الفصل 18 من رواية أسألك الرحيلا بقلم الكاتبة sweettara

 الفصل الثامن عشر ❤


هل يمكن للكلمات ان تقتل ؟ اجل هي متاكدة من ذلك , ذلك لانها ببساطة جربته لذا انتقت كلماتها بعناية بالغة حتى تزلزل تلك النظرة القاسية المتجبرة التي تتذكرها جيدا . احساس بنشوى لذيذة عارمة تسرب الى اوصالها وهي توجه ضربة موجعة لمن زرع تلك الورود السوداء الذابلة في روحها , كان هذا انتصارها الثاني وتتويجها بشرف في معركتها ضد من شيدوا لها صروح قلعة للحزن وحبسوها فيها , قلعة مجردة من الابواب والنوافذ ونيسها فيها الاوهام والذكريات والماسي . تركوها للنسيان واقسمت بلجة انينها ومنتهى انكسارها ستجعلهم بلا ذكرى وبلا نسيان 

وصلت الى الباب الخارجي واضعة يدها على اكرته لتفتحه كي تفاجا بصبية جميلة رقيقة شبيهة بنسمة صيف تقف امامها بعينين نجلاوتين ممطرتين وارنبة انف محمرة و شفتين مرتجفتين مزمومتين بقوة على شهقات تهدد بالانفلات . ارتاعت نور من مظهرها البائس وكتمت شهقتها بيدها قبل ان تتمالك نفسها متجاهلة نبضاتها المتسارعة بجزع وهي تمد يديها تحيط الفتاة بذراعيها بحنان في صمت مطبق . 

نسرين السابحة في ملكوت اخر بضياع منذ ان فارقت خطيبها كانت مرحبة بهذا الصدر الرحب المعروض بسخاء و الذي سارع الى احتضانها بدفء ومن دون اي تساؤلات . ظلتا على حالهما مدة من الزمن والفتاة المكلومة تنتفض بنحيب مكتوم بين يدي نور مثل العصفور الذبيح . بعد برهة ابعدتها عنها دون ان تحررها وهي لازالت تمسك بذراعيها لترسم على شفتيها ابتسامة باهتة ارادتها مطمئنة غير مبالية بسامية التي وقفت بجانبهما متجمدة الملامح , تكلمت بصوت رقيق عطوف 

-فلنذهب الى الحديقة , انت لا ترغبين ان يشاهدك احدهم بهذا المنظر

اومات لها الفتاة بخنوع من دون ان تنبس ببنت شفة فاقتادتها نور الى ركن معزول في الحديقة مازالت تذكره جيدا , اما سامية التي رافقتهما كظلهما فواظبت بمنتهى الاخلاص على حيادها 

تقدمت نور وكلها تامل وشجون بخطا حثيثة تستقبلها رائحة ازهار جميلة والوان تشد النظر بروعتها وطريقة تنسيقها , رفعت راسها تشاهد اشجارا باسقة ذات اثمار يانعة توحي بلذتها وطراوتها . اطرقت براسها تتمعن بارضها المعشوشبة التي بدت كفستان ربيعي شديد التانق بينما ارخت سمعها للموسيقى الشذية التي عزفتها عصافير المكان . تنهدت بعمق وهي تختار مقعدا حجريا لتستوي عليه بصحبة رفيقتها فيما فضلت سامية الجلوس بعيدا عنهما 

انتظرت نور قليلا تمنح نسرين بعضا من الوقت كي تلملم شتات نفسها بينما تتلصص عليها بنظرات جانبية . بعدها تحدثت بصوت ناعم حنون ملتفتة اليها ترفع راس الفتاة المنخفض وهي تمسك ذقنها باناملها 

-هل تشعرين بتحسن ؟ 

نسرين التي استرجعت هدوءها واستجمعت اشلاء ذاتها المبعثرة انتبهت متاخرة الى هوية صاحب الصدر الحنون فشعرت بالاستياء من نفسها ولعنت غباءها الذي جعلها تغفل عن حذرها الذي يرافقها دائما , قررت الانسحاب والهروب من هذا الموقف الحرج الذي اوجدت نفسها به حينما اتاها صوتها الناعم القلق الذي يقطر حنانا استشعرته قبلا في حضنها . شيء ما في تلك النبرة الرقيقة وفي تلك العينين الرؤومتين جعلها تتردد في تنفيذ قرار المغادرة , تنحنحت في مكانها في توتر وهي تشيح ببصرها بعيدا لترد بصوت خافت مضطرب 

-انا بخير اشكرك 

وضعت نور كفها على يديها المتشابكتين تعتصرهما في ارتباك راحمة حالهما لتسال بصوت متردد والامل يلمع داخل ماقيها 

-هل يمكنني ان اعرف ما الخطب ؟ 

هزت نسرين براسها تمهد لرفض قادم على الطريق حينما اعتراها فجاة شعور غامض بالالفة لمخاطبتها , اطبقت بفمها الذي فتحته ليفرج عن كلمات اعتراض مهذب وهي تغير رايها في اخر لحظة لتبدل عباراتها باخرى لطيفة مليئة بالثقة والحزن 

-لقد كان شجارا حادا مع خطيبي 

اتسعت حدقتا نور وارتفع حاجباها عاليا بذهول وهي تشير اليها بسبابتها ونتطق بعدم تصديق 

-انت تشاجرت شجارا عنيفا مع خطيبك ؟؟؟انا لا اصدقك 

هذه المرة كان دور نسرين لتنذهل لثانية واحدة فقط قبل ان تسدل باجفانها مخفية مشاعر الالم التي ضربتها في الصميم كي ترفع راسها عاليا وتقول بانفة وشموخ 

-انا لست كاذبة 

سارعت نور الى احتضان يدها برقة تضغط عليها لتجبرها على النظر اليها وهي تهتف بصوت رقيق معتذر 

-اوه لا حبيبتي , انا لم اقصد المعنى الذي وصلك . الامر فقط انك تبدين من النوع الوديع الهادئ ولم اكن لاتخيل يوما انه بمقدورك التشاجر مع احدهم . انت توحين الي انك من الفتيات اللواتي يلتزمن الصمت حينما تتازم الامور 

اطرقت نسرين براسها خجلا ومحياها يتلون بالاحمر القاني حتى منابت شعرها وهي تهمس بصوت متوتر مهزوز 

-الحقيقة اننا لم نتشاجر فعلا فانا كما قلت التزمت الصمت 

قالت كلمتها الاخيرة بصوت مخنوق بعبرات تهدد بالسقوط لتكمل بعدها 

-هذه هي مشكلتي , انا دائما التزم الصمت 

ثم انفجرت في نوبة بكاء حاد تحجب وجهها خلف يديها , زفرت نور بضيق وهي ترفع بصرها تتبادل النظرات القلقة مع سامية قبل ان تتخلل خصلات شعرها الحريرية باناملها الرشيقة في حنق , غرزت اسنانها في شفتها السفلى وهي تنتظر بنفاذ صبر جارتها ان تهدا 

بعد دقائق معدودة وبما انها لاحظت ان الفتاة ترفض ان تطلق سراح محياها بالرغم من انها سكنت قليلا فقد بادرت بنفسها الى ابعاد يديها وهي تقول بصوت حنون حازم 

-نسرين تطلعي الي حبيبتي 

طرفت نسرين بعينيها تخلص رموشها من اخر زخات مطرية حررتها مقلتيها اثناء نوبتها العاصفة , اخرجت انفاسا حارة تعادل في حرارتها النيران الملتهبة التي تتاكلها ثم جابهتها بنظرات شجاعة تلمع بالالم والحرج لياتيها صوت نور الدافئ 

-ليس عيبا ان يلتزم الانسان الصمت اثناء مواقف معينة يواجهها 

اوقفتها الاخرى وهي تقول بتذمر وحنق من نفسها 

-المشكلة انني خجولة جدا لا استطيع ان ابوح له بمشاعري 

تبادلت نور وسامية نظرات مرحة متواطئة قبل ان تبتسما بحنان ونور ترجع الى الخلف مستندة على ظهر المقعد الحجري وهي تكتف ذراعيها على صدرها ترمقها بنظرات حالمة . انقطعت نسرين عن الكلام وهي تحس بانها محط انظارهما لتحدجهما بنظرات متشككة وهي تقول بريبة 

-لما تنظران الي بهذه الطريقة ؟لم اشعر انكما تتسليان على حسابي ؟ 

كتمت سامية بيديها ضحكة مجلجلة في صعوبة بينما تمالكت نور نفسها وتحدثت بجدية 

-المسالة فقط حبيبتي ان مشكلتك العويصة ليست حقا عويصة , كلنا مررنا بهذه التجربة لهذا يمكنني ان اقول لك انها زوبعة في فنجان . الخطوبة هي مرحلة حساسة في حياة الثنائي , ففيها يتم التقارب بين الخطيبين حيث يتعرف كل منهما على طباع الاخر الشخصية وميوله وهواياته . ومن الطبيعي ان يكون هناك تصادم بين الشخصيتين فهما في مرحلة استكشاف وليسا مجبرين على ان يتطابقا في كل شيء والا تسرب الملل الى حياتهما . اضافة احب ان اوجه لك نصيحة صغيرة لاتخجلي منه صارحيه بكل ما يعتمل في صدرك , اعتبريه صديقك المقرب تبوحين له بكل اسرارك وحتما حبيبتي ستكونين المراة الاثيرة في قلبه . وتذكري دائما ان الحب هو الحل لكل المشاكل 

عند هاته الجملة الاخيرة اغرورقت عينا نسرين وذاكرتها تسافر بها الى ماض بعيد حيث كانت هذه العبارة المميزة لشقيقتها الحبيبة حينما كانت تحاول مواساتها . اقتربت من نور ودون سابق انذار ارتمت عليها تضمها اليها بشدة وقد اطلقت سراح الينبوع الصافي داخل مقلتيها كي يجري بانسياب على خديها مخلفا وراءه اخدودين رسما طريقهما بدقة متناهية . تصلبت نور في مكانها ذراعاها الى جنبها وملامحها تفيض بالاندهاش , استغرقت وقتا ليس هينا لتتجاوز مشاعرها المنذهلة قبل ان ترفع بدورها يديها وتبادلها العناق .

راقبت سامية المشهد امامها وعيناها ابتا الا ان تشاركا ابنتي خالتها مشاعرهما ففاضت بجود بما لديها من انهار مترقرقة 


دلفت الى السيارة بملامح قدت من صخر غير عابئة بسهام عاتبة تكاد تخرم جسدها من حدتها , فبعد انتهاء الموقف المؤثر انسحبت نسرين شاكرة وممتنة لتغادرا بدورهما وقد تقمصتا من جديد قناعيهما . شغلت المحرك وانطلقت كالصاروخ لامبالية بسامية التي انكمشت في مقعدها دون ان تتفوه بكلمة . 

اوقفت السيارة في مكان صخري يوازي قلبها في صلابته , ترجلت بصمت واقتربت من الحافة المطلة على البحر بخطوات حذرة . تنفست بعمق تحاول ان تهدا الامواج المتلاطمة داخلها , ارتجفت اوصالها فسارعت الى احاطة جسدها بذراعيها علها تطرد القشعريرة الباردة التي زحفت على طول عمودها الفقري . رفعت بصرها الى المحيط الازرق الهائج امامها لتتسلل ابتسامة هازئة الى شفتيها , يبدو ان البحر يتضامن مع حالتها المضطربة اوليس صديقها الذي طالما بثته افراحها واحزانها على السواء ؟ 

ظل طويل الى جانبها الايسر جذبها من خيالاتها من غير رضاها , زفرت بضيق مسدلة بجفنيها تبحث تحت قدميها على منبع للصبر قبل ان تلتفت الى صديقتها وتقاسيمها يكسوها الجمود لتقول بحدة ونفاذ صبر 

-حسن هاتي ما عندك ؟ 

سامية الممتعضة والتي استهجنت موقفها من الحاج سرحت عقال غضبها الذي سجنته طويلا لتقول بانفعال 

-هل جننت ؟؟؟كيف تخاطبين الرجل بتلك الطريقة ؟ انه رجل مريض يحتاج الى الهدوء والرافة لا الى حرقة الدم وتقليب مواجعه . بحق السماء انه والدك ؟؟؟؟

رغم كل تلك الكلمات التي صبت من خلالها صاحبتها استجداء الرحمة الا ان نور حافظت على مشاعرها سالمة بمناى عن تانيب الضمير . بيد ان العبارة الاخيرة كانت القشة التي قسمت ظهر البعير , فما ان طرقت الكلمات مسامعها حتى هبت منتفضة بغضب اسود فاض من داخلها لينسكب بسخاء حاتمي على كل انش من جسمها , تاهب جسدها و تقلصت عضلاته , تغضنت ملامحها وضمت حاجبيها بحدة وتشرب محياها اللون الاحمر عن اخره فيما صوتها صاح بقسوة 

-ليس والدي ليس والدي ؟؟؟؟متى ستفهمين ؟؟؟انا نور انا نوووووووووووور 

اقتربت منها وطرقت صدغها بسبابتها بغلظة وهي تردد بعينين جاحظتين 

--الماثلة امامك هي نور , شهد ماتت , وهو ليس والدي . شهد التي عودتكم على الطيبة والمحبة تبخرت .. 

توقفت قليلا لتصفق بخفة براحتيها وهي تواصل بصوت هازئ 

-..بح لم يعد لها وجود وانا لن اراف بحاله بل لن اراف بحال احدهم . اجل انا من تسبب بشلله وانا من احضرت الرجل الى غرفة هند 

التزمت الصمت لبرهة تلتقط انفاسها بعد المجهود الذي بذلته لتكمل بعدها امام سامية متصنمة غير قادرة على الكلام 

-اجل انا مخرج كل تلك المسرحيات ولازال في جعبتي الكثير من المشاهد . واعلمي شيئا انا لست نادمة لست نادمة 

اغرورقت عيناها عند المقطع الاخير وتهدج صوتها فاغمضت عينيها لتسمح لعبراتها الاليمة من ان تنساب بسخاء على خديها حافرة اخاديد عميقة بعمق جرحها . تاملتها سامية من خلف ستارة من الدموع غشت عينيها , كان مظهرها يخالف تلك النور التي يشع ضياؤها وتهب للمكان من شموخها وعظمتها , تحولت الى ظل منكسر بكتفيها المتهدلين وهامتها المتغضنة . اقتربت منها املة مواساتها والتخفيف من المها بيد ان الظل تحول في سرعة خاطفة الى صورة بالالوان تنضح بالحياة , ابعدتها عنها بعنف وتطلعت اليها بنظرات تقدح شررا وازدراء ونور القوية بعليائها تعاود الظهور 

-انا لا احتاج لرافتك , الشفقة اخر ما ابحث عنه ولاسيما منك , انت ادرى الناس بحالي . هنا صديقتي عليك ان تختاري 

قطعت حديثها للحظة كي ترفع راسها عاليا وتواجهها بنظرات تلمع بمزيج بين التصميم والقسوة 

-اما ان تكوني معي او ضدي , معك او من دونك انا ساواصل تنفيذ خططي ولن يثنيني احد عنها . غير انني لست مستعدة للتناقر معك على كل خطوة اخطوها , قرري الان 

تمعنت ببرود في ملامحها المبلولة من العبرات ومظهرها المذهول من الكلمات الصارمة التي رمتها بها , لا لن تضعف ليس هذا وقت انهيارها , خط حياتها رسم منذ وقت طويل بماء مالح اسالته ماقيها وذرفته عيناها في سجن عذابها وهي لن تتراجع عن مسيرها . صحيح ان ريان جعلها تعدل من خطتها لكن هذا لا يعني انها اسلمت اباه من العقاب , كل الايادي التي تلونت بدمها واستباحت حرمة حياتها وسعادتها ستعاقب . كان يمكن ان تسامحهم لو تركوا لها قلبا قادرا على ذلك لكنهم بقساوتهم التي تحاكي الصخر احالوه رمادا جرفته الانهار المنسابة من عينيها وبعد كل شيء هي ليست ملاكا انها مجرد بشر . 

سامية ذات القلب الرحيم والتي تحب صديقتها وعائلتها بقوة لم تفقد الامل رغم برس العبارات التي تناهت الى مسامعها فشرعت بالاعتراض بصوت مختنق 

-لكن .. 

قاطعتها نور بزفرة حادة متعبة وهي تحدجها بنظرات تحذيرية 

-لا تختبري صبري , انا متعبة لا تعلمين مقدار انهاكي , فلا تصعبي الامر اكثر علي . يكفيني ما علي مواجهته وانا اسعى لتحقيق هدفي فلا تكوني انت وهم علي 

تعاطفت سامية معها لكنها بالرغم من ذلك واصلت دابها على اقناعها بالعدول عن مخططاتها 

-لكن حبيبتي .. 

قاطعتها نور للمرة الثانية وملامحها بدات في ارتداء ثوب القسوة والغلظة 

-هل يمكنك ان تسامحي سعيدا ؟ 

المكر والسخرية قبل السؤال انطلقا بدقة متناهية ليصيبا قلبها في ضربة غادرة , ارتجفت اوصالها وتقهقرت بخطوة الى الوراء وملامحها المذهولة تواجه صديقتها بشحوب حاكى شحوب الموتى . هذه ليست صديقتها وتوام روحها , ابنة خالتها العزيزة والوفية ما كانت وجهت اليها سهاما مسمومة . لقد تغيرت فعلا كما اخبرتها , هل يعقل حقا ان تكون شهد قد ماتت ولن تعود الى الحياة ؟ ايمكن ان يكون الترى قد وارى روحها كما وارى النسيان ذكراها ؟ 


-ماذا هل اصبت وترا حساسا ؟ هل احساسك بالخيانة غائر الى هذه الدرجة

؟ارايت ؟كان مجرد رجل من خانك وانظري الى حالك , بهتت من مجرد كلمات . ماذا لو كنت مكاني ؟لو رماك سعيد خارجا وحرمك من الولدين وتنكر لك كل اهلك بل اعتبروك ميتة واكثر من ذلك ان يخبروا بكل بشاعة وانعدام ضمير ولديك بانك فارقت الحياة , كيف ستواجهين الامر ؟ 

سكتت وخلت بينها وبين العنان لعقلها كي يصور لها اللوحة القاتمة بقمر مشوه وماء ضحل راكد وورود سوداء ذابلة 

................................................. 

قاد سيارته بجنون خارجا من المدينة ضاربا بعرض الحائط اشارات المرور , ضرب المقود بقبضته اليمين بقهر وياس ممزوجين بحنق وغضب مستعر . صاح من بين اسنانه الناصعة البياض 

-وغد حقير لو كنت رجلا لاظهرت نفسك ايها السافل 

ثم تناول المقود الملفوف بغشاء جلدي فاخر بيديه الاثنتين وهو يزيد من سرعته لينطلق المحرك باقصى حد له غير عابئ من مغبة التعرض لحادث . اصدر انفاسا حارة تحاكي درجة حرارة النار الملتهبة التي تتاكله من الداخل , اعاد ضرب المقود المسكين بلا اهتمام بالالم الذي يسببه لنفسه وهو يتخيل عدوه امامه يوسعه ضربا . نصف ساعة مرت عليه داخل السيارة على الطريق كدهر من الزمن , وما ان لمحت عيناه اللافتة التي تحمل اسم غابة المعمورة الواقعة بمدينة الرباط حتى خفض من سرعته واتجه اليها كي يوقف سيارته ويترجل منها وهو يغلق الباب من خلفه بعنف يملا كيانه . 

تقدم بخطوات سريعة ثابتة يتوغل بعزم داخل الغابة الخضراء دون ان يلقي نظرة على جمال المكان , ما ان شعر بانه بمعزل عن العيون الفضولية حتى ترك العنان لعواطفه التي كبح جماحها منذ توصل بالرسالة القصيرة , فاختل توازنه وانكفا لونه وارتجفت اوصاله فاخذ يترنح كالتمثال كما لو كان عائدا من معركة خاسرة افقدته حكمته وشرفه فخال الاشجار المحيطة به ترقص رقصا جنونيا والجو يعفره غبار ثائر حانق فيما الدم يتدفق في عروقه ساخنا هائجا .

استند بظهره الى اقرب جذع شجرة باسقة بشموخ تتحداه واغمض حبابتاه بتعب رافعا راسه عاليا يعانق السماء , استمر على حاله فترة من الزمن وهو مسافر في دواخله بحثا عن السكينة .

فتح عينيه ببطء شديد ليفاجا من المنظر الخلاب الممتد على مد بصره فاشجار الفلين والازهار تبرز نفسها للضياء و الاغصان المدلهة تسعى الى معانقة بعضها بعضا . اما الطيور فبعضها جاثم وبعضها متسلق وبعضها يطير , وكل ذلك في ظل صمت علوي سماوي يتناغم مع اعذب الاصوات من هدهدات الاعشاش ودندنات النحل وخفقات الريح وتموجات النسيم . اتسعت مقلتاه في مزيج غريب من الانبهار والذهول حتى كادتا ان تخرجا عن محجريهما , ما يراه امامه يشكل لوحة فاتنة وبديعة من تصوير البارئ . تطلع الى ما حوله بنظرات مشدوهة وانفاس متقطعة بينما انفرجت شفتاه بخجل . اغمض عينيه للحظات وجيزة وفوقهما انعقدا حاجباه في وجوم , ما شاهده الان بام عينه يخالف تماما ما التقطته حدقتاه حينما وصل منذ وقت لا يعلمه الا الله , هل كان يحلم ؟انفتح جفناه بروية وحرير النعام المحيط بهما يرتفع تلقائيا كستارة مسرح تعلن بداية العرض . لم يكن يحلم ولكن المناظر تغيرت , هو لا يعلم كيف لكن لوحة الشتاء التي عصفت بناظريه عند وصوله تحولت الى مهرجان للطبيعة تعزف فيه اشذى الالحان , اخذ انفاسا عميقة وبعدها هوى جالسا في مكانه غير عابئ بملابسه ولا بالتراب والاوراق النافرة التي افترشت ارض الغابة .

اسند راسه الى الجدع خلفه واخذ ينهل بنهم من الصورة الحية ذات الالوان الطبيعية , هنا لايوجد تعقيدات , لا توجد مناطق رمادية, كل شيء واضح , هنا فقط الابيض والاسود اما ان تكون فريسة او تكون صيادا . ليس هناك ضرورة لارتداء الاقنعة وليس هناك مكان للمشاعر التي تدمي القلب . علم منذ البداية ان ما فعله هو خيانة بكل المقاييس , لم يكن الامر يقتصر على زوجته فقط , فنقضه للعهد يشمل ولديه والحياة التي سعى جاهدا لبنائها . حينما خان لم يفكر ابدا في تبعات فعلته , لم يتبادر الى ذهنه حتى ان ما فعله ستفوح رائحته الكريهة لتصل نتانته اليها . كان منشغلا فقط بانتقامه وتفريغ بركان الغضب الكامن داخله ولم يخطر على باله ان يبحث الاثار الناجمة عما اقترفته يداه . 

لا يتخيل حياته من دونها , قبلها توالت ايامه عجافا باهتة خاوية ومنذ ان حضرت هي اليها غدت دنياه روضا من رياض الجنة , تلونت كل لحظة عاشها معها بالوان حية وتبدلت جميع اولوياته وعاداته التي الفها سابقا لتصير هي اهم اولوياته واحب عاداته اليه . الفراق كلمة من حروف قليلة لكنها في ميزان المشاعر ثقيلة بما يزخمها من فراغ لا متناه , حنين متوحش وذكريات سعيدة تنقلب الى حيوان مفترس يمزقنا من دون شفقة . لقد جرب الفراق والحرمان ولا يريد ان يكرر التجربة فمرة واحدة تكفيه عن العمر كله . 

"هل اعجبت زوجتك بالصور ؟اه صحيح هي لم ترها بعد . ما رايك ان ابعث لها نسخة منها ؟" 

رسالة قصيرة بمعان مسمومة هزت ثقته بنفسه , لاول مرة يتشتت ذهنه ويفقد السيطرة على مجريات حياته , انها المرة الاولى منذ ان اصبح رجلا ناضجا يشار اليه بالبنان يتسلل الجزع الى قلبه , لقد جزم بغروره الذكوري انه لاشيء في هذه الدنيا قادر على ان يزلزل وجوده وتناسى ان لكل جواد كبوة , وكبوته هو كانت بمليون . 

حرك راسه بعنف يمينا وشمالا ينفض عنه تلك الافكار الانهزامية التي طرحته ارضا واستقام منتصبا كي يزيل ما علق بثيابه الفاخرة ليعود بعدها ويرفع هامته عاليا يحاكي الاشجار الباسقة حوله في شموخها وكبريائها , ينظر الى المشهد الرائع امامه من دون ان يراه حقا وخيالاته تجد في الخروج من مدار تانيب الضمير والشعور بالذنب اللذان استبدا به من اجل ان يرجع سعيدا رجل الاعمال المهيب الفطن الذي لا يعجز عن الخروج من اي مطب . اخرج هاتفه النقال الثمين من جيبه وضغط زر الاتصال بتحريه الخاص الذي سبق وجمعته معه اعمال انفة 

..................................... 


كانت نور متعبة وتحس بصداع خفيف , دخلت الفيلا وهي تلاحظ في ساعة يدها انها تاخرت , تبا الساعة تشير الى السادسة , لقد علقت في زحمة السير . اجتازت الحديقة مسرعة وفتحت الباب الداخلي لتفاجا بصراخ قوي يتعالى من الداخل , ضيع قلبها احدى دقاته هلعا قبل ان تركض بسرعة قصوى وقد تبينت صوت نوران الباكي .

المشهد المروع امامها الشبيه بعرض مسرحي سمرها ذهولا في مكانها , هند المستشيطة غضبا بملامح تقطر حقدا ومقتا تمسك في يدها قضيبا للشواء ملتهبا وامامها ريان منتصب بشجاعة شامخة تتعارض مع سنه اليافعة يقف سدا منيعا بينها وبين نوران الشاحبة المنهارة ذات العينين الواسعتين اللتين غرقتا في ضرب من الظلام العميق حتى صارتا تقريبا منطفئتين من اثر البكاء المتواصل بحرقة بينما تمسك بيدها بالم وقد انزوت مختبئة تلتصق بظهر اخيها عادتها دائما حينما تتنمر عليها ابنة خالة ابيها .

دقات قلبها كانت تتسارع في سباق جنوني مع الزمن وهي تحاول جاهدة ان تستوعب بالقليل من الادراك الذي لم يفارقها ما يحدث امامها . عجزت عن الحركة وقد اصابها تبلد مفاجئ وذهنها في مواصلة مستميتة لانكار المشهد البشع غير ان صراخ الصغيرة الهستيري وهي تتوارى طلبا للامان ومحاولة هند الضارية النيل حقدا من الاخوين كانا كفيلين ليزلزلا كيانها ويذيبا طبقة الثلج التي غلفتها كي تصرخ من دون وعي بصوت هادر غطى على الاصوات المتعالية بجلبة لتتوقف الحركة في لحظة واحدة ويلتفت الجميع بذهول صوبها 

-ما الذي يحدث هنا ؟ 

سالت بهدوء لا يعكس الغليان داخلها ويتناقض مع صراخها الانف , عند رؤيتها , بانت معالم الارتياح على محيا ريان الذي تنفس الصعداء من دون ان ينزل ذرع الحماية عن اخته الصغيرة والدادا التي وقفت بعيدا تعتكف بوهن وقلة حيلة في الزاوية ايضا تهللت اساريرها وهي ترمقها بنظرات راجية مستجدية اما هند فتعاظمت مشاعرها من الحقد والغل لتجحظ مقلتاها بكره فاض بسخاء كي يغمر جميع ملامحها التي تشربت بوحشية بدائية في الوقت الذي ركضت فيه نوران المنتحبة بخطوات غير ثابتة صوبها لترتمي بين ذراعيها معانقة والدموع على خديها تواصل الانهمار بكرم قل نظيره . احتضنتها نور بغريزة امومية فطرية داخلها وحاولت ان تهدا من روعها بتربيتات حانية على ظهرها و هي تعيد سؤالها الذي ظل معلقا في الاجواء ونظراتها الباردة مسلطة بغضب على هند 

-ما الذي يحدث هنا ؟


🏵🏵🏵🏵🏵🏵


  »»»»»»»الفصل التالي«««««««




    »»»»»»»الفصل السابق«««««««




    »»»»»»»العودة للألبوم«««««««









تعليقات