رواية أسألك الرحيلا-الفصل 1– بقلم sweettara

رواية أسألك الرحيلا 


رواية جديدة مكتملة 

اللقاء


اذا ناوي تروح

ابفهم وين اروح

تخليني اعيش بعدك بالم وجروح

واذا عني مشيت

واذا غيري لقيت

مينو غيرك انا بلقى ياروح الروح

يعني ترضاها علي

تترك ايدينيك ايدي

تنسى مين عايش عشانك ان كان ميت ولا حي

واذا نويت تعشق تحب ثاني

امانة لا تنساني اني احبك موت

طمني عليك اذا حسيت باي اذى

بتلقاني مع قلبك اذا بكى

مينو يحس فيني انا اذا ذقت العنا

مينو يداري قلبي فيوم اذا شكى

يعني ما بشوفك بعد ولا اسمع صوتك ابد

واذا ضاقت علي دنياي مالي غيرك اي احد

تذكر هالمكان انا وانتا زمان

تذكر يوم تسقيني حب وحنان

اذا ناوي الغياب ابرضى بالعذاب

ابرضى و انا فقلبي الم واحزان

خلاص روح الله معك وبخليك انا فهواك

واذا خايف انا انسى انسى روحي ما انساك


غنت المقاطع بحس مرهف عال عاشت فيه مع كل كلمة وكل نغمة وكل مقام موسيقي حملته حزنها , شجنها , المها 

احنت راسها احتراما وتحية للحضور بينما التصفيقات الحارة تصدح بها جميع جنبات القاعة الكبرى التي احيت بها السهرة , عادت لتنتصب بكل شموخ راسمة على ثغرها احلى ابتساماتها بينما تلمع عيناها ببريق النجاح والفخروهي تتامل هذا الكم من الحضور الذي اتى خصيصا من اجلها . تعشق جمهورها هذا , وتسعى جاهدة لتطور من نفسها كي تقدم له افضل ما بوسعها . 

دخلت غرفة التبديل بعدما اجتازت بعناء كما هائلا من المعجبين الذين اتوا للسلام عليها والظفربتوقيعها . كانت منهكة القوى وهي تتوجه لاخذ دش دافئ بينما هيات لها مساعدتها ملابسها التي سترتديها من اجل الحفلة التي سيقيمها صاحب الفندق على شرفها . كانت تامل بالتملص منها غير ان مدير اعمالها اصر على ضرورة حضورها , فالحفلة تعتبر حملة اعلانية مجانية من اجل البومها الجديد .

على ارض الصالة الفخمة المتلالئة للفندق , تقدمت الهوينى بخطواتها الرشيقة , وطلتها المثيرة . كان كل من يصادفها يقف اجلالا لها واعجابا بسحرها الاخاذ , الثوب الاسود الضيق من دور اشهر المصممين بفرنسا لم يزدها الا حسنا على حسنها , بينما تركت شعرها الحريري الاسود مسترسلا على كتفيها العاريين . اما مكياجها فقد اعتمدت المزينة على حسن ملامحها لتزينها بالوان صارخة لاءمتها بشكل مذهل , فابرز المكياج لون عدستيها السوداويتين الرائعتين واحمرار شفتيها الممتلئتين . تراءت لها صورتها على لوحة جدارية ضخمة بجانب المدخل الرئيسي للقاعة التي تضم الحفل , ابتسمت بنشوة وهي تزيد من شد هامتها عاليا بفخر, فلا احد يتسنى له ان تعلق صورته مكبرة في احد اشهر فنادق الاسكندرية "سان استيفانو" , لقد عملت بجهد مضن لتصل الى ما وصلت اليه اليوم .

ما ان وطئت قدماها ارض الصالة الرخامية حتى ارتفعت التصفيقات عاليا مصحوبة بكلمات الحب والتقدير, رسمت ابتسامة مجلجلة على ثغرها وهي تضم كفيها في حركة شاكرة راصدة صاحب الفندق ياتي لاستقبالها شخصيا يصحبه مدير اعمالها رافت . اقترب منها بهجت منصور, رجل خمسيني ممتلئ الجسم , اخذ الزمن من شعره ورسم تجاعيد حفرت بعمق على محياه , مقبلا يدها على الطريقة الاوروبية ثم غمغم في حبور : 

-الاسكندرية نورت بحضورك 

ابتسمت نورمجيبة اياه بكل لباقة اكسبتها اياها خبرتها الفنية ساحبة يدها 

-شكرا الاسكندرية منورة باهلها 

سالها بصوت تشوبه الفرحة بينما عيناه تشعان ببريق الاعجاب 


-اذن كيف وجدت المدينة ؟ 

هزت بكتفيها لاوية شفتيها في حركة اسفة لتقول بصوت رقيق 


-حقيقة لم يتسن لي الوقت كي اقوم بجولة بها لكن من خلال ما شاهدته في طريقي انها مدينة رائعة 

حرك الرجل راسه علامة التفهم قبل ان يسالها بفضول 

-هل هذه زيارتك الاولى لها ؟ 

تطلعت نور حولها بلامبالاة وقد بدا السام يتسرب اليها لتجيب 

-زرتها وانا طفلة لذلك تجدني لااذكر جيدا معالمها 

التمعت عينا بهجت منصور ببريق النصر ليقترح بفرح 

-اذن اسمحي لي ان اكون مرشدك السياحي 

ابتسامة خفية تسللت الى روحها وهي ترصد فرحه الطفولي , هذا البهجت ليس سوى رجل نسونجي ويبدو ان سنواته الخمسين لم تكسبه اي تعقل , تظاهرت بخيبة الامل وهي تردد بصوت اسف 

-انه لشرف لي , لكن لا اظن ان وقتي سيسمح لي بهذه الرفاهية 

تكدرت ملامح صاحب الفندق لكنه سارع الى القول 

-الشرف لي يا نجمتنا , ربما في زيارتك القادمة , هل يمكنني مناداتك نور 

رسمت ابتسامة على ثغرها وهي تجيبه 

-طبعا سيد بهجت 

بادلها ابتسامتها 

-اتفقنا شريطة ان تناديني بهجت 

اسلوبه المرح جلب ابتسامة حقيقية لملامحها الجامدة 

-موافقة سي.......بترت جملتها كاتمة ضحكة جميلة ارادت الانفلات من حنجرتها 

قهقه الرجلان معا وقد ادركا هفوتها , ليسالها بهجت بتسلية 

-اذن موافقة ماذا ؟ 

اجابته بمنتهى اللطف 

-موافقة بهجت 

تنحى الرجل جانبا داعيا اياها بحركة من يده 

والان نور تفضلي معي لاعرفك على اهم الشخصيات ولو ان اهمها لم يحضر الى الان 

تنقلت برفقته بين الحضور كفراشة تختال بجناحيها البراقين , لا تتذكر كم الاسماء التي ذكرها لها وصراحة لم تحاول حتى , فقد اعتادت في مهنتها هاته ان تقابل العديد من الشخصيات المهمة التي سعت دائما الى التعرف اليها واثارة انتباهها , فالكل يتباهى ويفتخر بمعرفة الشخصيات المشهورة وكان شيئا من شهرتها سيطالهم . من مكان ما من الصالة ,

صدحت قطعة موسيقية لبتهوفن تعرفت اليها بسهولة فائقة , فالموسيقى كانت عشقها الابدي . كان الذهبي اللون المسيطرعلى الديكور بينما زينت الجدران بلوحات زيتية رائعة , الانارة كانت ساطعة تنبثق من ثريا ضخمة باحجام مختلفة تدلت من السقف الشاهق . موائد مستديرة بشراشف بيضاء مقلمة بالذهبي انتشرت بالمكان في الوقت الذي استقرت فيه بوفيهات مشكلة ومقدمة بشكل مشه في جنبات القاعة . راقبت نور ادق هذه التفاصيل والسام يتسرب اليها , لقد حضرت الملايين من هذه السهرات , لكنها ابدا لم تالفها ولم تتاقلم معها . كانت تفضل لو قضت ليلتها في منزلها قرب التلفازمحتضنة قطها الشيرازي الابيض . تعشق الغناء كثيرا لكنها بالمقابل تكره ما يترتب عنه من سهرات ولقاءات وجلسات تصوير. كانت تتصنع الابتسام لهذا وتجيب عن اسئلة تلك , بدات تحس بخدر في وجنتيها واصابع قدميها , امضت ساعات طويلة في الابتسام والوقوف , لقد وصلت الى سهرتها الثالثة في اقل من اسبوعين . تعذرت بالاكل للانسلال من مجموعة المعجبين التي احاطتها مع انها فاقدة للشهية , وضعت القليل من فواكه البحر في طبق ارفقته بعصير طازج ثم تسللت الى زاوية بعيدة وهي تسرق نظرات خاطفة تتاكد بها من ان احدا لا يلحق بها. جلست تلعب بمحتويات صحنها , تنتظر بفارغ الصبر مدير اعمالها ليعلن عن موعد رحيلهما . يتكرر هذا السيناريو في كل مرة يقترب موعد نزول البوم جديد ,حيث يكثف رافت من عدد السهرات الواجب حضورها , صراحة لا يمكنها التذمر , فهو مدير يجيد مهنته , ومنذ ان تعاقدت معه , من اربع سنين فاتت , لاقت مسيرتها الفنية نجاحا اكبر . كما انها كسبت الى جانب ذلك صديقا وفيا يمكنها الاعتماد عليه رفقة زوجته التي اضحت من اعز صديقاتها . ابتسمت عند ذكر هذه الاخيرة , فهي من النوع المتفائل الذي يرسم البهجة اينما حل . 

-اتساءل ما الذي يدفعك الى الابتسام هكذا ؟ 

نظرت الى الشاب الذي شارف على الثلاثين , ذي البنية الضخمة والعينين بلون الشكولا بنظرات مرحة 

-لن اخبرك , كيف وجدتني ؟ 

تظاهر بالتفكير العميق مضيقا عينيه وهو يحك راسه ليهتف بعدها بنبرة ساخرة: 

-انه ليس امرا صعبا , يكفي ان ابحث عن اكثر الاماكن انزواء لاجدك . صراحة تثيرين حيرتي , انت اول فنانة اعمل معها تفضل الابتعاد عن الاعلام والشهرة 

نظرت اليه بعينين جاحظتين وقد ارتفع حاجباها عاليا لتهتف باستنكار : 

-قل لي , انت لست بصدد مناقشة نفس الموضوع معي مرة اخرى ؟

رمقها بنظرات ثابتة 

-مالم احصل منك على جواب شاف , فلن اتوقف ابدا عن طرح الموضوع

قالت محاولة تغيير دفة الحديث بينما تستقيم واقفة امامه وهي تعدل فستانها في الوقت التي همست فيه بصوت راج متذمر : 

هل يمكننا الان المغادرة ؟لقد تعبت 

لم يكترث رافت لرجائها بل اجابها بصوت حازم , فهو ليس من النوع المتساهل فيما يتعلق بعمله لذلك لاق نجاحا كبيرا رغم صغر سنه : 

-سنغادر بعد ان تلتقي احد رجال الاعمال المرموقين , لقد وصل للتو , ستتحدثين اليه خمس دقائق عزيزتي وبعدها تكونين حرة 

زفرت بضيق ثم

اومات باستسلام براسها موافقة مستعدة لهذا اللقاء فنبرة مديرها هذه تعني نهاية النقاش وانها لن تتمكن من جعله يغير رايه , شيء يعجبها لديه , لكنها في هذه اللحظة بالذات مستعدة لخنقه على حزمه هذا 

تقدمت الى حيث يقف بهجت منصور متابطة ذراع رافت راسمة على محياها اجمل ابتساماتها , بعد ان عرفت ان قرب سراحها قد حان , ابتسامة لم تلبت ان تجمدت وحدقتاها تتسعان لمراى الشخص الواقف الى جانب السيد بهجت . تسمرت في مكانها واصبحت عاجزة عن التحرك , كان كل تفكيرها منصبا على تلك الشخصية الرابدة بثبات وعنفوان لا يملكه الا هو , وقف هناك طويلا نحيلا كامل الاناقة وسيجار من النوع الفاخر مثبت بين انامله . انتبه رفيقها الى تيبسها فبان القلق على وجهه: 

-نور انت بخير ؟ 

سؤاله اخرجها من حالتها الذاهلة , استعادت رباطة جاشها بسرعة خرافية , اكسبتها اياها سنوات عملها بالمجال الفني , رسمت ابتسامة واسعة اتقنتها لسنوات تحاول من خلالها طمانته : 

-لاعليك , فلنتابع 

اكملا طريقهما ليستقبلا بحفاوة بالغة من طرف بهجت الذي سارع بعملية التعارف : عزيزي اياد , اقدم لك نجمتنا الكبيرة نور 

تاملها اياد بتمعن وعيناه تلمعان ببريق غامض قبل ان يجيب بصوت اجش : 

-وهل يخفى القمر ؟ تشرفت بمعرفتك سيدتي 

التقت عيناهما للحظة وجيزة ثم اشاحت بوجهها بعيدا , لكن انطباعا عن كل شيء عنه تكون لديها في تلك اللحظة القصيرة , في عينيه وفمه تعبير ينم عن شيء من القسوة و التسلط . كانت عيناه تتفحصانها فشعرت بانكماش ,

صوته دفع بذبذبات كهربائية الى كامل جسدها , دغدغ جانبا عميقا من روحها , لكنها كبتت مشاعرها في مهدها , اجابته بابتسامة مقتضبة ثم حولت نظرها الى مضيفها 

-كانت الحفلة رائعة شكرا لك على الدعوة 

بادلها الرجل الابتسام وهو يردد بامتنان : 

-بل شكرا لك لانك لبيت دعوتي رغم ضيق وقتك 

اجابته بنبرة رسمية : 

-هذا لطف منك 

كانت تتكلم شاعرة بعيني صقر حادة تراقب ادنى حركاتها , فمع انها كانت تقف مائلة توليه جانبها الا انه لازال ضمن مجال بصرها وبالتالي يمكنها رصد كل حركاته 

غمغمت بتحية مساء مقتضبة وهي تحرص الا تلتقي نظراتهما قبل ان تستاذن لتتوجه خارجة من القاعة رفقة رافت , الهواء العليل لليل الاسكندراني لم يخفف وطاة احاسيسها بل تضاعف المها واصبحت عاجزة عن المشي . ذراعا مدير اعمالها امتدت بسرعة لاسنادها شتم بنبرة مسموعة قبل ان يردف بصوت قلق : 

-كنت اعلم ان بك شيئا , منذ تيبست في مكانك وانت لست على ما يرام , الحمد لله ان بهجت جعل الحفل خاصا والا ما كنا سلمنا من السنة الصحافيين 

تناول مفتاح سيارته رباعية الدفع الفخمة ذات الزجاج المعتم من عامل الفندق الذي فتح له الباب , ادخلها وانطلق مسرعا : 

-ساتصل بالطبيب ليسبقنا الى المنزل 

قاطعته بصوت واهن: 

-لا ارجوك انا لا احتاجه , علتي اعرفها جيدا ولن يضيف الدكتور شيئا جديدا , ساتناول دوائي المعتاد واغدو بخير 

حاول رافت الاعتراض على قرارها 

-لكن ... 

لم تدعه يكمل كلامه لتقول بنبرة حازمة تعارضت مع حالة الضعف التي كانت تعيشها :

-ليس هناك من لكن , خذني فقط الى الشاليه , احتاج الى منى 

لم يحاول الضغط عليها فهو خبير بمدى عندها وتصلبها لذلك استسلم وقال بصوت يحمل بين طياته كما من الحنان : 

-اكيد حبيبتي , سافعل 

ما كادا يدخلان بوابة الشاليه المستاجر , حتى وجدا منى تنتظرهما بقلق 

اقتربت مهرولة وفتحت الباب صائحة : 

-حبيبتي ما بك ؟ 

سارعت نور الى طمانتها وهي تحدج رافت بنظرات حاقدة 

- انه تعب بسيط فقط زوجك يحب تضخيم الامور 

نظرت اليها الاخرى شزرا ناهرة اياها : 

-يحب تضخيم الامور؟ تكفي نظرة واحدة الى محياك لاعرف انك انت من يهوى تبسيط الامور عزيزتي , استندي علي حبيبتي 

ابتسمت لها نور بامتنان على حبها الاخوي الصادق وتعاملها الامومي معها , هذه هي منى , منذ عرفهما رافت على بعض , تبنتها وجعلتها ابنا ثالثا لها , فهي تقلق عليها دائما وتحتويها بعطفها , لكم تحمد الله الذي عوضها بها هي وزوجها وولديهما . تعتبرهم عائلتها بكل ما للكلمة من معنى . 

نقلها الزوجان الشابان الى غرفتها وساعدتها منى على الاستقرار في سريرها بعد ان قدمت لها حبة الدواء . 

كانت مستغرقة في نوم عميق حينما بدا حلم مزعج يغزو صفاء مخيلتها , رات رجلا يحاولا خنقها بينما ملامح وجهه تحمل الكره والبغض والقسوة اما عينيه فكانتا جمرتان من نار يقذفها بلهيبهما , احست بالهواء ينفذ من رئتيها , حاولت نزع يديه عنها لكنه كان يفوقها قوة بعضلاته الصلبة , اخذت تضربه بكل ما تبقى لها من قوة استمدتها من غريزة البقاء الكامنة في كل مخلوق حي , غير انه كان يشبه الصخر الصامد امام ضربات الزمن 

كانت تستغيث طالبة النجدة لكن ايا من الوجوه في حلمها لم تسع الى مد يد العون اليها بل كانت تسخر منها وتستلذ بعذابها 

صحت على يد تهزها بعنف وصوت يصرخ باسمها : 

-نور استيقظي , استيقظي حبيبتي , انه مجرد كابوس , افيقي 

اطلقت شهقة حادة تسحب بها الهواء الى رئتيها وهي لازالت تحت تاثير جلادها الذي حاول خنقها 

تاملت الغرفة ذات اللون الابيض وعقلها لازال يتخبط في امواج حلمها المزعج , ساعدتها منى على الجلوس , كانت تتصبب عرقا بينما اكتسحت البرودة اطرافها , كل جسدها يرتجف بعنف , دقات قلبها تسابق الريح . ناولتها منى كاس ماء وهي تعيذها من الشيطان الرجيم وتقرا عليها بعض السور القرانية , تسرب الماء كما صوت صديقتها الى اعماقها ببطء ليغمراها بالانتعاش واحساس من الطمانينة مافتئ يطرد تلك المشاعر الرهيبة التي اجتاحتها . وشيئا فشيئا بدات الراحة والسكينة تتسلل الى اعماق روحها مهدئة مخاوفها التي انتابتها ليرتاح جسدها وتستكين نبضات فؤادها . 

سالتها صديقتها الجالسة على طرف السرير بقلق بينما تربت على ذراعها بحنان 

-حسن , كيف تشعرين الان ؟ 

تمتمت بصوت خافت وهي تجاهد لترسم ابتسامة باهتة على محياها المتعب: 

-انا بخير , شكرا لك 

تاملتها المراة الاخرى بريب وعلامات القلق لازالت تتجلى واضحة عليها 

-هل انت متاكدة ؟لقد وصلنا صراخك , كنت تصيحين بهستيرية , وحينما ناديتك لم تستجيبي , نور لقد اثرت رعبي حبيبتي , ما الذي يؤرقك ؟ انه نفس الكابوس اليس كذلك ؟

حاولت استجماع بعض من قوتها التي بعثرها حلمها المزعج وهي تتغاضى عن الاجابة عن السؤال الاخير 

-انا حقا بخير حبيبتي , انه فقط كابوس , انت تعلمين انني ارزخ حاليا تحت ضغوط كثيرة بسبب التنزيل الوشيك للالبوم 

امتعضت منى من الاجابة التي لم تشف غليلها وتغاضت هي الاخرى عن تجاهل صديقتها للسؤال 

-نور حبيبتي , انا اعرفك جيدا فلا تحاولي التذاكي معي , هل حدث شيء في الحفل ؟ 

ارتبكت فمنى تعرفها حق المعرفة وتقراها ككتاب مفتوح , عرفت انها لن تسلم من لسانها وهي في حالة لا تسمح لها بالمناقشة 

-حبيبتي ساقص عليك ما حدث لكن الان انا حقا مرهقة واحتاج الى النوم 

بانت ابتسامة انتصار على وجه صديقتها شابكة اصبعها على طريقة الكشافة باصبعها هاتفة كالاطفال 

-وعد ؟ 

لم تستطع نور مقاومة البسمة التي تسللت الى ثغرها 

-اجل وعد , هل ارتحت الان ؟ 

ردت عليها بصوت مرح 

-كثييييييييييييييرا 

انطلقت الاثنتان في ضحكات طفولية طردت بعضا من اكتئاب نور ونقلت شيئا من الارتياح الى قلب منى على صديقتها .................................................. ................................................


اجتمعت العائلة في قاعة شاسعة للطعام جهزت بافخرالاثاث . طغى اللون الكريمي على الديكور العام بينما احتلت مائدة كبيرة مصنوعة من خشب البلوط الوسط وقد احاطت بها مقاعد من نفس النوع , لوحات تمثل الفلكلور المغربي علقت على الجدران الثلاثة , في الوقت الذي كان الجدار الرابع عبارة عن واجهة زجاجية تطل على حديقة غناء بهجة للناظر بورودها المتنوعة واشجارها الوارفة الظلال .


تاملت الحاجة هناء اسرتها الحبيبة بنظرات ملؤها الحنان والحب , اليوم الاحد هو موعد التجمع العائلي , حيث يحضر ابناؤها واحفادها لتمضية اليوم برفقتها هي وزوجها . انه يوم عيد لقلبها الهش الذي تسكنه الفرحة والغبطة لمراى احب الناس اليه , ابنها البكر سعيد وزوجته سامية برفقة ابنيهما بدر ومعاذ , ابنتها ضحى وزوجها علي مع ابنهما سفيان وابنتهما سلمى , ابنها ياسرلازال يحتل مقاعد الدراسة واخيرا اخر العنقود السكر المعقود نسرين حبيبة الكل . تمعنت بملامح كل واحد منهم تبحث فيها عن صورة تاقت لصاحبتها بجنون , الشوق اضناها والحنين انهك روحها المتالمة لفراقها , دمعة حزينة تسللت من عينها لترفع نظرها تلقائيا صوب ذاك الذي تسبب في كمدها . راته منشغلا كعادته في حديث ثنائي مع سعيد يناقشان احدى الصفقات , رجل لازال شاب المظهر رغم سنينه الخمسين , لم يستطع الزمن حفر اثاره عليه , ليظل بطلته البهية وجسمه الضخم وعنفوانه الظاهر للعيان رجلا وسيما بكل المقاييس . احست بيد ناعمة الملمس تربت على يدها , اطلقت تنهيدة طويلة ماسحة دمعتها قبل ان تستدير صوب ابنتها 

سالت نسرين والقلق يطل من مقلتيها 

-ماما حبيبتي , ما بك ؟ انت لم تاكلي شيئا 

حاولت طمانتها برسم ابتسامة باهتة على محياها 

-انا بخير يا ابنتي , لقد تناولت بعضا من الكيك الذي احضرته زوجة اخيك مما جعلني افقد شهيتي , لاعليك مني كلي انت 

رمقتها ابنتها بنظرات اسفة عالمة سبب كرب والدتها الابدي 

لم يغفل الحاج يونس عما يحدث لزوجته وابدا لم تفته نظراتها المتهمة واللائمة التي حدجته بها , شعور الندم والياس تسللا اليه من جديد , لكنه ابدا ما كان ليغير ما وقع منذ خمس سنين , حتى لو تكرر الامر مرة اخرى , كان ليتصرف بنفس القسوة ونفس الحدة , لديه مبادئ وقيم مستنبطة من دينه الحنيف ومجتمعه المحافظ التي لن يحيد عنها ولو بحد السيف . يحب زوجته واولاده حبا متجذرا في اعماقه ورغم ذلك لن يتهاون ابدا مع من يخطئ منهم . 

حاولت نسرين تلطيف الجو الذي تكهرب فجاة والسبب راجع الى النظرات المتبادلة بين والديها فوقفت تتنحنح 

-عائلتي الحبيبة , ارجو انتباهكم 

تمتم بدر متحرشا بعمته 

-واو بيضاء الثلج ستلقي خطابا 

لم يكد يكمل جملته حتى تلقى منديلا طائرا حط على وجهه مباشرة , ارتسم العبوس على محياه وهو يسمع قهقهات الحاضرين 

هتف ياسر مصفرا 

-ضربة موفقة حبيبتي 

صاحت سلمى ضاحكة 

-اصبت الهدف نانا بيزو 

رمقها بدر بنظرات حارقة وهو يكاد يتميز غيظا , بحث عن المساعدة فاستنجد بابيه الذي اجابه فورا محركا سبابته علامة الرفض وهو يكتم ضحكته 

-لاتنظر الي , لقد استحققتها عن جدارة 

تسللت بسمة باهتة الى ثغر هناء وهي تشهد المشاحنات التي يثيرها اولادها واحفادها في كل تجمع لهم 

تنحنحت نسرين مرة اخرى مجلية صوتها 

-نعتذر عن هذا العطل الفني , لنعد الى موضوعنا , اعزائي عزيزاتي يسعدني ان اخبركم ان خطيبي كريم قد باغتني باحلى مفاجاة , وبما انني احبكم اردت مشاركتكم اياها, لقد قرر كريم ان يحضر فنانة مشهورة لاحياء حفل خطوبتنا 

نقلت بصرها بينهم بترقب وبداخلها تشتعل حماسا ولهفة 

قفزت سلمى من كرسيها وعيناها تتوهجان بامل تخشى تصديقه :

-لاتقولي انها..... 

لم تكمل جملتها ليظل التشويق سيد الموقف , اجابتها خالتها بنفس الفرحة والهذيان :

-بلى , انها هي 

هتفت بعدم تصديق والانبهار يغزو مقلتيها : 

-انت تمزحين , انها في مصر وهي لاتقبل الغناء في حفلات خاصة 

اكدت نسرين بصوت يشوبه الفخر والاعتزاز : 

-انت محقة , لكن موعد الخطوبة يوافق مجيئها الى المغرب , اضافة انه لحسن حظي انه صادف ان صديقا لكريم مقرب من مدير اعمالها

اخذت سلمى تهتف بفرح وتقفز مهللة فليس كل يوم ستقابل احدى الفنانات المشهورات


-عمن تتحدثان ؟

اخرج سؤال ياسر نسرين من احساس النشوة الذي غمرها من ابلاغهم هذا الخبر 

حدقت الفتاتان ببعضهما بذهول وكان الذي طرح السؤال معتوه او غبي , ثم تحدثا بصوت واحد :

-نور طبعا 

ما ان نطقتا بالاسم حتى ارتفعت التصفيرات والتصفيقات , بدا كان حمى الفتاتين انتقلت للعناصر الشابة ليهللوا ويصرخوا بعبارات التاييد والترحيب 

تامل الحاج يونس ابناءه واحفاده والجلبة التي احدثوها بعين ناقدة , راهم كمجانين فارين من مستشفى الامراض العقلية , فحتى ابنه االبكر وصهره اللذان يتسمان بالرزانة والتعقل انغمسا في ذلك الجو كما لو ان العدوى لم توفرهما . انتظر قليلا حتى تهدا الاجواء رامقا اياهم بنظرات عدم الرضى قبل ان يسال بصوت جهوري غطى على الفوضى السائدة :

-ومن نور هذه ؟

عم السكون المكان فجاة , لم يتجرا احد على الاجابة , شعور الارتباك طغى عليهم , فالحاج شخصية تميل الى الجدية والحزم 

كانت نسرين من اقدمت على الاجابة عن سؤاله , فهي تتميز عنهم بانها مدللته الصغيرة التي تحتل مكانة خاصة بقلبه . ربما لانها اخر العنقود او ربما ببساطة انها تشبهها , فهي تمتلك نفس العينين الزوقاوين والشعر العسلي بلمعته الذهبية تحت الشمس , لكن تبقى الاخرى اكثر جمالا وحسنا وابلغ مكانة بالقلب , حرك الحاج راسه نافضا عنه تلك الافكار البغيضة التي جمحت اليها مخيلته في غفلة منه متاملا دلوعته تتحدث اليه بحماس وغبطة يحسدها عليهما , فهو قد اضاع طريقه الى الفرح منذ زمن بعيد , منذ ان ...

كز على اسنانه لاعنا ذاكرته التي تخونه كلما تطلع الى ابنته الصغرى ,علت تقطيبة جبينه في نفس الوقت الذي كانت فيه اصابعه تشد على قبضة الكرسي بعنف دون ان يلاحظ ذلك , انتبه الى نفسه فلعن الشيطان واستغفر الله في سره ليعيد تركيزه على نسرين : 

حسن نور تعد المطربة الاولى على الساحة الفنية , يلقبونها بكروان الشرق , حصدت العديد من الجوائز بفضل موهبتها الفذة واغانيها الرائعة , هل عرفت الان من هي بابا حبيبي؟ 

همهم بكلمات ممتعضة غير مفهومة بينما انعقد حاجباه قبل ان يهم بمغادرة المكان , وقف الكل اجلالا له قبل ان يعودوا الى اماكنهم ويسترسلوا في احاديثهم 

سالت ضحى والشك لازال يساورها من صحة الخبر 

-هل حقا نور من ستحيي ليلتك ؟صراحة انا اشك , فمطربة بمكانتها لن تعير انتباها لحفلة خطوبة عادية 

صاحت بها نسرين وهي تكز على اسنانها غيظا مستنكرة استخفاف اختها باهم حدث في حياتها 

-بل قولي انك تشعرين بالغيرة والحسد 

ردت عليها الاخت الكبرى بنزق وهي تشير عليها بسبابتها من اعلى لفوق بحركة محتقرة 

-انا اغير منك انت , هزلت , اغير من نكرة مثلك ... 

واسترسلت في ضحكة مجلجلة مستفزة وهي تكشر عن صف متناسق من الاسنان البيضاء 

كانت نسرين على وشك الرد مرتجفة من احتقار اختها وكلماتها التي تقطر استهزاء , الا ان الحاجة هناء قاطعتها بحكمة امراة وام تعلم جيدا خفايا ابنتيها وتعرف ما ستؤول له الامور , فابنتها الكبرى للاسف تميل الى المشاكسة والبحث عن المشاكل , انها حقا لا تشبه الاخرى بحكمتها وتعقلها ورزانتها رغم انها تصغرها سنا . تنهدت بحسرة وقلبها يغلي من الهم والحزن وذاكرتها تحمل لها صورة تلك التي يحترق الفؤاد ليل نهار بل كل دقيقة من اجلها , تكلمت بصوت يغلب عليه الشجن مخاطبة نسرين 

حبيبتي , احضري لي دوائي من غرفتي من فضلك 

رافقت طلبها بابتسامة متوسلة الهدوء والسلام , كتمت نسرين حنقها داخلها عضت على شفتها السفلى وغرزت اظافرها في كفيها مستسلمة للنداء الصامت في عيني والدتها الحبيبة , احنت راسها علامة الموافقة دون ان تتمكن من التفوه بكلمة فلو فعلت لانفجرت في وجه اختها كما العادة و تحول الصالون الى ساحة معركة حامية الوطيس لن يروح ضحيتها سوى امها الحبيبة ذات الاحساس المرهف والقلب الرقيق .................................................. ....................................... 


كانت الشمس تتبختر باشعتها الذهبية المنبعثة في كل جنبات النادي الذي يعج بمرتاديه في نهاية عطلة الاسبوع هذه

رشفت من عصير المانجا المنعش بتلذذ بعد مباراتها الطاحنة مع منى التي تاخرت في اخذ دش , العصير جعلها تنتعش رفعت بصرها تتامل ارجاء النادي الذي تعشقه كثيرا لخصوصيته , فهنا يمكنها التنقل والتصرف بحرية دون الاضطرار الى اخفاء هويتها الحقيقية , المبالغ الطائلة التي تتلقاها ادارة النادي كفيلة بابعاد الحشريين والصحفيين . الرواد كانوا اغلبهم من الفنانين ورجال الاعمال والشخصيات المرموقة , كانت مسترسلة في افكارها حينما احست بظل مارد يحجب عنها ضوء الشمس , حركت راسها للاعلى مستطلعة هوية القادم لتفاجا , ارتسم الذهول جليا على محياها وانفرجت شفتاها 

-صباح الخير 

صوته الرخيم الواثق اخرجها من حالتها , لملمت شتات نفسها , غلفت ملامحها بالغموض وصوتها الناعم يرد عليه بابتسامة مشرقة 

-صباح النور 

تاملت قامته المديدة والمهيبة وبذلته الرياضية التي كشفت عن عضلاته المفتولة وصلابته الظاهرة للعيان باعجاب واضح قبل ان تساله 

-ارى انك من محبي التنس 

اجابها بصوت مرح وقد لفها بنظراته المتفحصة اللتان تلمعان ببريق اعجاب لم يخف عليها 

-اصبت امارس هذه الرياضة منذ نعومة اظافري , رايت مباراتك قبل قليل , كنت رائعة 

اجابته بصوت مبحوح مندهشة من عدم انتباهها لمراقبته لها وهي ترجع خصلة وهمية خلف اذنها 

-شكرا لك , لكن للاسف , انا مجرد هاوية , لم اتعلم اللعبة الا حديثا 

انفرجت شفتاه عن ابتسامة جذابة مغمغما 

-ارى انك ستنجحين في اي مجال تدخلينه , فمما رايته انت مشروع بطلة ناجحة 

توردت وجنتاها من مديحه فابتلعت ريقها بصعوبة 

-اشكرك لكنني متاكدة انك تبالغ 

سارعت بتغيير الموضوع دون ان تعطيه الفرصة للرد فالبريق الخطير الذي تشع به عيناه اربكها واصابها برجفة هزت اوصالها 

-كنت اعتقد ان رجال الاعمال لايملكون الوقت لممارسة نشاطات بدنية 

اجابها بهدوء كسول ونظرات براقة اعلمتها انه واع لتغييرها الموضوع 

-الحقيقة لا لا نملك الوقت , لكنني احاول ان اخلقه فلو جاريت الاعمال لن اخرج ابدا من المكتب 

رمقته بنظرات ملؤها الاعجاب والتقدير 

-يعجبني الرجل الذي يتحكم بمصيره 

تطلع اليها بنظرات تحمل بريقا غامضا دفع باللون القرمزي الى خديها وبرعشات انتقلت على طول عمودها الفقري , هربت ببصرها بمناى عنه ووتيرة دقات قلبها ترتفع 

-تزدادين جمالا ورداء الحياء يغطيك 

اذا كانت دقات قلبها ازدادت من مجرد قربه منها , فتصريحه الجريء ضاعف منها ليخفق قلبها بجنون داخل اضلاعها , لم تستطع النظر اليه وحلقها بات جافا بينما يداها ترتجفان 

-صباح الخير 

, تاخرت عليك حبيبتي عذرا 

كان حضور منى بمثابة طوق النجاة الذي انقذها من الموقف المربك 

, تنفست الصعداء وهي ترى اياد يحول نظراته من عليها موليا انتباهه لمنى لتتحرر هي من سطوة جاذبية نظراته التي سجنتها وجعلتها اسيرة للتاثير المدمر لصاحبها 

تحدثت اليه منى باريحية متاصلة في شخصيتها 

-منى صديقتها المقربة 

صافحها رادا ابتسامتها ليهتف بصوت رخيم حمل ثقة مغرورة باجابة طلبه 

-اياد صديقها ان سمحت لي 

ورمقها بنظرات ماكرة 

هتفت منى التي كانت غافلة عن الشرارات الكهربائية التي تملا الجو بدهشة -انت لست مصريا 

نبرتها اخرجته من تامله لنور ليقول بود 

-لا لست مصريا انا مغربي 

شبكت منى يديها ببعض لتصرخ بفرح طفولي 

-ياي احب مقابلة الناس من جنسيات مختلفة , عفوا تفضل لتناول الغذاء معنا اجابها بنبرة اسفة وهو ينظر الى ساعة يده الثمينة 

-انه لشرف لي لكن للاسف انا مرتبط مسبقا بموعد 

ثم رمق نور بنظرات ذات مغزى قبل ان يستطرد 

-لو لم يكن فعلا مهما لقمت بالغائه , سعدت بلقائكما 

لفظ جملته الاخيرة حادجا نور بنظرات ذات بريق خاص قبل ان يبتعد مخلفا وراءه امواجا من الارتباك والسعاة والحيرة 

علقت منى بحالمية واضعة يدها تحت ذقنها 

-انه رائع , مدمر , وسيم , رجولي 

توقفت عن تمجيدها له على اثر قرصة تلقتها على يدها المرتاحة على الطاولة 

-اي لقد المتني , لم فعلت ذلك ؟ 

اجابتها بلؤم وهي تتلاعب بحاجبيها 

حتى تكفي عن التغزل برجل غريب مدام رافت 

تاملتها منى للحظات قبل ان تهتف 

-اولا , لا يمكن لاي كان ان يقف كصنم امام احدى الابداعات الربانية المذهلة 

ثم توقفت لبرهة وعيناها تلمعان ببريق ماكر كي تستطرد بنبرة لعوبة:

- ثانيا لم اشتم رائحة غيرة في الجو ؟ هيا اعترفي 

رمقتها نور بنظرات ساخطة مزدرية وقد عقدت حاجبيها احتجاجا 

-لا تكوني سخيفة , انا حتى لا اعرفه 

جاوبتها صديقتها بلؤم وهي تكتف ذراعيها على صدرها وتنظر اليها بتحد 

-لم يكن هذا الانطباع الذي كونته وانا اراكما تتحدثان باريحية حبيبتي 

ثم لاعبت حاجبيها في حركة مغيظة , استشاطت نورمن ملاحظتها الماكرة 

-انت حقا لا تطاقين , وتهوين اختلاق القصص 

.................................................. .................................................. ...

-ما بك حبيبي؟ 

همست بسمة بصوت قلق وهي ترى حبيبها شاردا وعلامات الحزن تخيم على ملامحه , لم يتنبه لها فربتت برفق على يده الموضوعة فوق الطاولة , انتفض بحدة , فابتسمت له مشددة من قبضتها عليه 

من يشغل فكر حبيبي غيري ؟ 

انارت ابتسامة مشرقة قسماته 

-ومن غيرها مليكة قلبي ؟ 

شدد من قبضته هو الاخر رامقا اياها بنظرات حب دفعت موجة من الدم لتغمر وجنتيها , اخفضت راسها مهمهة بحياء وهي تعيد خصلة شاردة خلف اذنها 

-كف عن ذلك انت تحرجني 

تفهم موقفها , فحبيبته منبع البراءة وحديثة العهد بالعلاقات , ترك لها متسعا من الوقت حتى تسترجع هدوءها , فارتعاش يدها التي سحبتها منه اخبره الكثير عما تحدثه نظراته بها 

بعد فترة كافية لتهدئة مشاعرها , استطاعت معاودة النظر اليه , سالته بصوت خافت 

-لقد اثرت قلقي عليك , ماذا يشغل بالك ؟ 

افلت تنهيدة طويلة تنم عن اكتابه والمه العميق 

-اليوم عيد ميلادها 

سالت بحيرة 

-من ؟ 

نظر الى البحر , الى الافق البعيد , حيث تلتقي السماء بالمياه المالحة ليشكلا منظرا يدخل السرور للنفس , لكنه في حالته هذه كان عاجزا عن تقدير اللوحة الفنية التي ابدعها الخالق , قال بنبرة تحمل الكثير من الاسى 

-شهد , اليوم عيد ميلادها 

امسكت بسمة يده بكلتي يديها تبثه تعاطفها ومؤازرتها 

-حبيبي , هذا لا يجوز , يجب ان تطلب لها الرحمة , انت بحزنك هذا تعذبها في قبرها 

انتفض بقوة نازعا يده من بين يديها تاركا مقعده قبل ان يردد بصوت هادروكل جسمه يرتعش 

-هي لم تمت , اسمعت لم تمت 

حدجته بنظرات عتاب من قسوته قبل ان تساله بحيرة بينما تقف الى جانبه 

-لكن حسب ما فهمت انكم فقدتموها في حادث 

تامل رواد البحر القلائل على الشاطئ , ففي هذا الوقت يبتعد الناس عن البحربسبب الجو البارد , ضغط بيده على درابزين المقهى البحري بشدة حتى ابيضت مفاصله ثم هتف بصوت تملاه المرارة والندم وقلة الحيلة 

تلك كانت الرواية الرسمية , كان عمري انذاك ستة عشر عاما كنت يافعا , لم افهم ما حدث يومها , كل ما اذكره انها اتت الى منزلنا في حال مزرية تنشد العون , لكن والدي ابرحها ضربا كاد يقتلها قبل ان يرمي بها خارجا , بعدها جمعنا كلنا وامرنا بالتكتم عما حدث وبانها لم تعد فردا من اسرتنا بعد اليوم , كان يامرنا ويتوعدنا اذا خالفنا اوامره , حينها لم املك الشجاعة للوقوف بوجهه ومعارضته , كنت جبانا . توجهت بالسؤال لضحى علها تخبرني الحقيقة , لكنها تعذرت بجهلها هي الاخرى , لا ادري لم اثق يوما بها وشككت دائما انها وراء ما حدث , بعدها قصدت ماما , لكن حالتها السيئة التي كانت عليها , منعتني من الاستفسار منها , اما سعيد فكنت اهابه منذ الصغر ولم اتجرا يوما على سؤاله . بعد اسبوع فوجئت بوالدي يعلن موتها ويفتح بابنا امام المعزين . 

كانت بسمة مذهولة من القصة التي رواها لها , انها تشبه شريطا سنيمائيا , غير ان الاحداث حقيقية مئة بالمئة , ترى ماذا فعلت شهد لكي يقوم والدها بطردها ؟ كان السؤال متجليا بوضوح على معالمها , تنبه له ياسر وهو يستدير ليرى ردة فعلها بعد الصمت الحاد الذي اكتنفها , كان دائما قادرا على قراءة افكارها بسهولة , فهي امامه ككتاب مفتوح 


-اتعتقدين انني لم اطرح هذا السؤال على نفسي مرارا وتكرارا ؟ لقد كنت اسال كل يوم منذ ست سنين ما الذي يدفع الاب لطرد ابنته فلذة كبده ؟ وما الذي يدفع بزوج محب يعشق زوجته حد الجنون الى قبول ما حدث ؟ كيف امكنهما حرمان طفلين بريئين من حنان والدتهما ؟ كنت اطرح هذا السؤال الاف المرات خلال اليوم ولازلت اطرحه , الجواب يبدو بديهيا اليس كذلك ؟ لابد انها ارتكبت جرما اخلاقيا . لكنني في كل مرة الغي هذا الجواب وارفضه بقوة , اتعرفين لماذا ؟ لانك لو عرفت شهد , لو عاشرتها , لعرفت انها عاجزة عن فعل شيء مماثل , انا لااقول هذا لانها اختي ولكن لانها الحقيقة , لقد كانت ملاكا يمشي على الارض , كانت بمنتهى الرقة , امتلكت قلبا طاهرا لم تخدشه حبة من القسوة او الخبث 

سكت ليمسح دمعة يتيمة تسللت على خده 

-كل ليلة اضع فيها راسي على الوسادة , تحاصرني صورتها مبتسمة في وجهي , بالنسبة لي هي لم تمت فانا لم رها لم امسك بيدها في لحظاتها الاخيرة , لا يمكنني ابدا ان اصدق انها ماتت , انها بكل بساطة لم تعد جزء من هذا الوجود 

خيم الصمت بينهما وكل غارق في افكاره , كانت بسمة تحاول لملمة شتات نفسها بعد القصة الحزينة لشقيقة حبيبها الغالي وهي تمسح دموعها التي انهمرت غزيرة على خديها , ترى ما هي قصتك يا شهد ؟ واي مرجرعتك اياه الحياة قبل رحيلك ؟ 

انتهى

رشت من العطر الفرنسي الفاخر على جيدها ومعصميها مفكرة بتاثيره الفعال على الرجال , انه احد اسلحتها الفتاكة لليلة , الى جانب فستانها الارجواني ذي التقطيعة المثيرة ومكياجها الصارخ . ارادت ان يكون الحظ حليفها لذلك عززت احتمالات نجاحها فاعتمدت السلاح الوحيد المضمون النتائج الذي تعتمده المراة لبلوغ مرادها , انه السلاح السرمدي لحواء , الاغراء فن تتقنه المراة منذ نعومة اظافرها وكانها رضعته من ثديي امها . الليلة موعد عشائها الخاص برجل الاعمال المغربي المشهور اياد النابلسي , بعد اسبوع من عودتها من الاسكندرية و من لقائها به بالنادي , اتصل بمدير اعمالها لتحديد موعد , كانت على وشك رفض الدعوة غير انها تراجعت بل واسعدها الامر واعتبرتها فرصة ذهبية نزلت عليها من السماء . الليلة سترمي بشباكها عليه وتجعله يهيم بها , ستجذبه كما يجذب النور الفراشة , ستوسمه ببصمتها . 

دخلت فندق "جراند نايل تاور"الذي يتميز بفخامته من باب جانبي هروبا من الصحفيين 

والمصورين , وجدته بانتظارها في ردهة الاستقبال , 

تاملته باعجاب لم تحاول اخفاءه , بدا في كامل اناقته ووسامته ببذلته السوداء العصرية , 

ملابسه الضيقة المواكبة لاحدث صرخات الموضة ابرزت بوضوح عضلاته الضخمة 

ورشاقة جسده , طلته المبهرة جذبت انظار الجنس اللطيف اليه كما المغناطيس يجذب برادة الحديد , تقدم منها بثقة وعنفوان متجذرين في شخصيته ماان لمحتها عيناه غيرعابئ بالنظرات النهمة المتربصة به , منحها ابتسامة مغرية كشفت عن اسنان بيضاء تصلح لعرضها في اشهار لمعجون اسنان , ابتسامة زلزلت بعضا من ثقتها بنفسها ودفعت بمغص خفيف الى معدتها , بلعت ريقها بصعوبة قبل ان ترد عليه باحدى من اروع ابتساماتها الجذابة , بادرها بقبلة على يدها دغدغت اعماقها ودفعت برعشة خفيفة الى كامل جسدها 

-مساء الخير 

تلعثمت في الرد عليه فنظراته الثاقبة المتفحصة كانت مصوبة مباشرة الى عينيها اسرة اياها 

-مساء الخير 

دون ان يترك يدها الشيء الذي اربك دفاعاتها 

-لقد سمحت لنفسي بدعوتك في جناحي كي لا نتعرض لاي ازعاج , ارجو الا يضايقك الامر 

تنحنحت محاولة سحب يدها من راحته , لكنه بدا عازما على الاحتفاظ بها مما دفع بلون احمر قان الى وجنتيها نقل لها الاحساس بحرارة ترتفع تدريجيا داخلها 

-لا, لا امانع , الحقيقة ساكون مرتاحة اكثر لهذا الترتيب 

تحدثت بثقة خالفت اضطرابها الداخلي معاودة الكرة لاستعادة يدها , غير انه تصرف باريحية مطلقة متجاهلا رغبتها للمرة الثانية . امسك ذراعها واقتادها جهة المصاعد 

-اذن دعينا نستعجل , فانا لا اريد ان اجد صورتي على الصفحات الاولى غدا , مع ان الظهور برفقتك يعد شرفا يتمناه اي رجل 

صاحب جملته الاخيرة بابتسامة تحمل الكثير من المعاني , مما دفع بموجة جديدة من الدم الى وجهها , اغتاظت من نفسها وسلوكها كمراهقة , لم تحمر من ملاحظاته البسيطة ؟ تتصرف كانها اول مرة تخرج في موعد او انها اول مرة يبدي رجل ما الاعجاب بها . لديها موسوعة كاملة من نظرات الاعجاب وكلمات الاطراء التي اغدقها عليها الرجال منذ ان انضمت الى ركب حواء , والتي تضاعفت منذ اللحظة التي سطع نجمها عاليا في سماء الفن , فما الذي يحدث لها الان ؟ ترتبك من مجرد ابتسامة ونظرات , كيف ستنفذ خطتها , ان كان مجرد حضوره يطيح باسوارها ؟ لا عليها ان تاخذ حذرها وتنتبه , فهو من النوع الخطير, لا يجب ان تشعره ابدا بتاثيره الفتاك عليها 

استغلت الخلوة بينهما في المصعد في التمرن على الظهوربمظهر البرود والتصدي لوسامته المدمرة, دور اتقنته على مر السنين الاخيرة حتى تتمكن من الصمود في وجه الاعاصير التي تواجهها , فالنجاح في مهنة كمهنتها والمحافظة على استمرارية هذا النجاح , خلق لها اعداء كثرا ارادوا النيل منها , فهناك من اطلق عليها الاشاعات المغرضة وهناك من شكك في الاساليب التي اعتمدتها للوصول الى نجومية مماثلة في وقت قصير الى جانب من اتهمها بسرقة اعماله , و و و.....................

عراقيل جمة تجاوزتها بالصبر اولا وباعمال عقلها ودهائها ثانيا , خلقت لنفسها واجهة جامدة باردة لا تتاثر بما يحدث حولها , ابتكرت شخصية قوية جبارة لا يكسرها شيء . اتت جهودها بثمار جيدة مكنتها من تربع عرش القمة طويلا , وهذا ما ستفعله الان , لقد اتت لاغوائه لا ان يتم اغواؤها . التزمت جانب الحيطة والحذر, وهي تنزوي في الركن البعيد من المصعد جدران مقاومتها بدات بالتصدع وهي تحس بالحرارة المنبعثة منه قريبا منها مستنشقة عطره بعد الحلاقة الذي ملا المكان الضيق حتى النخاع , دقات قلبها المتسارعة ترددت كالطنين في اذنها بينما امواج من الحرارة الاستوائية تسري في جسمها رويدا رويدا , تنفست الصعداء وهي ترى باب المصعد يفتح معلنا عن وصولهما , لقد كانت اطول دقائق في حياتها تعرضت فيها لعذاب وابتزاز عاطفي كان كفيلا بهد حصون مقاومتها لو استمر الامر لوقت اطول من ذلك . شهقت بعمق محاولة طرد اي عبق من عطره لازال عالقا في رئتيها وهي متوجهة حيث يقودها . كان الجناح ملوكيا في فخامته واناقته البارزتين للعيان , اجفلت وهي تحس باصابعه على كتفيها العاريين مجردا اياها من معطفها القصير , لم تستطع منع رعشة طفيفة انتقلت على طول عمودها الفقري لتنشر الحرارة داخلها , ابتعدت عنه بسرعة متمتمة بعبارات شكر , احتاجت الى التخلص من احساسها هذا فخرجت الى الشرفة الواسعة ذات الاطلالة الخلابة , سحبت نفسا طويلا الى رئتيها , غمرها بالراحة والانتعاش بينما يديها ممسكتين بالدرابزين الخشبي , ظلت لدقائق تستمتع بالسكينة التي بعثها فيها منظر النيل الاسر تحت ضوء القمرالفضي . احست بوجوده من الحرارة المنبعثة من جسده , فتبخرت لحظات الهدوء 

سمعت صوته الرخيم ياتي من خلفها مباشرة , فعاد اليها ارتباكها 

-ارى انك وجدت مخبئي السري , هو منظر رائع اليس كذلك ؟ يذكرني بواد ام الربيع بموطني 

استجمعت شجاعتها وطردت اي علامة من شانها ان تخون ضعفها , رسمت ابتسامة واسعة على ثغرها بلون التوت قبل ان تستدير ناحيته وتساله بفضول وانبهار تعمدت اظهاره في صوتها 

-انه الحنين الى الوطن اذن ؟ 

اجابها بنبرة حالمة 

-يمكنك قول ذلك 

سالت بلهفة حقيقية 

-حدثني عن بلدك , حدثني عن المغرب 

اعجبه فضولها فتسربت ابتسامة واسعة تنم عن فخر متاصل بعمق لارض ينتمي لها قلبا وقالبا 

-ما الذي تريدين معرفته بالضبط ؟ 

هتفت بحماس شابكة راحتيها ببعضهما امام صدرها هازة كتفيها كطفلة صغيرة بينما عيناها تلمعان ببريق غريب 

-كل شيء , حدثني بما يجول بخلدك عنه 

اسره اهتمامها بمعرفة معلومات عن مسقط راسه 

-اخشى ان التحدث عن بلدي سيستغرق وقتا اضافة ان العشاء جاهز لذلك اقترح ان نعود الى الداخل 

حركت راسها علامة الموافقة وثغرها يبتسم بفرحة طفلة وعدت بقطعة حلوى لذيذة . ساعدها على الجلوس حول مائدة مستديرة محضرة بانواع مختلفة من الاطباق الشهية والعصائر المشكلة , استقر بمكانه , و شرعا بالاكل . بدا بالحديث وصوته يطغى عليه احساس الحب والفخر والانتماء 

حسن بماذا ابدا ؟ 

حك ذقنه مفكرا قبل ان تلمع عيناه ببريق انتصار لينطلق في التعبير بسلاسة 

مغربي الحبيب يقع شمال غرب افريقيا , يعتبر قنطرة الوصل باوروبا , يتميز بمناخ معتدل وعدد سكانه يتجاوز الثلاثين مليونا , يمتاز بتضاريس متنوعة . لغته الرسمية العربية الى جانب استعمال الامازيغية . يعتمد البلد النظام الملكي الدستوري , اهم مدنه الدار البيضاء العاصمة الاقتصادية , الرباط العاصمة , مراكش عروس الجنوب , اكادير. شعبه محب معطاء يشتهر بجوده وحسن ضيافته , تختلف تقاليدنا من منطقة لاخرى وذلك راجع بالاساس الى التنوع الثقافي والجغرافي بينها , مما يجعل تراثنا غنيا وحافلا , ورغم هذا الاختلاف الا ان جميع هذه المناطق تتوحد في اعتناقها الاسلام واتباعها لتعاليمه السامية وايضا في ولائها للعرش وتشبثها بوحدة البلاد . 

كانت نور متاثرة بما تسمعه عن بلده وماخوذة باسلوبه في الكلام , كان كلما تحدث تشع عيناه ببريق خاص , بريق لمحت فيه العنفوان والكبرياء , الثقة والفخر , تاثرها هذا جعلها تضع شوكتها جانبا لتميل براسها مستندة على ذراعها التي وضعتها على المائدة امامها في الوقت الذي كانت مقلتاها تهيم حالمة في ملامح مخاطبها 

تابع اياد حديثه بحماس وهو غافل عن النظرات المعجبة 

-يمكن القول انه ارض المتناقضات , ارض الشمس المشرقة و الظلال , بعض الاجزاء قاحلة والاخرى غنية بمحاصيلها . مارايك ؟ لقد اعطيتك نبذة موجزة 

رمقته بنظرات غامضة وهي تعتدل في جلستها ولسان حالها يقول "اريد المزيد " 

فهم رسالتها الصامتة , فاجابها بصوت يتخلله الامل 

-اسمعي مهما تحدتث لك عنه , فلن افيه حقه , لذلك اقترح ان تزوريه حتى تلمي بصورة حقيقية عنه 

اجابته والجدية تلوح على محياها 

-انت محق تماما , زيارة ميدانية ستفيدني بالتعرف على هذا البلد الجميل 

رد بنبرة ارتياح وعيناه تشعان ببريق واعد 

-ساكون مرشدك السياحي ان احببت 

حدجته بنفس النظرات الغامضة قبل ان تقول بصوت ناعم موسيقي 

-انه لمن دواعي سروري 

ثم سالته بفضول مغيرة الموضوع 

اذن ما الذي تفعله في مصر؟ هل هي زيارة عمل ام سياحة ؟ 

اتكا على مسند الكرسي بعد ان مسح فمه بالمنديل الحريري

–لنقل مزيج من الاثنين 

سالت بفضول ارادته طبيعيا 

-ومتى ستعود الى المغرب ؟ 

رمقها بنظرات سارحة 

-بعد غد , هل يهمك الامر ؟ 

ارتبكت من سؤاله المفاجئ فقالت تبرر 

-انه مجرد سؤال , اعتذر ان بدوت لك فضولية 

امتنع عن الرد مكتفيا بتغيير جذري للموضوع وهو يقودها الى بهو الجناح الفسيح حيث يطغى الديكور الفرنسي , ساعدها على الجلوس على كنبة كبيرة مريحة قبل ان يتخذ لنفسه مقعدا مقابلا لها ثم بادرها سائلا 

-كيف اصبحت فنانة ؟لابد انك اجبت عن هذا السؤال ملايين المرات 

هذه المرة لم ترتبك بل نظرت الى عينيه مباشرة , تاملته بغموض مطولا قبل ان تجيب 

- لم افكر يوما باحتراف الغناء , انه زوجي من دفعني للمضي قدما في هذا الطريق 

اخذت تراقب بتمعن صدى وقع كلماتها عليه ونظراتها اكتساها الجمود , امتقع وجهه وقست ملامحه فجاة , كز على اسنانه وتململ في مقعده , استغرق وقتا طويلا للسيطرة على المشاعر العنيفة التي اجتاحته . تاملت كل التحولات التي مرت على صفحة وجهه , من الصدمة الى التجهم مرورا بغضب قاتم عكر معالم محياه قبل ان يلجم مشاعره تلك تحت قناع البرود . سال بصوت غادره كل المرح والاهتمام 

-هل انت متزوجة ؟ 

نظرت اليه بعدم فهم متعمد 

اعاد طرح سؤاله بنبرة حادة 

هل انت متزوجة حاليا ؟ 

قصدت التلاعب باعصابه مؤخرة الاجابة , فمما يبدو لم يعجبه ارتباطها , تكاد تجزم انها لمحت شبح غيرة في معالم وجهه المتوترة 

هل هذا ما قصدته ؟ عذرا لبطء فهمي 

رمقها بنظرات يطل منها نفاذ الصبر فقررت ان ترحم حاله فقالت بصوت عذب قادر على اغواء قديس 

-لا لست متزوجة , عذرا للالتباس , قصدت زوجي السابق 

غلف الارتياح ملامحه سريعا ليزفر بقوة وهو يشد على وجهه بكلتي يديه 

بادرته بسؤال بريء براءة الذئب من دم يعقوب اخرجه من حالته 

هل كان زواجي ليشكل فرقا ؟ 

انزل يديه بسرعة لينظر اليها كانها فقدت صوابها 

-بالطبع ,فلو كنت متزوجة ماكنت وجهت لك الدعوة اصلا 

جوابه نقل اليها شعورا جميلا بالراحة , فمما يظهر , فانه يتمتع ببعض من الاخلاق 

تاملها بفضول 

-وزوجك , هل لازلت على صلة به ؟ 

ظهر الامتعاض جليا على قسمات وجهها 

-لا لم اره منذ مدة طويلة , وماذا عنك ؟ هل من زوجة تنتظرك بالمنزل ؟ 

باغته سؤالها لينقلب مزاجه مئة وثمانين درجة , انتظرت بصبر اجابته 

-لا ليس هناك من زوجة , زوجتي ماتت 

الرد اصابها في الصميم , احست بخنجر ينغرز في قلبها والحياة تستل رويدا رويدا من جسدها , رددت بصوت تخنقه العبرة 

-زوجتك ماتت ؟ 

اجاب من وسط سرحانه , لم ينتبه لحالتها المزرية 

-اجل تعرضت لحادث 

حدقت فيه بذهول مرددة كلامه كالببغاء 

-ماتت بحادث ؟ 

اتاها صوته بعيدا من بئر سحيق 

نعم , كان حادثا ماساويا 

ساد الصمت للحظات طويلة بينهما وكانما الزمن توقف ليظلا قابعين في فسحة خارج الزمان والمكان , كل منهما ضاع في افكاره التي حملته لمسافات ضوئية , كل منهما فقد احساسه بالاخر , كل منهما تجلت في عينيه نظرات تائهة بعيدة 

كانت نور من تمكنت اولا من لم شتات نفسها الذي بعثره ذلك المارد الجالس امامها , تنحنحت لتصفي حنجرتها ثم قالت بصوت لازالت معالم الصدمة ظاهرة فيه بعد ان رسمت ابتسامة باهتة على ثغرها ارادتها مواسية 

-انا اسفة , سامحني , لقد فتحت جروحك 

اخرجته كلماتها من استرساله في ذكرياته الاليمة التي ظهر جليا تاثيرها عليه من الحزن والمرارة العميقين الذيين حفرا خطوطهما العريضة على ملامحه , اغتصب ابتسامة استخفاف ليجيب بلامبالاة مدعية 

-لا عليك , لقد مر وقت طويل 

ابتسمت بحرج وسؤال ملح يتراقص على حافة شفتيها , ترددت كثيرا في طرحه لكن الفضول كان يتاكلها كما النار في الهشيم , استسلمت لتباغثه 

-هل احببتها ؟ 

كان سؤالا بسيطا , واجابته ايضا بمنتهى البساطة , لكنه ذهل منه , بدا كمن طلب منه حل معادلة رياضية معقدة , ظهرت معالم الحيرة والعذاب جليا عليه لجزء من الثانية فقط قبل ان تختفي ويحل محلها قناع من القسوة والكره ليجيب بصوت ذي نبرة باردة برودة الصقيع 

-لا لم نكن نحب بعضنا , كان زواجا تقليديا 

احست بالبرودة المنبعثة منه تجمد كل ذرة احساس بها , لقد كان قاسيا بقسوة الصخر , لم تحتمل تحوله من رجل نبيل مراع جذاب ساحر الى اخر تغلفه المرارة والقسوة , فجذبت انتباهه الى منحى اخر اقل حساسية 

-وهل رزقت باطفال ؟ 


انبهرت من التغيير الهائل الذي احدثه سؤالها البسيط , لقد استرخت اساريره والتمعت عيناه ببريق الفرح والفخر بينما انفرجت شفتاه عن ابتسامة حالمة متحدثا بصوت دافئ يقطر حبا وحنانا 

-نعم , لدي اثنان : ولد وبنت , ريان ونوران هما ثروتي الحقيقية 

لم تعلق على الامر امسكت بقلادتها تتلاعب بها , اكتفت بايماءة من راسها وابتسامة مشجعة تدعوه الى مواصلة الحديث , لم يخب ظنها اذ سرعان ما استطرد بحنان 

-ريان بلغ الرابعة عشرة , عمره يفوق سنواته بكثير, يتمتع بحس المسؤولية منذ حداثة سنه , يتصرف دائما كرجل صغير , اعتمد عليه في مراقبة اخته 

ارتسمت ابتسامة واسعة وزاد انشراح اساريره وهو يحكي عن اميرته الصغيرة 

-نوران , تلك قصة اخرى , انها فتاة شقية , تحب المقالب وتعشق الدمى , تحب دائما فرض رايها , شيء تنجح فيه دائما بفضل كلماتها المنمقة واسلوبها المحبب , ستعشقينها انها حلوة المعشر 

انصتت اليه وصفحة وجهها البيضاء لا تفضح ما يجول بداخلها , اكتفت باصطناع الابتسام وملامحها تتقمص قناع الجمود , ارادت ان تقف وتصرخ في وجهه ان يتوقف فهي لاتريده ان يتحدث عنهما , غيرة خانقة عمياء استولت على مشاعرها , ليس هذا المنحى الذي تخيلته لسهرتهما معا , اعتقدت انها ستجعله يقع في سحرها وتسبيه داخل اسوار حسنها لكن امنياتها اضغاث احلام 

توقف عن الكلام وعلامات الذنب تبرز بوضوح على محياه ليقول معتذرا , اعتذار ناقض طبيعته ذات العنفوان والكبرياء والتي لم تعتد الاعتذار ابدا 

-هذان الاثنان هما مصدر فخري وسعادتي , ما ان اشرع في التحدث عنهما , حتى اعجز عن التوقف , اطلب عفوك لابد انني اضجرتك 

اغتصبت ابتسامة متظاهرة بالحماس وهي تخاطبه بصوت حملته قدر ما استطاعت من نعومة 

-لا لاتقل هذا الكلام لقد سعدت بذلك انه من دواعي سروري ان اكون محط فضفضتك

رمقها بنظرات لم تخف اعجابه وتقديره ثم ردد 

-عادة لا اتحدث عن حياتي الشخصية لكن معك انت احس بشيء مختلف لا ادري 

هز كتفيه ورفع يده محاولا امساك خيط افكاره ووجوم اعترى معالم وجهه وكان الفكرة لاتروقه 

-اشعروكانني اعرفك منذ وقت طويل , هل سبق ان راودك هذا الاحساس ؟ ان تشعري بمعرفة شخص تعرفت عليه للتو

تاملته لبرهة بملامح جامدة خالية من اي تعبير 

-سمعت عن ذلك , لكن شخصيا لم يحدث معي امر مماثل 

كانت تتصنع الهدوء وبداخلها تغلي حمم بركانية لمجريات الامور وخروجها عن سيطرتها , لم تعد قادرة على التمثيل والتظاهر, ارادت الخروج للتنفيث عن غيظها , نظرت الى ساعة يدها لتفاجا بتاخر الوقت , شهقة خفيفة انفلتت من بين شفتيها لتهتف 

-يالهي , لقد تاخر الوقت , انها الثانية صباحا 

ارتسمت علامات الاسف على محياه بينما عبرت شفتيه عن امتعاضه وهو يقف مرافقا اياها لتلبس معطفها 

-اجل لقد مر الوقت بسرعة البرق , لا يمل الانسان ابدا برفقتك 

قال جملته الاخيرة مظهرا استحسانه للامر , ارتبكت نور وهي تحس بتكهرب الجو الذي انتقل اليها لتشعر بدغدغات في معدتها , احنت راسها وتظاهرت بالانهماك في ارتداء المعطف بمساعدته , عضت على شفتها السفلى تكظم تاوها كاد ينفلت منها ورائحة عطره الزكية تجتاح حواسها بينما انامله تلامس جلدها العاري لبرهة قصيرة فقط كافية لترسل فيه ذبذبات لذيذة وصلت حتى قرار روحها . شتمت في نفسها هذا العذاب السادي الذي تتعرض له , ففي الوقت الذي يستطيع فيه الاطاحة بكل عزمها واسوارها التي بنتها حولها بعناية , لم تلاحظ عليه ولوتغيرا طفيفا من جراء قربها منه , صاحت داخليا بحنق : هذا ليس عدلا , لكن متى كانت الحياة عادلة ؟ ومعها هي بالذات ؟لا لم تكن الحياة ولا الاقدار منصفة بحقها . ابتعدت عنه لمسافة معقولة قبل ان تردد بصوت يظهر عليه التعب جليا , فالصراعات الداخلية التي خاضتها استنزفت قواها 

-كانت سهرة لطيفة , شكرا لك 

رافقت قولها بابتسامة ساحرة بثتها ما تبقى لها من حيوية , كان جوابه ابتسامة مماثلة 

-شكرا لك انت لانك لبيت الدعوة 

رافقها الى الخارج ممسكا ذراعها برقة , هذه المرة لم تحاول حتى نزعها فقد ابان لها عن مدى عنده وتشبثه برايه . ساعدها على ركوب السيارة , ثم بادرها قائلا : 

اسعدني حقا تواجدك معي الليلة , هل سابدوطماعا لك ان تمنيت معاودة الكرة ؟ 

رجاؤه واعرابه عن رغبته في رؤيتها مجددا اشبع كبرياء الانثى لديها وارضى غرورها لتنفرج شفتاها عن ابتسامة ساحرة تخلب الالباب في حين كانت حمرة تزحف الى وجنتيها 

ودقات قلبها تعزف لحنا شذيا بايقاعها السريع , هتفت بصوت مبحوح من التاثر

-لا لن تكون طماعا 

اجابتها رحبت بابتسامة واسعة لرجل لم يتعود ان تخذله انثى في حياته , تمنى لها ليلة سعيدة بعد ان اخبرها واعدا 

-ساتصل بك 

كان وعدا اظهر البريق اللامع لعينيه انه ينوي الوفاء به 

.................................................. .........................................


استلقت على بطنها فوق السرير العريض الذي يحتل وسط الغرفة الانيقة ذات الطابع الابيض , فمن عشق صاحبة الغرفة لهذا اللون جعلت الجدران والخزانات والستائر كلها تتدرج به . كانت الفتاة تستمع الى رائعة محمد عبده "الاماكن" , انسلت دمعة يتيمة على وجنتها وهي تسمع مقطع :" الاماكن كلها مشتاكة لك" . انه يذكرها باختها الحبيبة , اشتاقت لها جدا , كانت صديقتها المقربة التي تخبرها بكل اسرارها وتفضي لها بمكنونات صدرها . لطالما تفهمتها وعاملتها بمنتهى اللطف والحنان , كانها دمية سريعة الكسر , تخاف عليها من نسمة الهواء . عكس ضحى الماكرة التي تعودت منذ حداثة سنهما كيل الضربات لها , كانت دائما توقعها في المشاكل , وتتسبب في عقابها , لم يكن يردعها شيء من اجل الاضرار بها . كان هناك فقط شخص واحد يتصدى لها ويفشل مخططاتها هي والشريرة هند , انها اختها الحبيبة . لن تنسى ابدا ذلك الصيف الاسود حيث شاركت في رحلة لاحد المخيمات الصيفية , قضت وقتا رائعا برفقة اصدقائها رغم اشتياقها الكبير لافراد اسرتها ولاختها الحبيبة بالذات . عند عودتها , تلقت ابشع خبر في حياتها كلها , اختها التي تقدسها قدسية الحياة , غادرت الدنيا الى غير رجعة . الخبر زلزل كيانها والصدمة ضربت باعمق كيانها لتصاب بانهيار عصبي , كانت ضحى من نقل لها الخبر المشؤوم , اعلمتها ليست كاخت مفجوعة بفقد شقيقتها , ولكنها رات في عينيها بريق انتصار وتشف , رغم صغر سنها وبراءتها , ادركت ان اختها الكبرى لم تهتز مشاعرها قيد انملة لفراق شقيقتهما , فكانت صدمتها صدمتان , عجز عقلها الصغير وقلبها البريء عن احتمالهما لتخر على الارض فاقدة الوعي . منذ تلك اللحظة انفصم الخيط الرقيق الذي كان يربطها بضحى , وان كانت قبلا تفصلهما هوة سحيقة , فبعد ما حدث اصبحت مسافات ضوئية ما يفصل بينهما . وان كانت قبلا تحاول التقرب من اختها الكبرى تحت الحاح وتشجيع شقيقتها الحبيبة , فبعد تلك النكبة امتنعت كليا عن محاولة ارضائها او التقرب منها , فما نفع اغداق مشاعر المحبة والرافة على انسانة لم يرجف لها رمش لموت اختها ؟ 

لمسة حانية خفيفة على كتفها اخرجتها من ذكرياتها , ابتسامة واسعة ساحرة ارتسمت على ثغرها حتى قبل ان تستدير لرؤية زائرها , اعتدلت في جلستها ثم قالت بصوت يغلب عليه الحنان 

-اهلا ماما حبيبتي 

ردت لها الام ابتسامة مماثلة وهي تستقر بجانبها على السريرمربتة بكفها على وجنتها بحنان 

-اهلا عمري , ماذا تفعلين ؟ 

وضعت يدها على يد والدتها بحب وهي تقول 

-لاشيء مهم , فقط انصت الى الموسيقى , هل تريدين شيئا حبيبتي ؟ 

ردت عليها بصوت يغلب عليه الحنين 

-اردت فقط سؤالك ان كنت اتصلت باياد 

ابتسمت نسرين بمكر 

-اها , قوليها صراحة , اشتقت اليهما وتريدين معرفة موعد رجوعهما 

جلجلت الحاجة هناء بضحكة سعيدة وهي تقرص انف ابنتها 

-تكشفينني دوما ايتها العفريتة الصغيرة 

ثم تنهدت بحسرة وتقطيبة تعلو جبينها 

-اجل اشتقت لهما , لقد غابا لاسبوعين كاملين 

ضحكت الفتاة وهي تلوي على ذراع امها بينما تضع راسها على كتفها 

-تتحدثين كما لو كانا قد غابا سنتين وليسا اسبوعين 

اغرورقت عينا الحاجة بالدموع وردت بصوت مخنوق 

-رغما عني حبيبتي , انه رغما عني , تعلمين ان لهما معزة خاصة في قلبي , انهما ولديها , ولدي حبيبة امها, اشم فيهما رائحتها , عندما انظر الى نوران فلكانني انظر اليها , انها صورة طبق الاصل عنها , رؤيتهما تسكن شوقي اليها , معانقتهما تروي حنيني اليها 

واسترسلت في انين يقطع نياط القلب , لم تتحمل نسرين المشهد الحزين وهي ترى اعز ناسها تتغمد في حزنها على اختها الفقيدة , فما كان منها الا ان عانقتها بقوة لتشاركها همها وتحمل عنها بعضا من المرارة الساكنة داخلها 

بعد وقت طويل , رفعت نفسها عن حضن والدتها لتمسح عبراتها التي بللت خديها , اخذت وجهها بين يديها ثم نظرت الى عينيها بتصميم 

-ماما حبيبتي , انت امراة مؤمنة , تؤمنين بالقضاء والقدر , فكفي عن البكاء ارجوك 

هتفت هناء بلوعة 

-اه يا ابنتي , انها نار الفراق , انها صعبة تكوي الروح وتدمي الفؤاد , انت لاتعرفين شيئا , لاتعرفين شيئا 

واسترسلت في موجة جديدة من الدموع , هذه المرة لم تلمسها ابنتها , بل اكتفت بالتحديق اليها , تركتها تفرغ حزنها والمها المتاصل داخلها , يقال ان الدموع تخفف من احزاننا وتذهب شيئا من همنا 

بعد ان سكبت شيئا من حزنها و استكانت , اختارت نسرين تغيير دفة الحديث حتى لاتتسبب في انفجار عاطفي اخر لامها الحبيبة 

-حسن احمل لك خبرا سارا واريد البشرى 

ابتسمت الام لكلام ابنتها الطفولي وهي تمسح بقايا عبراتها بمنديل ورقي قدمته لها 

-سنرى ان كان الامر يستحق , حينها لك ما تطلبين 

ابتسمت نسرين بمكر وعيناها تلمعان من الاثارة 

-من حيث يستحق , فهو يستحق وزنه ذهبا , لكن دعينا اولا نتفق على المكافاة 

شاكستها والدتها 

-ايتها الماكرة , لا تضيعين اي فرصة ابدا 

وقفت الفتاة على سريرها وتململت تعدل هياتها كمن يريد ان يلقي خطبة هامة 

-اسمعي يا حاجة هناء , ان كنت شحيحة وتتهربين من المكافاة فلا داعي للتحجج بمكري , قوليها صراحة وانا سابحث عمن يدفع لي مقابل اخباري العسل التي احملها 

ثم ململت حاجبيها صعودا ونزولا في حركة عابثة 

قالت الام باستسلام 

-مادام الامر وصل للعسل , فانا اكيدة ان الامر يستحق , حسن ماشرطك ايتها الانسة الصغيرة ؟

اغتاظت نسرين لتغمغم في صوت ثائر 

-ماما , لا تقولي صغيرة , ماذا سيقول عني كريم حينما يسمعك تخاطبينني هكذا ؟ 

ابتسامة حنونة انارت معالم وجه الحاجة طاردة اي لمحة للحزن الذي كان يطغى عليها منذ قليل , ابتسامة نقلت الهدوء والارتياح لقلب ابتنها وهي ترى ان محاولتها لتشتيت انتباه والدتها عن حزنها العميق تتكلل بالنجاح 

-حتى لو اصبح عمرك مئة عام , ورزقت بالاولاد والاحفاد ستظلين دائما صغيرتي 

لم تتحمل نسرين سيل الحنان المتدفق من هذه الانسانة الرائعة لترمي بنفسها في حضنها وتضمها اليها بجوع الابنة الدائم لدفء هذا الحضن 

-احبك ماما 

-وانا ايضا حبي انا ايضا 

كررت عبارتها وهي تزيد من ضم ابنتها اليها , فلايوجد لها سوى هذه الابنة لتفضي لها بما يختلج بصدرها من حمم حنين بركانية 

ابتعدت عنها نسرين لتقول بمرح 

-حسن , ماذا قلت ؟ اريد "بسطيلة " بالحوت 

نظرت اليها الام مستنكرة تفاهة الطلب 

من الصباح وانت تزنين اريد مكافاة اريد مكافاة في الاخير" بسطيلة" بالحوت , كنت اعتقد انك ستطلبين لبن العصفورة , يا حبيبتي لك مني عشر"بسطيلات" فقط هاتي ماعندك 

نظرت اليها نسرين بلوم 

-لاتستهيني بذكائي ماما , حينما طلبت "بسطيلة" لم اقصد تلك التي تصنعها زكية او تلك التي نوصي عليها من الخارج 

حدجتها والدتها بنظرات متوجسة 

-وماذا قصدت ؟ تلك التي يحضرها الجنائني ؟ 

جلجلت بضحكة مرحة 

-لكم احب روح الدعابة العالية لديك ماما 

بدات الحاجة تفقد صبرها 

-نسرين , قولي ما عندك واريحيني 

سارعت الفتاة بالاجابة 

-اوكي , اوكي . اريد" بسطيلة " 

تنحنحت وبدات تكح , تظاهرها لم يفت الحاجة التي نبهتها بغيظ 

-نسرين 

رمت القنبلة دفعة واحدة 

-اريد "بسطيلة"من يديك انت 

رمقتها والدتها بنظرات تائهة وحائرة 

-لكنك تعلمين انني لا اطبخ 

اسرعت الابنة بالتعلق بذراع والدتها مخاطبة اياها بتوسل ينبعث من كل قسمات وجهها وحركات جسمها 

-اعلم ذلك ماما , لكنني اشتهي واحدة من يديك , لازلت اذكر الطعم اللذيذ لتلك "البسطيلات" التي كنت تتفننين في اعدادها لنا , ارجوك امي ارجوك ارجوك 

اخذت تكرر عبارتها الاخيرة مستجدية قلب امها الرقيق وهي تسبل لها بعينيها , لم تستطع هناء مقاومة موجة الضحك التي اعترتها بسبب حركات ابنتها الطفولية حتى اغرورقت عيناها بالدموع 

-لا اصدق انك عروس على وشك الزواج 

تحدثت وهي تمسح دموعها 

-يالهي , لقد ابتلي كريم بطفلة صغيرة لازالت تريد اللعب , لقد ظلمنا هذا الشاب 

ازدادت ابتسامة الحاجة وهي تشاهد وجه نسرين المتميز من الغيظ 

-لكن اعترف بانه لن يمل لحظة واحدة برفقتك 

-ماما 


هذه المرة انفجرت الام في ضحكات مجلجلة وهي ترى وجه ابنتها الذي تحول الى لون الطماطم 

-كنت اتساءل دوما من اين تعلمت نوران حركاتها الشيطانية , لابد انك معلمتها 

تظاهرت بالبراءة وهي تهتف باستنكار 

-انا اعلم تلك العفريتة الصغيرة ؟ انها هي من يعطيني دروسا وبالمجان 

-اه منكما , عموما لقد نجحت , ساعدها لك , هيا اتحفيني بما لديك 

فغر فاه نسرين عن ابتسامة رائعة صارخة من الفرح وهي تتنطط حول امها في حلقة دائرية 

-هيه تحيا ماما , تعيش الحاجة هناء , هيه ساكل "البسطيلة "من يد ماما 

احست هناء براسها يدور من حركة ابنتها المتعاقبة فامسكت بها مخاطبة اياها 

-اظنني وفيت بجانبي من الاتفاق , الان حان دورك يا حلوة 

اتسعت ابتسامة نسرين وهي تصرخ 

-لقد اتصل بي اياد وهم سيرجعون الاسبوع المقبل 

الفرحة العارمة اكتسحت ملامح الحاجة لتلمع عيناها ببريق السعادة والارتياح 

-احقا ما تقولين ؟ هل انت متاكدة ؟ 

-متاكدة جدا ماما , هيا هللي وافرحي فحبيبا القلب سيعودان قريبا 

شردت الام تفكر فيما عليها فعله للتحضير لعودة صغيريها الحبيبين , وفجاة انتبهت لابنتها لتسالها بريبة 

-منذ متى تعرفين بالامر؟ 

اجابت ابنتها بعفوية 

-لقد خابرني اياد في الصباح الباكر 

بغتة , صرخت نسرين من الالم وهي تمسح على فخدها , صاحت بصوت باك 

-اي ماما انها تؤلم , لم قرصتني ؟ 

ابتسمت الام بشماتة ولوم 

-هذا درس حبيبتي ليعلمك الا تلعبي بالنار ابدا , ترينني اتحرق شوقا لمعرفة خبر عنهما وتكتمين معلومة بهذه الاهمية عني , كنت تتلاعبين باعصابي ايتها الابنة العاقة 

هتفت بجملتها الاخيرة وهي في طريقها الى الباب , ماان وصلته حتى استدارت وتكلمت بنبرة حازمة 

-اه كدت انسى , انسي امر "البسطيلة " 

صاحت الفتاة بنبرة طفولية 

-لكن ماما لقد عقدنا اتفاقا 

اجابتها امها وهي تواصل طريقها دون ان تكلف نفسها عناء الالتفات 

-لا اعقد اتفاقات مع غشاشين 

ثم اغلقت الباب وراءها وابتسامة ظفر تعلو محياها , فقد قامت للتو بالانتقام من نسرين , ستلعب نفس لعبتها , ستلعب باعصابها , طبعا ستحضر لها ما اشتهته , فهي حبيبة قلبها ولن تهون عليها ابدا .................................................. ................................................


هتفت نور بحنق 

-ان كان لايجيد عمله فليستقل اذن 

تاملها رافت ببرود دون ان يحاول الرد على اتهامها لمسجل الصوت 

اعادت الصراخ بحدة هذه المرة والنبض في عنقها يخفق بشدة -رافت انا اتحدث اليك , لاتتجاهلني هكذا 

نقل بصره خلفها ليتنفس براحة وهو يرى الاسعاف قد وصل -واخيرا وصلت , تكلمي معها فانا لااستطيع ذلك 

اكمل عبارته مغادرا الغرفة بسرعة , وكانه يخاف ان تلحق به 

قبلتها منى على وجنتيها رامقة اياها بفضول 

-مرحبا حبيبتي , يقال انك اثرت جلبة كبيرة هنا 

حدجتها نور باحدى نظراتها النارية قبل ان تهاجمها بدورها 

-ومن اخبرك ؟ لابد انه زوجك العتيد , اولم يقل لك ما سبب الجلبة , ام انه اكتفى فقط بالعنوان الرئيسي :نور تحدث ضجة كبيرة اثناء تسجيل الشريط 

جرتها منى من يدها واجلستها بجانبها على الكنبة التي توسطت غرفة الاستراحة , شرعت تربت على يدها محاولة امتصاص غضبها 

-ما الخطب حبيبتي ؟ 

انفجرت الفنانة الشابة من جديد في نوبة غضب 

تخيلي المعتوه اضطرني الى اعادة التسجيل خمس مرات , انا نور من اسجل اثر مرتين فقط , ياتي هذا المتملق الغبي ليخبرني انني لم اجد الغناء ويتوجب علي الاعادة 

لم تعر منى جوابها اي اهتمام بل كررت سؤالها من جديد 

-ما الخطب حبيبتي ؟ 

هربت نور بعينيها من صديقتها لتخفض راسها وتقول بصوت خافت مهزوزبينما تفرك يديها بتوتر 

-لم يتصل 

رمقتها منى بنظرات حائرة 

-من؟ 

اجابتها بصوت خفيض يائس وتقطيبة تعلو جبينها 

-اياد 

قوست منى حاجبيها وهي تسالها بعدم فهم 

-وهل كنت تريدين ان يتصل بك ؟ 

حدجتها نور بنظرات حممية ساخطة وهي تنتصب واقفة على قدميها 

-اتساءل حقا في بعض المواقف اين يذهب عقلك ؟ هل تريدين اصابتي بازمة قلبية ؟ 

كتمت منى بصعوبة ضحكة ارادت الانفلات وهي تدرك اخيرا سبب ثورة صديقتها وغليانها 

-اسفة انت محقة , لاادري ما يحدث لي , لكن اعترفي ان الامر غريب , فهذه اول مرة تهتمين برجل , وليس اي رجل بل رجل اعمال مغربي , الا تشكل جنسيته لك اية مشكلة ؟ كزت نور على اسنانها وهي تمرر يديها في شعرها بحنق 

-اقول لك لم يتصل وانت تتحدثين في امور تافهة , الا يكون مصريا لايهمني 

جرتها صديقتها من يدها من جديد رغم اعتراضها لتجلسها ساعية لتهدئتها , قالت بصوت معتذر 

-انا اسفة حبيبتي , تعرفين انه احيانا يتوقف عقلي عن العمل فاعذريني , حسن انا كلي اذان صاغية

زفرت نور نفسا طويلا وهي تسترخي على الكنبة الجلدية قبل ان تشرع بالحديث 

-في لقائنا الاخير وعد بالاتصال لكنه لم يفعل 

سالت منى بجدية اعربت عن مدى اهتمامها 

-كم مر من يوم ؟ 

ردت بصوت متوتروهي تقضم شفتها السفلى بينما تشبك اصابع يديها بتوتر 

-ستة ايام 

حاولت تهدئة مخاوفها بصوت يصدح بالثقة 

-حبيبتي , انها فترة قصيرة , ولا تنسي انه رجل اعمال مشغول جدا لابد ان هناك ما منعه عن الاتصال بك 

تبدلت نظراتها الى حنان وعطف مشوبين بالمرح لتستطرد قائلة 

-ارى انك تهتمين له كثيرا , هل هو حب من اول نظرة؟ 

صوبت نور اليها نظرات استخفاف قبل ان تنهض وتتجه الى النافذة التي تمنح اطلالة رائعة للقاهرة

-حب ؟ 

قهقهت بصوت مجلجل مستهزئ 

-حبيبتي منى الحب لاوجود له الا في القصص والروايات , انه كلمة يضحك بها الرجال على عقول النساء الغبيات انه جواز سفرهم لتحطيم قلوبنا , مثله مثل اي لعبة يمارسها اثنان , في نهايتها , احدهما يربح والاخر يخسر 

تاملت منى صديقتها بصدمة وهي تلمس كم الحقد والكره اللذين يسكنانها قبل ان تهتف مدافعة 

-انا لا اتفق معك , الحب موجود وحقيقة ازلية في حياتنا , انا ورافت نحب بل نعشق بعضنا بجنون 

توقفت لتهز بكتفيها وتعقد حاجبيها علامة الحيرة لتسال بشفتين مزمومتين 

- وان كنت لا تؤمنين بالحب فماذا تسمين اهتمامك بهذا الرجل ؟ 

ابتسمت لها نور بحنان وهي تلتفت لتنظر مباشرة في عينيها

-انت ورافت حالة شاذة , استثناء للقاعدة 

ثم ظهر العبوس على وجهها وهي تستطرد بصوت مرير 

-ما يربطني باياد هو مجرد انجذاب , الانجذاب الفطري لانثى تعجب برجل , انه الكيمياء التي تستقطب الجنسين 

تاملتها صديقتها بحزن اكتسح ملامحها وهي تهتف بمواساة

-ياالهي من المك الى هذه الدرجة؟ 

فوجئت بالسؤال فهربت بعينيها تحدق في البعيد وصوتها يعبر بوضوح عما يختلجها من اسى عميق 

-انه زوجي السابق 

ردت عليها منى بحيرة من الطريقة التي عليها اتباعها للتحدث بهكذا موضوع حساس 

-انك ابدا لا تتحدثين عنه 

اردفت بعدما لاقت صمتا مطبقا كجواب على سؤالها 

-حسنا لن اطرح عليك اسئلة اخرى بهذا الصدد , انت انسانة ذات كبرياء يا نور وانا اعرف متى يغلق انسان ما الباب في وجهي 

ساد صمت مربك في الغرفة للحظات قصيرة قبل ان تقرر منى قطعه وهي تسال بفضول عهدته فيها نور 

-انا لا افهم اهتمامك باياد فمم يبدو لم تتجاوزي تجربتك السابقة 

تطلعت اليها بنظرات غامضة قبل ان تجيب 

-زوجي السابق قصة انتهت منذ زمن اما اياد فانا اريده وساحصل عليه ,معه لن ارتكب اخطاء الماضي , في السابق كنت مراهقة عاطفية ولي نظرة حالمة للحب والزواج كنت غبية اصدق كلام الروايات , اليوم نضجت واصبحت نظرتي للحياة اكثر واقعية ولم اعد ساذجة لاثق بوعود الحب الزائفة والكلمات المعسولة 

.................................................. ................................................


-انت مجرد رجل فاشل , انظر الى اياد , ما ان يمسك التراب في يده حتى يصبح ذهبا , وانت ايها الشحيح تحاسبني على بضع دراهم انفقتها لاظهر بصورة لائقة امام اصدقائك وعائلتك 

صرخت ضحى بصوت هادر حاقد 

تاملها علي بوهن وقلة حيلة وقد تهدلت كتفاه بانكسارامام ما تتفوه به زوجته من كلمات دنيئة تنقص من رجولته وتهين عزة نفسه 

-يوم قبلت الزواج مني كنت تعلمين انني رجل بسيط , كما ان عشرة الاف من الدرهم تصرف لشراء اكسسوارات لحفلة لن تجلسي فيها اكثر من ربع ساعة يعد ضربا من الجنون , انا موظف ذو دخل محدود وعلي مراقبة نفقاتي 

حدجته بنظرات نارية محتقرة قبل ان تصرخ في وجهه من جديد 

-ان لم تكن تستطيع الايفاء بمتطلباتي لم تزوجتني ؟ لم لم تبحث لك عن واحدة من طبقتك البسيطة ؟ لم نظرت عاليا الى النجوم ؟ 

كلماتها القاسية كان لها تاثير السم الزعاف على قلبه , انها امراة قاسية القلب , مجردة من الاحاسيس , باردة المشاعر , سعادة ولديه هو ما يقيد يديه والا كان تخلص منها منذ زمن طويل , رماها بنظرات حسرة على العمر الذي اضاعه بجانبها قبل ان ياخذ سترته ويتوجه خارجا من هذا الجحيم وفي نفسه يلعن قلبه الذي جعله يفكر في الارتباط بها , بينما يعض اصابعه ندما لانه ضرب بعرض الحائط نصائح عائلته التي حذرته من مغبة الزواج بها . كيف كان اعمى عن عيوبها الى هذه الدرجة ؟ كيف لم يسبر غور شخصيتها الانانية المغرورة المتكبرة ؟ لكن عذره يبقى ان مراة الحب عمياء ؟؟؟ 

رمقته بنظرات كره صاحبته الى الباب دون ان تتفوه بكلمة فقد اعتادت خوض حرب طاحنة معه كلما قامت باقتناء شيء من السوق , تبغضه وتكره اليوم الذي قبلت الزواج منه , كانت مراهقة حمقاء تحاول الهروب من صدمتها في حب حياتها , لم تذعن لنصائح عائلتها حول الاختلاف الطبقي الذي سيشكل عائقا امام ارتباطهما , تحدت الكل وفرضته عليهم وهي تتوهم انها ستجعل اياد يلتفت اليها اخيرا وانها ستجعله يندم على تضييعها . وهاهي الان تعاني من سوء اختيارها , لم لم تكن محظوظة بزوج كاياد فاحش الثراء ؟ لقد كان يغدق على اختها بالهدايا الفاخرة والمجوهرات الثمينة دون حساب , لم كان عليها هي ان تكون عاثرة الحظ ؟ 

.................................................. ................................................

-هل هذا كل شيء ؟ 

-اجل سيدي 

انتظر الى ان اغلقت سكرتيرته الباب قبل ان يزيل نظارته الطبية ويضعها على المكتب , توجه ناحية النافذة الشاسعة المطلة على "التوين سنتر " احد المولات الكبرى بالدار البيضاء . كان مكتبه يحتل الطابق الاخير من بناية شاهقة , من هذا العلو يحس الانسان بالعظمة خاصة وهو يملك احدى اكبر الشركات العاملة بالاستيراد والتصدير . يرجع الفضل الى عمله الدؤوب وذكائه الخارق لوصول الشركة الى ماوصلت اليه . تامل المدينة التي تعج حركة وضجيجا محببا الى قلبه , فهنا عاش معظم حياته , بين شوارع هذه المدينة الحبيبة تجول هادفا لتحقيق احلامه , من كسب اول مليون له الى تكوين عائلة سعيدة يفخر بها , عند هذه النقطة , احس بوخزة الم في قلبه العليل , اخترقت صورتها مخيلته بدون استئذان , تذكر عيناها الزرقاوتان , تذكر شعرها العسلي الحريري الطويل المائل الى الشقرة الذي كانت تمتنع عن قصه , تذكر ابتسامتها المشرقة كلما تطلعت اليه . دمعة حزينة تسللت خارج مقلتيه , ابتسم بمرارة متذكرا معاملته السيئة لها ورميه لها خارجا دون ان يهتم بمصيرها , اي اب كان وهو يلقي بابنته الى الذئاب ؟ كيف استطاع ان يفعل ما فعل ؟ اين كانت غريزته الابوية ؟ اين كانت بصيرته التي اشتهر بها ؟ اخطات اجل , لكن العقاب كان قاتلا , اصلح الخطا بخطا اكبر منه , كان يمكنه ان يحتجزها لاخر عمرها , ان يحرمها من ولديها , لكنه انزل بها عقابا شنيعا لم يطلها وحدها , بل عاقب نفسه وزوجته وحفيديهما , ليحكم على نفسه وزوجته بنار متاججة تسكن روحهما . كما انه بعقابه ذاك , فقد حب زوجته التي امتنعت عن التحدث اليه , ولولا اصابته بداء القلب منذ سنتين ما كان قلبها لان له ابدا , لازال يلمح نظرات اللوم والعتاب في عينيها , لكنها تبقى اخف وطئا من امتناعها عن محادثته , بلاء اخف من بلاء ؟؟؟؟

عندما تعرض لاول ازمة قلبية له , راى شريط حياته يعرض بالابيض والاسود على تلفزيون عتيق امام عينيه , حينها وعد نفسه ان اجتاز تلك المحنة وامد الله في عمره , سيتولى مهمة البحث عنها واعادتها الى عقر دارها , قد يكون اياد قد زهد بها كزوجة , لكنه وزوجته ابدا لن يزهدا بابنتهما الحبيبة , من منا لا يخطئ وخير الخطائين الثوابون . عملية البحث لم تكلل بالنجاح , كان جواب كل تحر وظفه , ابنتك ليس لها اثر في اي مكان , رغم هذا الجواب المحبط المتكرر , الا انه لم يفقد الامل ابدا بايجادها , ولن يتوقف حتى يكلل عمله بالنجاح ,فكما كان السبب في ضياعها , سيعمل جاهدا ليكون السبب في رجوعها .................................................. .................................................. 


-اغفري لي اقتحام خصوصيتك بهذا الشكل , لكن طائرتي تقلع بعد اربع ساعات ولم ارغب ان اسافر دون ان افي بوعدي لك كان هذا اياد الذي بدا غير اسف وهو يعتذر كرجل لم يتعود تقديم التبريرات في حياته حيث جلس بكل اريحية في صالونها الذي اثث على النمط العصري بينما تخللته بعض الذيكورات الاثرية نزولا عند رغبتها 

ابتسمت نور بسعادة على زيارته المفاجئة لها في عقر دارها وهي تجيبه بصوت ناعم نعومة الحريربينما تجلس الى جانبه على نفس الاريكة الذهبية 

-لا ابدا انت لم تزعجني بل بالعكس , كنت لاتضايق ان سافرت دون ان تقابلني 

رد ابتسامتها مصحبة بنظرات اعجاب وشوق لم يحاول اخفاءهما 

-انا سعيد لذلك , كنت حقا مشغولا كثيرا والا كنت اتصلت مبكرا 

تلعثمت من جراة نظراته فتظاهرت بتعديل السوار الالمازي في يدها اليسرى قبل ان تردد 

-انا اعذرك فرجال الاعمال دوما مشغولون , كان الله في عونك 

لم يتوقف عن النظر اليها وهو يتمتم بينما يرتشف من فنجان القهوة الذي قدمته له 

-اقدر لك تفهمك , بما ان اقامتي في مصر شارفت على نهايتها , فسيتعذر لقاؤنا , وانا حقا اتطلع الى رؤيتك من جديد 

لون احمر قاني خضب وجنتيها ليزيدها فتنة فوق فتنتها قبل ان تهمس بحياء دون ان تجرؤ على النظر اليه 

-انا ايضا اتطلع لذلك 

امسك بيدها بين راحتيه , لتنظر اليه مباشرة متفاجاة من خطوته الجريئة هذه , خطا فادح ارتكبته , لانها بهده الطريقة سمحت له بان يغزوها جوا وبرا . عيناه اسرتاها في بحر مظلم لاقرار له , بينما تكفلت لمسته بنشر امواج من الحرارة والرعشات التي اجتاحت جسدها باكمله , كانت كالمخدرة التي لا تملك من امرها شيئا 

-جيد بما ان شعورك يماثل شعوري , فساحرص على خلق الوقت للمجيء الى هنا , ارجو فقط ان تنتظريني 

انهى جملته مقبلا يدها الرهينة بين يديه دون ان ينزل بعينيه عن عينيها ليظل الاتصال بين روحيهما قائما مسيطرا عليها , تنفسها كان سريعا , هذا الرجل يتقن عمله جيدا , ابتسم من تاثيره عليها وهو يحرر يدها اخيرا بعدما حصل على وعدها الصامت لتتنفس الصعداء . انتصب واقفا مشرفا عليها بطوله الفارع قبل اين يمد يدها ليرفعها معه ويقول بنبرة اسفة 

-كنت لابقى لوقت اطول , لكن علي الذهاب حقا , المرة القادمة ساحرص ليكون لقاؤنا طويلا جدا 

انهى كلامه وهو ياسر يديها مقبلا اياها برقة كي يعود لياسر نظراتها متاملا كل تفصيل بها كما لو كان يريد ان يخزن صورتها كزاد له في الايام التي ستغيب فيها عنه , 

ابتسمت له بمكر من يخبئ شيئا , قبل يدها مجددا ليغادر فيلتها مسرعا دون ان يتطلع الى الوراء . ظلت واقفة امام الباب الامامي لفيلتها تراقب جسده الممشوق وهو يغيب عن ناظريها بكبرياء رجل واثق من نفسه بينما لمعت عيناها ببريق شقاوة وهي تهمس له بصوت خافت ناعم 

-ستراني قريبا حبيبي قريبا جدا اكثر مما تتصور 

💐💐💐💐💐

🏵🏵🏵🏵🏵🏵


  »»»»»»»الفصل التالي«««««««


    »»»»»»»العودة للألبوم«««««««











تعليقات