الفصل 17 من رواية أسألك الرحيلا بقلم الكاتبة sweettara

 الفصل السابع عشر ❤

رمقها ياسر بنظرات تحمل بين طياتها الريبة المشوبة بالدهشة فهو ابدا لم يتوقع اقتراحها هذا وهو حتما لا يثق بانها ستتوفق بتقديم يد العون له في معضلته . لقد حضر الى هنا وهو يعول كثيرا على المكانة الخاصة التي يحضى بها اياد في قلب ابيه , لكنه ابدا لم يشك ان نور هي من ستقدم على مؤازرته 

. شرع في التحدث بدبلوماسية املا بقوة الا يجرح شعورها ونبرته يكسوها هدوء مشوب بشيء من الاخراج 

-في الحقيقة , انا شاكر لك اهتمامك هذا لكن .. 

صمت قليلا مجليا حلقه والكلمات التي يريد نطقها تابى اطلاق صراحها 

-لكن والدي رجل صعب المراس ولا اظن ان تدخلك سيخدم قضيتي 

منحته نور احدى ابتساماتها الصادقة النابعة من القلب والتي تصيب هدفها دائما بدفئها وبريقها الذي يخطف الانفاس قبل ان ترفع سبابتها مشيرة اليه مقوسة حاجبيها في استفهام صاغته بالكلمات 

-انت تقلل من قدراتي ؟ 

كان تصريحا اكثر منه سؤالا دفع بموجات من الحرج والارتباك الى الشاب الجالس امامها كي يتنحنح في الكنبة العصرية العريضة متخللا شعره باصابعه محاولا الدفاع عن نفسه بكلمات انتقاها بدقة مصحوبة بابتسامة باهتة 

-قطعا لا , الامر فقط ان المسالة شائكة جدا وابي حقا شخصية يصعب التعامل معها . لقد قصدت اياد لانه الوحيد بعد سعيد الذي يصغي اليه ويثق برايه 

اسدلت نور جفنيها بسرعة متحاشية ان يرى ياسر مشاعر المرارة والحزن داخل مقلتيها , انه محق وهي تدرك اكثر من غيرها كم ان والده الموقر يبجل كلمة صهره العزيز ويوليها ثقة عمياء من دون ادنى ذرة شك . ابتسامة متهكمة صبغت جانبي شفتيها وغصة اليمة بحجم الكرة تكونت في حلقها لتجعل عينيها تتلالان بعبرات صارعت للخروج بيد ان سنوات من الخبرة والشكيمة جعلتها تخنقها في مهدها مرفرفة بجفنيها مشتتة بصرها على محتويات الصالة . تداركت نفسها وتماسكت بصلابة قبل ان تقرر مواجهته والجدية غلفت ملامحها الهاذئة 

-انت حتما على حق , لكن انا ارجوك ان تتركني اجرب حظي , من يعلم ؟ربما اتوفق رغم ريبتك في قدرتي على اقناع والدك 

................................................. 

جلست شاردة تتامل حمامتين تلتقطان الحب المتناثر على الارض السيراميكية للباحة الخلفية للمقهى العصري المتميز بخصوصيته والذي اعتادت ان تلتقي فيه بخطيبها . يد تداعب خدها الناعم المورد بلون طبيعي كما الزهور المتفتحة في فصل الربيع اخرجتها من خيالاتها وشفتاها تتزين عفويا بابتسامة ناعمة كصاحبتها في نفس الوقت الذي تصاعدت فيه حمرة وجنتيها وهي ترفع راسها اليه فيما عيناها تلمعان بسحر الهوى مندفعا كالنور من نجمتين تتلوان صلاة خاصة به وحده . تبسم كريم ملء شدقيه من هذا الاستقبال الحافل وهو ينحني عليها طابعا قبلة حارة على خدها الرقيق الشبيه في نعومته بنعومة الاطفال قبل ان يسلم على خديها الاثنين بحفاوة بالغة ثم يستدير ليجلس مقابلا لها وقد احتضن كفها بيده 

-مرحبا صغيرتي , عذرا للتاخير تعلمين ظروف عملي 

ابتسمت له في عذوبة وعيناها تلمعان ببريق يمزج بين اللهفة وحياء متاصل في صاحبتهما 

-لا عليك عزيزي انا اتفهم وضعك 

علا الوجوم ملامحه المشرقة برؤيتها ليضم حاجبيه في خيبة امل شديدة و يتغضن جبينه بخطوط عريضة من الامتعاض والاستهجان بينما عيناه حملتا لها رسالة تحذيرية بما يموج به صدره 

-عزيزي ؟؟هل هذا كل ما امثله لك ؟ عزيزي ؟وكانني اخوك او احد من معارفك 

كان قد انتصب في جلسته بحركات متصلبة وهو يخلي سبيل يدها , وما ان فعل حتى احست ببرد كالصقيع يتسلل الى كفها الذي صرخ بصوت مكتوم مطالبا باعادته الى دفء يده الناعم . جفاه القاسي الذي لم تعتده منه دفع قلبها للخفقان بسرعة تعادل سرعة الرياح وخليط من مشاعر الصدمة والذهول تتدفق عبر دمها كي تنشر مزيجا اخر من احاسيس الهلع والضعف داخلها . هذا ليس كريمها الذي تعرفه وتحبه , خطيبها انسان ذو طبيعة مرحة على الدوام لاتفارق الابتسامة ثغره . لقد اخذ من اسمه الكثير , كريم في اخلاقه , كريم في مشاعره , كريم في ابتساماته . منذ ان تعرفا على بعضهما في حفل خطوبة لاصدقاء مشتركين وهو يخصها بمعاملة فريدة , يشعرها بانها كنزه الثمين , بانها اميرته الجميلة الرقيقة الناعمة التي تحتاج دوما الى حبه ورعايته واهتمامه . فما الذي حدث له الان ؟ خيالاتها اليائسة جعلت عينيها تحتار بمائها 

شاهد كريم كيف ان سهامه المسمومة جمدت الدماء في عروقها وغارت في وجهها حتى بان شاحبا شديد الامتقاع كوجه الميت , شعور بالندم والحسرة على زهرته الندية التي داسها بقدمه تسلل اليه ليعض على شفته بقسوة املا من خلالها ان يثار من نفسه لها , قلبه العاشق بجنون للعينين النجلاوين والشفتين الكرزيتين اخذ يوخزه بسهام شبيهة بتلك التي رماها بها فما كان منه الا ان رفع يده راغبا في استعادة كفها الناعم بين يديه كي ينهل من رقته ودفئه مواسيا اياها مما بدر عنه . بيد انه في اخر لحظة تملكته افكار شيطانية لا يعلم مصدرها دفعته الى رخي ذراعه الى جانبه والعقدة بين حاجبيه تتضخم لتحاكي ملامحه الصخر في قساوته وهو يكوم قبضته تحت الطاولة ليكمل لسانه السليط اليوم تهجمه عليها وصوته يقطر تهكما وسخرية لاذعة 

-ليس من جديد ؟اليس كذلك ؟انت لن تبدئي بالبكاء مرة اخرى ؟اهذا كل ما تجيدين فعله ؟هل انا ساقترن بطفلة ستسارع الى الاختباء خلف جلباب امها كلما تناقشنا في امر مهم ؟؟ 

اسلمت محاجرها لماء العيون الحائر في جفنيها بعدما تلقت اخر سهامه الغادرة لتهرب ببصرها بعيدا , لا تريده ان يرى انهيارها وعبراتها ليزيد لسانه من جلدها , ولا ترغب في ان تبصر قسماته الهازئة وعينيه التي فاض فيهما التهكم ليصل خنجرا مسننا الى قلبها الجريح . التزمت الصمت الجامد وهي توغر اظافرها التي طلتها باللون الزهري خصيصا من اجله في راحة يدها داعية ربها في سرها الا يجعله يشهد تقوضها واذلالها اكثر من ذلك . هالة من الحزن والكابة المشوبين بالحسرة وغضب اسود مكتوم احاطت بالعاشقين المتصلبين في رايهما بخيلاء وكل منهما يعاتب الاخر داخليا ويلومه على ما الت الامور اليه بينهما 

........................................ 

دلفت سامية الى السيارة الرياضية البيضاء بتان وعيناها تحمل فضولا لم تحاول اخفاءه وهي تسلم على صديقتها بمحبة لتبادرها مباشرة وهي تبعد وجهها عنها 

-حسن الى اين تاخذينني ؟ 

هربت نور ببصرها بعيدا في ارتباك وهي تقول بنبرة بريئة تصبو الى تشتيت انتباه سامية 

-يا الهي , رغم كل هذه المدة التي غبت فيها عنك لم تتركي ايا من صفاتك السلبية 

تاملتها المراة الاخرى بنظرات نزقة لفترة وجيزة قبل ان ترد عليها بصوت متهكم 

-وبما انك تعرفين كل صفاتي السلبية فاكيد انت تدركين ان تمويهك هذا لن ينفعك بشيء معي , فعجلي باطلاق صاروخك الذي تحاولين اخفاءه

هذه المرة ابتسمت نور ملء ثغرها وعيناها تلمعان بسعادة فقدتها منذ زمن 

-انت حقا لم تتغيري 

التفتت امامها تشغل السيارة منطلقة بها وقد اختفت اشراقتها لتواصل كلامها بجدية اوضحت لابنة خالتها مدى اهمية الموضوع 

-سنقوم بزيارة اجتماعية لبيت خالتك العزيزة 

عجت السيارة بضجيج الصمت الذي اكتنفها لبرهة , وسامية تشرد في تصريح صديقتها الذي صدقت في تخمينها وتشبيهه بالصاروخ . تحدثت بهدوء رزين يخالف موجات الاضطراب التي كانت تضربها بلا هوادة ناظرة امامها بثبات وهي تشبك كفيها على ركبتها اليمنى 

-وما الذي سنفعله هناك ؟ 

ازدردت نور لعابها في صعوبة متظاهرة بتماسك يشبه في متانته بيت العنكبوت وهي تواصل امساك المقود الصلب بحرفية لم تتاثر بحالتها المتوترة 

-انت لا شيء , كل ما هو مطلوب منك ان ترافقيني 

التفتت اليها سامية مضيقة عينيها وهي تضم حاجبيها في علامة استفهام واضحة 

-تقصدين ان احضر من اجل دعمك معنويا ؟ 

رفعت نور يدها تمسح شعرها بانامل متوترة غير قادرة على النظر الى صديقتها 

-شيء من هذا القبيل 

واصلت سامية استجوابها بلا رحمة لحالها المرتبكة , هي لم تخدع بمظاهر الهدوء الواهن الذي تتشبث به وقد فطنت من البداية الى حيلة احتفاظ نور بالنظارت داخل السيارة , شيء لم تفعله صديقتها يوما 

-وهل يمكنني ان اعرف الموضوع ؟ احتفظت نور بصمتها مطولا مدركة لنفاذ صبر تلك الجالسة الى جانبها لتقول بنبرة صارمة هذه المرة وهي تستدير لمواجهة سامية بعدما رفعت النظارات عاليا مثبتة اياها على شعرها وقد اوقفت السيارة في اشارة مرور حمراء 

-بالتاكيد ستعرفينه لكن ليس الان بل حينما نصل الى الفيلا 

ثم التفتت من جديد تمد يدها الى جهاز الراديو لتضبطه على اذاعة للاغاني معلنة بذلك نهاية النقاش 

تعرفت سامية سريعا على تلك الملامح الجادة العنيدة , تلك النظرة تعني ان ابنة خالتها مصممة على رايها ولن تجد كل محاولاتها لاثنائها عن رايها , فاستسلمت لقرار نور وهي تسترخي في جلستها على المقعد متكئة براسها على ظهره مغمضة عينيها في سهولة لكنها عجزت عن اغماض عقلها بنفس اليسر كي تتقاذفها خيالاتها المتوجسة حول ما سيحدث عند وصولهما الى بيت خالتها , لتستمر رحلتهما القصيرة في صمت مطبق لم تسع اي منهما لمحاولة قطعه 

قعدت نور واضعة رجلا فوق الاخرى في مكانها على كنبة مزج فيها اللونين الفيروزي ودرجة من الوان البنفسجي وسط صالون فخم اثث على النمط المغربي حيث يمتاز بسقف مخطط مستوحى من شكل اسقف الحمامات المغربية التقليدية . استرعى انتباهها وجود مدفاة عصرية للزينة احتلت جدارا باكمله , ابتسامة ساخرة لوت شفتيها مفكرة انه كل شيء في هذه الدنيا مصيره الى التغيير .

في المرة المنصرمة لم يتسن لها ان تلاحظ التبديلات التي طرات على المكان , فقد كانت منكبة بكامل قوتها على منازعة تلك الاشباح التي سكنتها لست سنين كاملة , حينها كانت مولية كل اهتمامها وتركيزها على ذاتها مسخرة جميع حواسها لتمدها بالقوة والشجاعة والصبر كي لا تسقط صرعى من اول مجابهة . اما اليوم وبتاخر الحاج في استقبالهما فقد وجدت الوقت الكافي كي تلمح كل ما مس الانحاء من تغييرات , صور بعيدة باهتة غافلتها لتتصدر صفحة العرض من ذاكرتها وتغرز سكينا حادا في قلبها . شعرت بوخز مؤلم في صدرها فانكمشت على نفسها منزلة رجلها الثانية على الارض فيما ارتفعت يدها تضغط بباس فؤادها علها تضع حدا للوجع الذي فتك به . حركت راسها بشدة تهز تلك الخيالات املة ان تنفضها عنها بعيدا لتعيد اليها صفاء ذهنها الذي تفتقر اليه كثيرا في هذه اللحظة 

وفي هاته اللحظة بالذات سمعت صرير عجلات معدنية تحتك بالارض يقترب , انزلت يدها الى جنبها وعدلت من جلستها لتستقيم بخيلاء وراسها يرتفع شامخا وملامحها لاتدل على شيء . التفتت الى الباب تشاهد الحاج يونس يزلف منهما وخلفه زوجته ترافقه بملامح متكدرة كمن ارغم على الحضور , رفعت بصرها تحدق اليه مباشرة حينما اتاها صوته الجهوري الذي لم تنله حالة الوهن والعجز التي المت بصاحبه : 

-السلام عليكم , مرحبا بكما , انها مفاجاة سارة 

انتصبت سامية واقفة بقسمات مشرقة اخفت حالة التوجس التي تعصف بها لتقول بصوت مهلل وهي تدنو منهما لتقبل يده وتعانق خالتها 

-اهلا عمي كيف حالك ؟اسفة انني لم اعلمكما مسبقا لكنني اردت ان افاجاكما 

اشاحت بعينيها سريعا عنهما وهي تعود لمكانها بينما تحدج نور بنظرات مغتاظة كازة على اسنانها . تجاهلت هذه الاخيرة حركتها بينما لازالت قابعة بكبرياء في مكانها لتقول بصوت ناعم رقيق مشوب بنبرة اسف لم تكن صادقة 

-اسفة انها غلطتي , انا من اصررت عليها ان تصحبني الى هنا من دون دعوة , ارجو الا اكون قد تسببت بالازعاج لكما 

عضت على شفتها السفلى فيما تقوس حاجباها عاليا ونظرة فيها استجداء وامل موجهة لهما , تبادل الزوجان النظرات ليهتف الحاج بصوت منحرج 

-ماهذا الكلام يا ابنتي ؟حللت اهلا ونزلت سهلا . انت الان من العائلة ولست بحاجة الى اعلامنا بقدومك , البيت بيتك 

تبسمت بتصنع وهي تقوم من مكانها لتحييهما تحية سريعة براحتها دون ان تجرا على مواجهة نظراتهما , كي تعود بعدها مطرقة براسها من اجل ان تحتل مكانها على الكنبة الكبيرة من جديد بتقاطيع جامدة لا تعبر عما يختلج في صدرها . حاولت سامية تلطيف التوتر الذي يغلف الهواء فشرعت في الكلام 

-كيف حالك عمي ؟ 

ابتسم لها ابتسامة باهتة بعدما ساعدته زوجته على الاستقرار الى جانب المدفاة القرميدية بينما نظراته الشبيهة بنظرات الصقر تنتقل بينها وبين سامية تراقب ادق حركاتهما ليقول بصوت شابته العجرفة فيما استقام في جلسته بعزة نفس فاضت لتواري خلفها عجزه عى الحركة 

-انا بخير يا ابنتي 

-هذا هو الحاج يونس الحقيقي وليس ذلك الذي دخل عليهما باكتاف متهدلة من المرض والتعب , هذا ما فكرت به نور وهي تمعن النظر في تلك العينين اللامعتين ببريق قوة وسلطة جبارة لم يقو المرض والعجز عن الاطاحة بهما . راقبت تلك الهالة المشعة من العظمة والصلابة التي تحيط به بابتسامة جانبية مطت بها شفتيها وحاجبها الايسر يرتفع قليلا بسخرية مريرة , رغم الصدمة التي حضرتها له واوقفت رجليه عن عملهما الا انه لازال محافظا على غطرسته وكبريائه . القشرة الهشة من الهدوء التي جاهدت للحفاظ عليها منذ ولوجها باب الفيلا تصدعت في سهولة امام نفاذ صبرها لتبادرهم بصوت قاتلت بشراسة لتخرجه من حلقها هادئا رصينا 

-بداية انا اسفة للكلام الذي ساقوله لكن اود ان اعلمكم ان نيتي الحسنة وحبي لهده العائلة هو ما جعلني اتدخل فيما لا يعنيني 

سكتت لبرهة حتى تمنحهم الفرصة لاستيعاب كلماتها وتحضرهم لما تعتزم الخوض به ثم تكلمت بصوت هادئ ناعم 

-الحقيقة انني اتيت اطمع بكرمك عمي فهل ستلبي لي طلبي ؟ 

تطلع اليها الحاج بعدم فهم رافعا يديه للاعلى وهازا بكتفيه فقالت تواصل كلامها 

-حسن اعلم انك لا تحب اللف والدوران , الامر يخص ابنك ياسر 

الذهول والدهشة اعتليا ملامح الجميع بمن فيهم سامية التي حدقت ببلاهة في صديقتها تحاول استنباط الخدعة التي تحيكها ضدهم فهي ابدا لم تعد تثق بنواياها الحسنة , بينما الحاجة هناء وضعت يدها على خدها وقلبها الحنون يتاكلها على فلذة كبدها خاصة انه في الاونة الاخيرة بدا لها حزينا ومتقلب المزاج . كان الحاج الوحيد الذي حافظ على تقاسيمه جامدة شابكا يديه ينتظر منها ان تكمل حديثها , تطلعت اليه بتعابير مماثلة وهي تردف بصوتها الحريري

-ابنك ككل شاب في سنه تعلق برفيقة له في الجامعة وكان يعقد العزم على الارتباط بها بعد ان يكملا دراستهما ويتمكن هو من تحقيق ذاته في عمله ليكون قادرا بعدها على تكوين اسرته الخاصة 

واصلت حديثها وعيناها لا تحيدان عن مقلتيه اللتين اخذتا تظلمان بالتدريج وهي تتقدم في تزويده بمعلومات يجهلها عن ابنه , تابعت غير عابئة بما يعتمل داخله 

-لكن للاسف جاءت الرياح بما لاتشتهي السفن فقد تقدم ابن عم الفتاة لخطبتها ووافق عليه والدها 

سكتت تنتظر ردة فعله , حافظ بدوره على صمته الذي بدا يثقل اجواء المكان لحظة من الزمن يحاول فيها ضبط الغضب الاسود الذي شرع يتعاظم داخله قبل ان يقول بصوت هادئ لا يوافق النيران المشتعلة المطلة من نظراته

-وما المطلوب مني ؟ 

تبسمت نور بمرح لم يصل الى عينيها لتقول بهدوء تام لم يزلزله هجوم السهام النافذة وسط الانفاس المحتبسة للحاجة وسامية , الحاج بطبعه رجل هادئ لكن غضبه يكون شديدا وغير محمود العواقب وعلى الذكي ان ينحني حتى تمر موجة رياحه العاصفة 

-نحن نطمع ان تقوم بخطبة الفتاة من اهلها , انها مجرد خطبة والزواج طبعا سيكون بعد التخرج 

عندها فقط افلت الحاج يونس عقال غضبه ليهدر بصوت مخيف وتقاطيعه قد اظلمت بوحشية 

-من يظن هذا الولد نفسه ؟منذ متى يختار احد ابنائي عرائسهم . الا تستحين وانت تتحدثين لي بتفاهة عن الحب ؟ما قلة الحياء هاته ؟الم يربيك والداك ؟ 

سكت فجاة ليتطلع اليها بنظرات ملؤها الاحتقار والاشمئزاز ليقذفها بكلمات قاسية 

-اه نسيت من انت , طبعا ماذا ننتظر من مغنية تقيم الحفلات و تسهر الليالي الملاح 

سكت الحاج ليلتقط انفاسه وهو يكز بيديه الاثنتين على ذراعي كرسيه فيما الحاجة هناء وابنة اختها قد انتصبتا بجزع وكل منهما تتشبث بالاخرى تطلب حمايتها , اما نور فحافظت على هدوئها وهي مستمرة بالجلوس في مكانها بخيلاء اعتادت عليه من دون ان تؤثر كلمات الحاج على تفصيل واحد من تقاطيعها التي ظلت على جمودها فقط عضلة فكها المنقبضة وعيناها المتشحتان بالسواد ما خان قناعها . انتظرت حتى هدات اعاصيره العاتية لتقول بصوت لازال ناعما 

-نحن هنا لسنا بصدد الحديث عني وعن ليالي الملاح 

قالت كلمتها الاخيرة بسخرية متهكمة وشفتاها تميلان بابتسامة جانبية قبل ان تردف بنفس الهدوء 

-نحن هنا لنتحدث عن مشكلة ابنك العويصة , اضافة احب ان الفت نظرك انني اعلم انك تزوجت الحاجة بعد قصة حب , فلا تقم بالسخرية من هذا الشعور الجميل الذي كان احدى الركائز المهمة لبناء عائلتك 

رمقها الحاج بنظرات تلمع بالذهول وقد ارتفع حاجباه باستغراب شديد لتضيف نور بصوت ماكر 

-لا تستهن بذكائي لم اخض حربا يوما دون ان اتزود بالاسلحة الملائمة . لنعد لموضوعنا , ابنك لم يقم بشيء خاطئ انه فقط يطلب الحق في اختيار شريكة حياته 

اجابها الرجل الذي تمكن من جمع شتات نفسه بسرعة تثير الاعجاب بصوت هادئ لا يشبه ابدا صوته الهادر قبلا 

-عروس ابني موجودة بالفعل , انا اتفقت مع والدها مسبقا ولا ننتظر سوى ان تبلغ العروس سنا معينا ليتم الزواج 

تطلعت اليه باستغراب شديد وحيرة وهي تتساءل 

-هل تحرم ابنك الحق الذي تمتعت انت به ؟رغم الحقبة التي عشت بها والتي كانت محفوفة بقيود اكثر وتعقيدات اكبر تمكنت من اختيار شريكة حياتك وتطلب منه هو الذي يعيش في القرن الواحد والعشرين ان يتزوج وفقا لتقاليد بالية كفتاة يتم اجبارها على الارتباط قسرا 

زفر الحاج انفاسا حارة تعكس الحرارة الملتهبة داخله وهو يحاول السيطرة جاهدا على قشرة الهدوء التي يتظاهر بها 

-نحن نحبك ونحترمك كزوجة لاياد لكن هناك حدود , لا يحق لك ان تتدخلي في شؤون هذه العائلة . نحن لم نتدخل بينكما انت واياد فلا تحشري انفك بيني وبين اولادي 

ثم ادار لها ظهر كرسيه معلنا عن انتهاء المقابلة , تمعنت نور فيه لبرهة طويلة غافلة عن زوج العيون القلقة المتطلعة اليها بفزع قبل ان تنهض من مكانها بمنتهى الهدوء والروية متابطة حقيبتها الجلدية الثمينة , عبرت المسافة القصيرة بينهما في ثوان مستقيمة امامه بتحد يشبه التحدي البادي في نظراته وهو يرفع بصره ليواجهها . رمقته بنظرات جامدة لبعض الوقت قبل ان تكسر الصمت المتوتر الذي القى بغيومه على المكان بصوت متان 

-اعلم انك قد فقدت ابنة من قبل , هل تملك القدرة لتفقد ابنك ايضا ؟ 

حدجته بنظرات تحمل علامات استفهام مشوب بعتاب لم يفهمه لتهتف بعدها وقد رات نظراته تتحول الى انكسار واهن وهو يطاطا براسه هاربا من عينيها بخزي وذل الخاسر في معركة 

-هيا بنا سامية لم يعد لنا مانفعله هنا 

............................................. 

جلس باريحية تامة فوق مقعده , بدا شخصا مهما ببذلته الرمادية الانيقة وربطة عنقه الرفيعة المخططة بالازرق ورمادي متدرج وضع يدا مكومة على شكل قبضة على الطاولة بينما ارتاحت الاخرى فوق فخده وهو مندمج تماما في محاولة اقناع عميل مهم بالمشروع بين يديه . قاطعه رنين هاتفه الموضوع داخل جيبه بيد انه تجاهله تماما لترتفع النغمة من جديد بازعاج معلنة عن وصول رسالة نصية جديدة , لوى شفتيه بامتعاض نادما لانه لم يضبط جهازه على الوضع الصامت . لكنه مع ذلك تبسم باعتذار لمخاطبه كي يفتح الهاتف ليجد انه توصل برسالتين , تبدلت ملامحه الى السرور واللهفة وهو يتعرف على هوية المرسل الاول , انها سامية . سارع بشغف يضغط الازرار لقراءتها ناسيا كليا الرجل برفقته , كانت رسالة قصيرة تتكون من بضع كلمات لكن معانيها رفعت معنوياته لتعانق السماء . بعثت له سامية :اشتقت لك 

اراد ان يصرخ عاليا معربا عن فرحته العالية , تمنى ان يرقص طربا بمحتوى كلماتها , صبا لان تكتسحه انوار السعادة لتطرد كل ذرة حزن ووجع سكنته خلال الشهور الماضية . انها تبثه اشواقها , حبيبته الرقيقة عادت لتتذكره برسائل قصيرة كما اعتادت دائما خلال سنوات زواجهما . تمنى ان يسترسل في احلام اليقظة التي جاد عليه الزمن بها لكن نحنحة العميل الجالس مقابلا له اخرجته من خيالاته اللذيذة ليضغط زرا اخر كي يقرا بسرعة الرسالة الثانية . في رمشة عين , خلال ثانية واحدة تبخرت سعادته اللحظية وذهبت كل احلامه ادراج الرياح وعيناه تحدقان بذهول في الكلمات الصادمة على الشاشة العريضة لجهازه المتطور المواكب لاخر ما تم اكتشافه . تطلع الى الرموز والالوان امامه تتحداه بسفارة بعينين متسعتين على اخرهما وقد فتح فمه ببلاهة لا تشبه في شيء المظهر الرجولي الواثق والوسيم لرجل الاعمال المعروف سعيد الياسي . طرف يجفنيه عدة مرات في محاولة منه لاستيعاب مايراه ويفك شيفراته لكن عبثا , استعصى عليه التركيز وشل دماغه عن التفكير . دل مظهره المضطرب ان كارثة قد المت به مما دفع رفيقه الى سؤاله بقلق : 

-سيد سعيد هل انت بخير ؟ 

الكلمات كانت كطوق النجاة الذي انتشله من اليم الغائر الذي رمي فيه على حين غرة , رفع نظرات زائغة الى الرجل متمتما بعبارات اعتذار مبهمة وهو يجمع اوراقه بشكل عشوائي مربك ليغادر المطعم الراقي الذي اعتاد ان يعقد فيه جل صفقاته في عجلة كانما يفر من الشيطان في اعقابه

بقلم sweettara

🏵🏵🏵🏵🏵🏵


  »»»»»»»الفصل التالي«««««««




    »»»»»»»الفصل السابق«««««««




    »»»»»»»العودة للألبوم«««««««









تعليقات