بالارضر مطولا وقلبها يخفق بسرعة بينما كانت يداها ترتجفان , الخوف شل حركتها وسمرها في مكانها في الوقت الذي اخذت فيه الذكريات تعصف بعقلها , رفعت كفيها وامسكت براسها علها توقف ذاك السيل المتدفق بلا هوادة , اغمضت عينيها وضغطت بشدة ثم عادت وفتحت مقلتيها وببطء شديد رفعت بصرها لمراة الزينة التي استقرت امامها بشموخ كانها تتحداها ان تستطيع ان تلقي نظرة واحدة عليها .
تاملت الظل الماثل امامها بعينين ترمشان بسرعة قبل ان تهدا بعد ان قررت صاحبتهما ان الوقت قد حان , سقطت ذراعاها الى جانبها ووقفت كالتمثال , فقط عيناها الغائمتان وشفتاها المرتجفتان ما دلا على الحياة فيها , احست بقلبها يتوقف لبرهة قبل ان ينطلق سريعا في سباق مع الزمن .
حدجت الصورة المنعكسة في المراة بنظرات خاوية مستغربة , مدت يدها لكنها اصطدمت بسطح بارد جامد نقل البرودة الى قلبها ومشاعرها فانزلت يديها تحيط بهما جسدها في محاولة منها لجلب شيء من الدفء وعيناها لازالتا مسمرتان على انعكاسها في المراة , هل هو حقا انعكاسها ؟؟
انها ترى الصورة امامها لكنها لا تتعرف عليها , ما تراه لا يعدو ان يكون شبحا , طيفا من ايام غابرة دفنتها منذ الازل , تتبعت غلالة الشعر الحريري المقلمة بالذهب بنظرات امتزج فيها الحنين والغربة , فيما مضى كان شعرها مدعاة لفخرها , تذكرت كلماته "شعرك هذا يوما ما سيذهب بعقلي لكم اعشق ان اتلحف به و انت بين ذراعي "ارتجفت شفتاها فاشاحت بنظراتها الى عينيها , كانتا زرقاوتان يميل لونهما الى الرمادي , لقد غابت وقتا طويلا حتى اشتاقت فيه الى نفسها , غدت صورتها كالغريبة بالنسبة اليها , امام هذه الفكرة انساب النهر داخل عينيها غزيرا ليحفر مجراه على خديها .
ظلت على تلك الحالة زمنا فقدت فيه احساسها بما حولها لترفع عينيها فجاة وتتامل الصورة امامها بنظرات ندم واعتذار بينما تعلو بيديها وتربت بحنان عليها وهي تهتف بنبرة معتذرة حنونة :
-اهلا بعودتك حبيبتي اسفة , اعتذر منك , سامحيني حبيبتي , لا لا يجب ان تبكي , لقد بكيت لسنين طويلة , كفاك بكاء عزيزتي , الان جاء دورهم هم من عليهم البكاء لا انت ..
ثم مسحت ماء جفنيها المترقرق بيدين مرتجفتين وتوجهت الى الحمام كي تزيل عنها تلك الاثار التي خلفتها دموع جمعت قهر سنينها ...
.................................................. ..............
احاط شعرها الذهبي بوجهها كالهالة وتدلى فوق عنقها العاجي . وضعت زينة خفيفة عكس ما اعتادته منذ ان اصبحت نورا , النتيجة كانت رائعة شبه مالوفة ؟؟
لقد بدت كامراة ناضجة هادئة ناعمة بملامح رقيقة تريح القلب قبل العين ببساطة لقد بدت كشهد , رن الاسم عميقا داخلها كمنبه ايقظها من سباتها العميق , اجل لقد كانت نائمة طيلة هذه السنوات , كانت كالاميرة سنوايت , الفكرة الاخيرة جلبت بسمة متهكمة الى شفتيها , فهي لم تكن بانتظار اميرها كي تستيقظ ولكن فارسها كان هو سبب سباتها .
القت نظرة اخيرة على شكلها قبل ان تثبت القناع الفضي الذي اختارته برفقة ولديها , هذا الاخير تلاءم بشكل مدهش مع فستانها الذي فضلته بلون عينيها ففيما مضى كان هذا لونه المفضل عليها , فستان بتقطيعة بسيطة تخدع المرء في البداية لانه كان قمة في الاناقة والشياكة , تاملت صورتها المنبعثة في المراة , لقد حصلت على مظهر غامض لا يمكن لاحد فيه ان يعتقدها شهد , ابتسامة رضى شاحبة اعتلت شفتيها قبل ان تاخذ نفسا عميقا وهي تستجمع ما توفر داخلها من شجاعة واهية اقنعت نفسها بها , استقامت بشموخ كاذب ويداها تمسدان بتوتر ثوبها ثم اتجهت خارجة من الغرفة .
كانت عائلة الياسي مجتمعة في الصالة الكبرى حيث اعتادت تنظيم حفلاتها . نزلت نور بخطوات حثيثة شامخة تراقبهم بعينين ثاقبتين , لم تكد تصل الى منتصف الدرج حينما استقبلها ريان ونوران بوجهين بشوشين وكل منهما يتناول يدا من يديها ليرافقاها مبتسمين فخرا وسعادة . بادلتهما الابتسام دون ان تغفل عيناها عن المراقبة وهي تبحث عن اياد الذي اختفى منذ ما حدث بينهما البارحة , تعلم يقينا انه لن يتخلف عن حضور عيد ميلاد ابنته . استقبلتهم الحاجة هناء عند اخر درج ببسمة متسعة من الفرح وهي تهلل
-حسن الان اجتمعت كل العائلة واصبح بامكاننا فتح الاحتفال
سايرها الشباب بالتصفيقات الحارة والتصفير هاتفين بمرح اما نور فلم تكلف نفسها عناء الابتسام , لقد ولى عهد التظاهر والاقنعة .
تقدمت من الفرقة الموسيقية واخذت تعزف اروع الاغاني التي تحبها ابنتها بفرح حقيقي ادخل البهجة الى قلب صاحبة عيد الميلاد .
كانت تغني وهي تحدجهم بنظرات غامضة لم يفطنوا الى معانيها بينما تتبادل هي وسامية نظرات متواطئة . وفي لحظة من اللحظات حانت منها التفاتة الى زاوية بعيدة من الصالة المزينة من اجل المناسبة , لتراه هناك مستندا الى الحائط واحدى يديه مستكينة في جيبه بينما الاخرى تمسك بسيجارة يمج انفاسها بنهم شديد بينما ملامحه سترها ظلام الزاوية . اشاحت بنظرها بعيدا عنه وقلبها بدا يعزف سمفونية خاصة به وحده بيد انها تجاهلتها وتجاهلته بالرغم من انها كانت تحس بنظراته تجلد بشرتها .
انتهى الاحتفال بالصغار , فغادر الشباب الحفل ليواصل الراشدون سهرتهم عندها بدات نور بغناء وصلات اختارتها بعناية .
وقفت امامهم وقد رسمت ابتسامة مصطنعة , كانت تعتقد انها اتقنت هذا الدور لكثرة ما تحضرت له لكن خوفا غادرا تسلل اليها وهي توشك اخيرا ان تحقق ما كانت تصبو اليه دائما , الليلة ستفعل ما حلمت طويلا به , الليلة ليلتها , لقد عملت بكد حتى تصل الى ما وصلت اليه وحتما لن تترك مشاعر ضعيفة كالخوف او الجبن تسرق منها لحظتها , عبت من الهواء ملء رئتيها ثم رفعت بصرها وبدات
ياعينى عليكى ياطيبة لما بتضيعى منا
لما بنصحى نلقينا بقينا حد غيرنا
وفعز الاحتياج لحضن يضمنا
وفعز الاشتياق لحضن يضمنا
قادرين ازاى ندوس على قلب حبنا وبقينا ازاى كده
كانت تردد المقطع ونظراتها المحملة بالعتاب واللوم والاتهام تتنقل بين كل واحد منهم
اجمل مافينا قلب اصبح حتة حجر اتعلم الخيانة واللعب بالبشر
ومين اختار لنا واحنا ازاى رضينا
نعيش وحوش فى غابة ونقول مكتوب علينا وبقينا ازاى كده
ياعينى عليكى ياطيبة لما بتضيعى منا
واه من يوم هيجى مليان جرح والم هتدور الدايرة بينا وهندفع التمن
وتصرخ مهما تصرخ ولا حد هيسمعك
مافيش مركب هتقدر بالعمر ترجعك
وبقينا ازاى كده
تاملتهم بنظرات خاوية وملامح لا تنطق بشيء وكل منهم يصفق لها , ابتسامة متهكمة تسللت الى شفتيها , على ماذا يصفقون ؟ لقد نعتتهم توا بقلوب متحجرة تحاكي في قساوتها الحجر فهل الامر يستحق الاحتفاء ؟؟
استدارت تعلم الفرقة باغنيتها الثانية وهي تتاكد من القناع على محياها , الوصلة الغنائية الثانية كانت اغنية تحبها كثيرا انتقتها لانها تشعرها بالسعادة والحزن في ان وايضا كي تمنحها شحنة من طاقة هي في امس الحاجة اليها . هذه المرة لم تتطلع الى اي منهم اغمضت عينيها وسافرت مع كلمات الاغنية وشذاها العذب
________________________________________
ساعات ساعات .... ساعات ساعات
احب عمري و اعشق الحاجات
احب كل الناس
و اد ايه احساس
و احس جوايا بميت نغم
ميت نغم يملى السكات
ساعات ساعات
ساعات ساعات احب عمري و اعشق الحاجات
**************************************
انتظرت لحظة قبل ان تفتح جفنيها وتتاملهم بدقة متناهية , الحاج استرخى في كرسيه مستمتعا باللحن العذب , لاول مرة بعد وعكته الصحية تلاحظ ان قسماته ساكنة مطمئنة وكان الحمل الثقيل الذي كان يحمله على عاتقه قد انزاح اخيرا .
الى جانبه على الاريكة المتصدرة للقاعة جلست الحاجة هناء المتانقة في قفطان "بلدي" زيتوني وقد تركت شعراتها العسلية التي تلقت قبلا فضية متناثرة هنا وهناك من القمرحرة تنسدل كا الحرير على كتفيها . الحاجة هي الاخرى بدت في استرخاء تام ويدها الممدودة الى جانبها تمسك بيد زوجها في شاعرية تامة لم تستطع الايام ان تطمس منها شيئا .
اما سعيد فكان ابعد ما يكون عن الراحة , لبث في مكانه على الاريكة الى جانب سامية يرمقها بنظرات تشبه السهام المسمومة القاتلة . يبدو انه لم يكن ينصت الى ما كانت تشدوه فلم يتاثر به ام انه فقط لا يملك قلبا تلمسه تلك الكلمات الشجية وتلك الانغام الناعمة .
هند ولاول مرة في حياتها تقبع بعيدا عن ضحى , كل منهما تبدو ضائعة شاردة تسبح في ملكوت خاص بها . ولاول مرة لا يحدجانها بلمحاتهما الساخطة و اللاعنة , ابتسامة رضا وتشف ارتسمت على شفتيها اللامعتين وهي تراقب ضحى جديدة ضحى غريبة بمظهرها المنكسر الكئيب .
حولت مسار نظراتها الى ياسر ونسرين لتعتلي ابتسامة مشرقة صادقة ثغرها الوردي , كان الاثنان ايضا يطوفان في مدار افكارهما الشخصية التي يبدو من خلال ملامحهما الهائمة انها شخصية جدا .
وفي الاخير التفتت الى صديقة عمرها التي ارسلت لها بنظرات متعاطفة و متضامنة وبسمات مشجعة لتخوض في غنوتها التالية بملامح سطرها الحزن العميق
مظلوم انا ..منك انا ..شفت الهوى فيه العنا
تظلم فوادي و تتهم ..يا كيف انا بعمري اخون ؟!
كذبتّني و صدقتهم ..كذبّت خلك و الظنـا
صدقت حاسد في الهوى..والله يا دنيا الجنون !
اعشق عيونك و ارتجيك ..افهم ترا انته المنى
يا كيف اخون الي سكن..في ناظري بوسط العيون ؟
يا صاحبي ..عين الظبي ..تاج الغلا..حبي انا
عشرة عمر بيني وبين..قلبك وعينك يا الفتون
هذا جزاي..جرحً تنثّر ..من هناك و من هنا
حسبي على ..كل واشي ً,,والي علينا يحسدون ..
هذي النهايه جرح واضح..يا عسى تعيش بهنى
وانته معا..مر الزمان..بتعرف انا ..ماقدر اخون
بعض الحكايات تبدأ بكلمة..
وتنتهي بصمت
وبعضها يبدأ بتجربة
وينتهي بإنفجار
وبعضها الآخر يبدأ بلعبة
وينتهى بمأساه
من بين كل الحكايات
هناك حكاية واحدة فقط
هي حكايه العمر كله
إنها تلك الحكاية التي تمسح كل الحكايات
وتبقى هي فقط بطقوسها وشخوصها
وهي حكايه لا تموت فيك ابدا.
لم تكن تغني بل كانت تبكي وهي تحكي قصتها رثاء , الكلمات خرجت من بين شفتيها عويلا ونحيبا استاثر باهتمام الموجودين الذين تيقظوا فجاة . واحد منهم فقط من كان يوليها كامل اهتمامه من البداية وهو يمج السيجارة تلو الاخرى , لقد فهم الرسالة جيدا .
حكايتها التي احتبستها داخل جوفها تخفيها عنها وعن الناس وعن سنينها ككنز ثمين تطايرت من بين تلك الكلمات التي اختارتها بعناية بالغة لتتطاير معها احزانها واناتها . لقد حان موعد تحررها من اسوار الوحدة التي نفيت اليها من غير ذنب , اليوم ستصالح فصل الربيع الذي خاصمها عن غير عمد . غدت محطتها قريبة, ستنزل من قطار الحزن والفجيعة الذي ركبته لاعوام طويلة , قطار مضى متانيا ثقيلا يمضغ سنوات عمرها البهية ويلتهم مساحات السعادة فيها . اخيرا ستنزل عن كتفيها وشاحها الاحمر الثقيل حيث جمعت جراحها الغائرة
🏵🏵🏵🏵🏵🏵
»»»»»»»الفصل التالي«««««««
»»»»»»»الفصل السابق««««««
»»»»»»»العودة للألبوم«««««««