الفصل 14 من رواية أسألك الرحيلا بقلم الكاتبة sweettara

 الفصل الرابع عشر


هذه خاطرتي لنور وسامية


من المؤلم ان نعتاد الالم ليصبح جزء مهما منا

من المؤلم ان تقارن بين مشهدين متشابهين 

فقط باختلاف البطلة 

الاول قتلت فيه البطلة بدون سماع دفاع او تظلم

الثاني يتداولون كيف سيحمون البطلة من هذه الزلة

لم اعررف سوى ان بركان حقدي قد تفجر 

وتأججت ثورات اشتعاله بما رايت من مصائب

عذابكم الاحمر قادم على يدي لن يفلت منكم 

شخص ظالم 

ليس حقدا او انتقام بل هي عدالة وقصاص

عجبي عجبي على نفاق ناس لم يراعوا 

في ذبحي حرمة انني بريئة 

ولكن قلبي الخائن يصرخ فيهم لماذا التجني

لماذا التجني؟

____________________________________


مؤلم هو الاحتراق مؤلم ان تعرف تذوق طعم الخيانة وانت صامت

مؤلم ان تجد من يخونك يقف امامك بنظرات بريئة 

كانه لم يسفك دمك من دقائق قليلة

طاعن للقلب ان ياتي الحبيب متقربا ممن يحب ويحمل اثار غدره

بوشوم وعطور تنفذ كالسم لقلب طعن بسهم كذبه

ايستحق الامر كل هذه الالام ؟

لماذا ياابن ادم الظلم بدون وجه حق 

يامن قيل لكم رفقا بالقوارير

فأي كلمة لم تفهموها ياابناء ادم

الظلم لكم عنوان والغدر لكم نيشان 

هكذا انتم هكذا انتم ومن الغدر جبلتم 


رشفت من كاس الكابوتشينو بتلذذ وفكرها شارد في تاملاته , البيت يعج بصمت كئيب يكاد يخنق انفاسها . الولدان غائبان في المدرسة , هند معتكفة في غرفتها والحمد لله , اما زوجها العتيد فبعد ان عاد الى المنزل في وقت متاخر , نزل هذا الصباح متانقا , عدا التعليمات الصارمة التي وجهها للخدم بشان منع هند من الخروج او استقبال احد غريب فهو لم يتفوه بكلمة متلحفا بعباية من الهدوء والبرود , كما لو ان احداث الامس لم تؤثر عليه ابدا متجاهلا اياها بعناية تامة . انه غاضب وكانها هي من اطلقت السموم في وجهه وليس العكس , ان كان يعتقد انها ستسارع متلهفة الى مصالحته وطلب رضاه فهو واه .

ان لم يقدم اي بادرة سلام تخطب ودها ولم يعتذر بشدة عما بدر منه البارحة من كلمات حادة كنصل السكين فهي ابدا لن تقوم بالخطوة الاولى , اليست هي شبح زوجة ؟ اليست عاجزة عن القيام بدورها على اكمل وجه ؟اليست هي من يمنع عنه حقوقه الطبيعية ؟ سنرى اذا كيف ستكون حياته مثالية من دونها .

هي تلعب معه لعبة القط والفار دائما ما تمنحه جائزة دون ان تروي عطشه حتى يظل عبدا في محرابها , كما انه هو من وعدها بالانتظار واحترام الوقت الذي تحتاجه لتتاقلم مع حضور رجل في حياتها من جديد . 

حركت راسها تنفض عنها تلك الافكار بحنق, كلما صبت الى ابعاده عن خيالاتها تجد نفسها تنساق كالمنومة مغناطيسيا اليه . زفرت بضيق واضعة الكوب على الطاولة بضجة رجت في المكان لتاخذ هاتفها المحمول و تتصل بسامية , احست بدغدغة مالوفة على ساقها العاري انستها همومها للحظة وابتسامة حانية تتسرب الى شفتيها الناعمتين بينما اساريرها تشع بحنان امومي , انحنت حاملة قطها الشيرازي الذي كان يثير انتباهها الى حضوره وكانما القط الجميل استشعر حاجة صاحبته اليه , لقد كان رفيق دربها في تلك الليالي الموحشة التي قضتها وحيدة دون انيس .

-اهلا حبيبي هل اشتقت الي , انا ايضا اشتقت اليك 

كانت تحدثه كما لو كان يفهم كلامها , انحنت تقبله بنعومة كانها تقبل طفلا صغيرا , وهي تغمر وجهها في نعومة فرائه الحريري باستمتاع تام قبل ان تستقر على الكنبة وهو يستقر في حضنها الدافئ , اتاها صوت سامية ليضع حدا لحديثها معه مع انها استمرت بمداعبته بينما هو يضيق عينيه في حركة استحسان 

-اهلا حبيبتي 

احست بوهن في صوت صديقتها فشعرت بالقلق يتسلل اليها فيما قلبها ينقبض منذرا بمقدم غيوم سوداء وهي تردد بهدوء مصطنع 

-اهلا سامية , هل نمت جيدا ؟ 

اجابتها تنهيدة طويلة تبعها صمت ثقيل لبرهة قبل ان تهمس سامية بسخرية

-نمت ملء جفناي كعروس حديثة العهد بالزواج 

صمت كئيب انتقل عبر السماء ليصلها مثقلا قبل ان تلحق به شهقات متتالية اخذت تعلو تدريجا كي تتحول لبكاء صاخب حاد , ظلت نور تحدق امامها بعينين متسعتين في صدمة والهاتف المسكين يئن في قبضتها , لم تكن هذه النتيجة المتوقعة من الخطة المتقنة التي وضعتها وسامية سويا بتدبير محكم بغية جعله يتوسد فراشا من الجمرات المتقدة . لقد اتصلت بها خصيصا وهي مستبشرة من سماع اخبار جيدة سعيدة تبعدها ولو لبعض الوقت عن سكون روحها وكابتها شقاء , لكن يبدو ان صديقتها تحتاج بدورها من ينتشلها من تلك اللجة من التعاسة التي رسبت فيها , تنهدت بياس مخفية خيبة املها بينما تضع يدها على وجنتها قبل ان تخاطبها بصوت ونبرة حازمين 

-اغلقي الهاتف انا قادمة 

................................. 

-ما بك حبيبي ؟ 

تطلع ببطء الى يدها الحريرية الملمس و المبسوطة تجاهه تطالب باصرار باحتضانها بين دفء يديه وابتسامة حب تشق طريقها الى شفتيه بالرغم من هالة الحزن التي احاطت به منذ ليلة الامس . حبيبته الرقيقة رغم الظروف التي تمر بها بسبب ضغط والدها المتعنت عليها لازال لديها القدرة على سبر اغواره والاطلاع على مكنونات قلبه البائس . زفر بضيق وهو يمسك يدها مداعبا اياها بابهامه في حركة عفوية اعتادها كلما سنحت له الفرصة بامساكها , تطلع الى البحر الازرق الغامق من شرفة مطعمهما المفضل في شرود وزفر مرة اخرى بضيق وتعب قبل ان يحس بضغطة رخفيفة على يده تذكره بوجودها العذب الذي يبدو عليه انه نسيه تماما . التفت اليها في روية يرمقها فترة بنظرات تحمل من الاسى الكثير وكانه يبثها اسراره الدفينة برسالات صامتة مشفرة قبل ان يقرر الاجابة عن سؤالها الذي ظل معلقا بينهما في الهواء 

-لا شيء حبيبتي , لا شيء مهم 

حدجته بنظرات متفحصة تلمع بالدهاء وهي تزيد الضغط على يده قبل ان تسال بمكر خالف طبيعتها البريئة 

-ضع عينيك في عيني 

استجاب لها بخنوع للحظة وجيزة فقط قبل ان يعود ببصره من جديد الى البحر , يتامل بضياع منظره الذي يبعث السلام في النفس عله يحصل على شيء منه ليهدا الحنق والغضب الجم الذي يتاكله بشراسة متوحشة منذ البارحة . امام اصراره على التزام الصمت المطبق وتجاهله السافر لسؤالها تململت بسمة في مكانها بتوتر واجلت صوتها جيدا قبل ان تضع برقة يدها على ذراعه وتسال من جديد بقلق سكن ملامحها وقلبها 

-حبيبي ما الامر ؟ لم لدي احساس ان امرا جللا قد وقع بحفلة الامس ؟ 

وكانت كلماتها هاته المفتاح السحري الذي قد حصلت به اخيرا على اهتمامه واستطاعت ان تخرجه من حالة البرود التي غلفته ليهتف بنبرة ساخرة 

-هذا لانك تملكين حدسا قويا حبيبتي 

سكت قليلا ليرجع الى الخلف في حدة وملامحه الساكنة تتحول الى الغضب بينما احداث الحفلة تعود اليه تدريجيا 

-اه لو تعرفين ما حدث بالحفل ؟ 

كان سؤالا حانقا مثقلا بغضب اسود اظلم قسماته وهو يتابع بحقد شوه ملامحه الوسيمة 

-الذي حدث ان السيد اياد قد تزوج 

واصل حديثه دون ان يلتفت اليها مركزا نظره على البحر محاولا ان يبثه تلك المشاعر الساخطة المتاججة داخله . رمقته بسمة بنظرات بائسة عاجزة عن مد يد المساعدة اليه لتسال بنبرة حائرة 

-انه امر طبيعي فالرجل يحتاج الى امراة الى جانبه 

كلماتها الذي حاكت الزيت المسكوب على النيران هشمت تلك القشرة الواهية من الهدوء التي كان يداري خلفها غضبه لينفجر كبركان في عز ثورانه قاذفا حممه اينما اتفق مصوبا اليها نظراته التي تجاهلتها من قبل 

-امر طبيعي ؟؟امر طبيعي ؟؟اختي يعلم الله ماذا حل بها , هل هي حية ام ميتة ؟ وهو يتابع حياته بشكل طبيعي . هل هذا ما تطلقين عليه طبيعي ؟

صمت ليزفر بتعب بعد المجهود الذي تطلبه منه افراز هذا الكم من الغضب الهائل الذي كان يختلج داخل صدره مشيحا ببصره بعيدا ثم تكلم بهدوء يناقض تماما ثورته السابقة بينما يده تتخلل شعره بانامل مرتجفة 

- كيف يطاوعه قلبه ان يرتبط باخرى غيرها وقد كانت له القلب والروح ؟انت لم تريهما معا , لقد شكلا ثنائيا رائعا لا يفترق ابدا وعنوان قصة اثيرة للعشق . كيف يهب قلبه لاخرى واختي ضائعة لانعلم عنها شيئا ؟كيف يجعل من غريبة اما لولديه بينما اختي لازالت على قيد الحياة ؟ 

كانت اسئلة كثيرة محيرة ومتخمة بالهموم لم تملك للاسف اي اجوبة عليها كي تهدئ تلك النفس الثائرة المتالمة التي تعشقها اكثر من نفسها , فحاولت ان تواسيه بشجاعة بالطريقة الوحيدة التي تعرفها وتتقنها جيدا . اخذت يديه في راحتها بعطف بينما الاخرى تمررها عليهما برقة ونعومة كانت السبب في عشقه لها 

....................................... 

جلس براحة على كرسيه وراء مكتبه الخشبي المصقول واضعا يديه خلف راسه يتامل في شرود سكرتيرته او زوجته او عشيقته ايا كان اسمها وهي تتمايل امامه بدلع بملابسها الملتصقة بجسدها وقميصها المفتوح يبرز نصف صدرها في الوقت الذي زينت وجهها بالوان صارخة . كانت كل حركاتها تحمل دعوة صريحة لما يعتمل داخل راسها حيث تركزت فكرة واحدة :اثارته . لكن الغريب في الامر انه لا يحس بادنى شعور حميمي حيال ما يحدث امامه لان كل تفكيره كان منصبا على اثارة من نوع اخر , اغراء من نوع فاخر , حركات راقية عرف يقينا هدفها بالامس .

حركات راقية تناقض هاته التمايلات المبتدلة التي اخذت تدفع بشعور من التقزز داخله . عجز عن تغيير منحى تفكيره وعقله يصر الا ان يعقد مقارنة بين الاثنتين : كانت زوجته رقيقة في تلميحاتها الجسدية , حتى في قمة جراتها تكون خجولة , تعبر عن مشاعرها بنعومة ودلع عفويين متاصلين في طبيعتها , يشعر انها كالطفلة دائما تحتاج الى حنانه . يحب ان يفتح بيديه ستارة الخجل التي تتوارى خلفها قبل ان تتحول الى نمرة شرسة متطلبة . عرف نواياها بالامس و قدماها تطا غرفة نومهما التي غادرتها لمدة طويلة , وشعر بفرحة هجرته مع هجران حبيبته تدغدغ قلبه . تظاهر بالاهتمام باوراقه التي لم يفقه شيئا منها وكل حواسه متاهبة تراقب بخفية متلهفة كل حركة تقوم بها .

تطلع كثيرا الى المصالحة معها وتوددها اليه محى المخاوف والشكوك التي طاردته منذ وجدها في تلك الليلة المشؤومة تحضر حقيبتها , وشعر بشيء من الطمانينة يتسلل اليه وهو يراها تحاول اغراءه , فان كانت عازمة على الرحيل ما كانت لتحاول التقرب منه . لم يستطع المقاومة حينما طلبت منه فتح سحاب ثوبها , استسلم لسحرها ناهلا من فتنتها لكنها سرعان ما هربت منه الى الحمام , فوجئ باتصال سكرتيرته الذي قطعه فورا وهو ينتقل الى الشرفة محاولا ان يخفف شيئا من مشاعره المتخمة والمحبطة . تسمر في مكانه متلهفا حينما سمع باب الحمام يفتح وانتظر بشغف وترقب خطوتها التالية , لم يرد ان ينجرف خلف شوقه لها فيجعلها تهرب منه من جديد فتظاهر بالحديث مع احدهم . لكن يبدو انها كانت عازمة على اشعال النار داخله وتركها تتاكله دون اي رحمة او نية في اخمادها . لم يحاول ان يتبعها وهي تتسرب من بين اصابعه كما الماء , بل ترك لها مطلق الحرية في ان تعود اليه وقتما تشاء , يكفيه انها عادت تكلمه من جديد وعادت تتانق من اجله من جديد , لن يستعجل الامور . 

حركة جانبية اخرجته من التفكير في زوجته لينقل انتباهه الى" زوجته الثانية ", رغم الورقة التي تجمع بينهما الا انه ابدا لا يستطيع اعتبارها زوجته , بالنسبة له ستبقى دائما سكرتيرته . 

سكرتيرته التي تتميز بجراة وقحة تشعره بانها من النوع المحترف , يحس في مبادراتها الكثيرة انها متعودة على امتاع الرجل وانه وطليقها لم يكونا ابدا الوحيدين من شاركاها السرير . قبولها متلهفة بعرضه الزواج العرفي منها اظهر بوضوح من اي عينة من النساء هي , شيء يثير فيه الحنق فهو دائما ابتعد عن الارتباط بهذا النوع من النساء بل انه لم تكن له اي تجربة مع اي حواء غير زوجته .

لقد وقع بحبها منذ حداثة سنه وجعلها الانثى الوحيدة التي شاركته حياته , لولا حالة الغضب التي اعترته واصرارها على تفتيح جروحه التي لم تندمل ابدا ماكان حصل ما حصل . شهد كانت ولاتزال صفحة من حياته يخجل بها , لم يغفر لنفسه ابدا خذلانه لها . اثارتها للموضوع وكلمات اللوم والعتاب التي القت بها بوجهه كانت اكبر من طاقته على التحمل , لقد تحمل لوحده وزر غلطته ولم يرد ان يشرك احدا حتى سامية بمشاعر الذنب التي يحملها على عاتقه , عله بهذه الطريقة يكفر عن الجريمة الذي اقترفها .

لقد كان اتفاقا ضمنيا بينهما ان موضوع شهد خط احمر , وان يسمع من فمها ذلك اللوم والاتهام الذي طالما وجهه لنفسه فجر البركان الذي كان يتاجج داخله عبر السنين . كان يعلم ان ما فعله مشين ويلوم ذاته عليه , لكن ان يرى المراة التي يحبها ترمقه بتلك النظرات وتشكك في مقدرته الدفاع عنها لو كانت في موقف مماثل , جعله يدرك فداحة فعلته من منظور خارجي .

ولانها عرت نفسه واظهرت بشاعتها وجعلته يواجه الوحش داخله كرهها من قلبه , صدمته تلك الصورة التي كونتها عنه وصدمته اكثر الصورة التي ارته اياها :سعيد متخاذل , لا يعتمد عليه , سعيد خائن غير جدير بثقة احبائه . مقت الصورة ومقتها ومقت نفسه , اراد ان يعاقبها , اراد ان يقتص منها , واراد اكثر ان يفرغ ذلك الغضب الاسود الذي تكتل داخله .

وكانت سكرتيرته هي الوسيلة التي تحقق له مبتغاه , اتخذها عشيقة تحت مسمى زوجة كي يعاقب سامية من جهة وكي يحميها من مشاعره المتفحمة بسواد فعلته . لكنه في طريق ااقتصاصه منها اكتشف انه ينتقم من نفسه ايضا , فهو ابدا لم يشك في حياته ان ذراعيه ستلتمان حول جسد غير جسد زوجته , لذلك كان في كل مرة يقترب فيها منها يغمض عينيه مطلقا العنان لمخيلته حالما بانه يمسك سامية بين ذراعيه .

خيالات وصور كانت كفيلة بان تبعده عن الواقع وتلغي تلك القطيعة بينهما , لكنها تبقى في الاخير مجرد خيالات لم تمنع عنه الشعور بطعم الخيانة مريرا في فمه وهو يسقط ليرتطم بعنف بارض الواقع الصلبة , كي تؤكد له ان كل ما يجمعه بسكرتيرته مجرد تفريغ لرغبات حيوانية لا تمت للعاطفة او الحب الذي يجمعه بزوجته بصلة .

اجل انه يحس بخنجر الخيانة ينغرس عميقا في قلبه , لانه ببساطة خان نفسه قبل ان يخون اخته او حتى حبيبته , خان كل المبادئ التي اعتنقها يوما كي تشكل الاطار الحامي لكل ما يقدسه في الحياة . حرر انفاسا حارة وهو يتذكر حفل الامس , فان كان يحس بعظم جرمه ويرزخ تحت عبء ما جنته يداه , فما جرى البارحة ضاعف من همومه وياسه وهو يرى اخرى تحتل مكان اخته . ان يرى اخرى تتابط ذراع اياد احتلت تقاسيمه مشاعر الحب والوله ووعيناه تلمع بذلك البريق الخاص بشقيقته جعله يشعر كان سكينا مسموما صوب الى قلبه بدون رحمة كي يثور البركان الخامد داخله من جديد وتتاجج معه مشاعر الوصب والندم والقهر 

.......................... 

-لكن اريد ان افهم ما الذي حدث ؟ تعالى صوت ضحى حانقا ومستفسرا ونظراتها تلمع بالغضب وهي تنظر الى حال هند التي يرثى لها , اجابتها هذه الاخيرة بحنق مماثل وعيناها متسعتان بغضب مشوب بالحيرة وقلة الحيلة 

-انا ايضا اريد ان اعرف ما الذي حدث ؟؟؟ 

كان صوتها عاليا وهي تمسك بشعرها بشدة تعرب فيها عن مدى تخبطها وضياعها . زفرت ضحى بضيق قبل ان تتهالك على حافة السرير مرتكزة براسها على يدها على نحو مائل وهي تتامل صديقتها , وجهها شاحب هذا اذا اعتبر وجها لانه بالنسبة اليها غدا خريطة بالالوان , لقد ملاته الكدمات وهناك جرح غائر على شفتها العليا من الجانب الايسر , تشعر بالشفقة عليها . قطعت فترة الصمت الثقيل الذي خيم بينهما بنبرة هادئة هذه المرة 

-حسنا فلتعلميني بما تعرفينه 

التفتت اليها هند الجالسة على الارض بملامح جامدة , بدا التردد في نظراتها الا انها حزمت امرها اخيرا وبدات بالكلام بصوت مهزوز 

-صعدت الى غرفتي كي ارتاح قليلا بعدما احسست بارهاق شديد ودوخة جعلتني عاجزة عن الوقوف طويلا

سكتت قليلا مشيرة بيديها بحركات عشوائية في الهواء فيما عيناها شاردتان في المشاهد التي تتكرر امام ناظريها محاولة ان تربط الخيوط ببعضها 

-ما حدث بعد ذلك لا اذكره , هناك صور ضبابية تتراءى لي لكن عقلي مشوش لا استطيع التركيز فيما جرى , كل ما اعرفه انني استيقظت ووجدت نفسي في السرير ارتدي قميص نوم فاضح ورجل غريب ينام بجانبي 

شحب وجه ضحى التي اتسعت حدقتاها وفتحت فاها فيما رفعت يدها وحطتها على خدها وقلبها ينقبض من المصيبة التي سمعتها للتو فهي البارحة غادرت الحفل مبكرا . ظلتا جامدتين في مكانهما , لا يسمع في الغرفة الا دقات الساعة الحائطية العتيقة . تاملت ضحى هند واحساس بالهلع بدا يتسرب اليها رويدا رويدا , نفضت عنها حالة الذهول واستقامت في جلستها وكل جسدها قد تاهب لسماع البقية 

-ثم ماذا حدث بعد ذلك ؟ 

هبت هند واقفة منتفضة رغم الام جسمها المبرحة والتي جعلتها تئن كل الليل 

-ما حدث بعد ذلك ان اياد دخل ليجدنا معا ثم انهال علي ضربا 

وما لبثت ان انهارت الى جانب صديقتها في موجة من البكاء وهي تغطي وجهها خلف يديها , ارتفعت منها شهقات تقطع نياط القلب , استمرت على حالها للحظات قبل ات تهتف من وسط دموعها 

-اه يا ضحى لو رايته , كان كالوحش الهائج يوجه لي اللكمات والضربات والركلات , لم يسلم انش واحد من جسدي من عنفه . كان قاسيا لم يمنحني فرصة الدفاع عن نفسي , صدق ما راه ولم يصدقني انا , بعد كل هاته السنوات التي عرفني فيها لم يتخيل انني بريئة , لقد سمح لحادث مماثل ان يضيع ثقة السنين التي جمعت بيننا . لم يشفع لي بكائي عنده او توسلاتي , كان واثقا من ادانتي 

وصمتت لتدخل في نوبة جديدة من الصراخ والعويل وهي لازالت تخفي وجهها خلف يديها كانها بهذه الطريقة ستمنع سيل الذكريات الاليمة من التدفق امام ناظريها . تطلعت اليها ضحى بشرود عاضة على شفتيها وعقلها يحلل ما سمعته للتو , لم تاتي بادنى حركة لمواساة صديقتها , بعد برهة صمت بينهما تكلمت اخيرا وذهنها يعتمل بالتفكير 

-لكن من اين اتى الرجل ؟ من هو ؟ هل تعرفينه؟ 

وكانها شغلت زر البكاء من جديد لتبدا هند في النواح مرة اخرى , شيء دفع ضحى الى نهرها بصوت حاد جعلته اقوى من الشهقات المتعالية 

-كفى نحيبا , توشكين ان تصيبيني بالصمم 

لم تلتفت لها هند واستمرت في البكاء , هذا التجاهل بخر قناع الهدوء الذي ارتدته لتخرج عن طورها وتصرخ بصوت هادر 

-قلت لك اصمتي , دعينا نفكر 

لكنها كانت كمن يحادث جدارا فهند المجروحة واليائسة والحانقة لم تعرها اهتماما وظلت على حالها فما كان منها الا ان تقدمت ونزعت بقوة يديها عن وجهها المنتفخ المبلل بالدموع ورفعت يدها عاليا لتهوي بها على خد صديقتها . جدار من الصمت ساد الغرفة حيث توقفت هند اخيرا عن النواح وعيناها جاحظتان من الصدمة وقد فتحت فمها بذهول , كان الامر ليكون مضحكا في موقف اخر , فكرت ضحى لكن مزاجها كان ابعد ما يكون عن المزاح . تحركت سريعا وهي تهزها بعنف وتصرخ بوجهها بنبرة قاسية 

-ازيحي عنك قناع البلادة هذا وركزي معي , هل تعرفين الرجل ؟ 

الصدمة من الصفعة البستها قناعا من الهدوء الغريب الذي جعلها طيعة في يد ضحى , فهزت راسها بخنوع نافية معرفتها بالرجل . اعتدلت ضحى في وقفتها وقد بانت علامات التفكير العميق على قسماتها بينما زمت شفتيها في امتعاض ويدها تفرك جبينها بتوتر , ثواني ثم سالت بريبة مشوبة بالقسوة 

-هل انت متاكدة ؟هند تعلمين انه يمكنك اخباري بكل شيء , انت لا تلعبين من خلف ظهري ؟ 

تاملتها الاخرى بنفس الهدوء الذي سيطر على كل حركاتها لتنفي بحركة ضعيفة من راسها , زفرت ضحى بضيق وهي ترتمي بجانبها ويداها متشابكتان في توتر 

-لكن ان كنت لاتعرفينه , فمن اين جاء ؟ من وضعه في سريرك ؟ 

حدقت بالمراة امامها بدون تركيز وذهنها شارد يبحث عمن تراه ارتكب هذه الحماقة لتلمع عيناها فجاة وتقفز من مكانها مواجهة بنظراتها هند التي تاملتها بحيرة 

-نور انها نور , هي من تريد ابعادك عن اياد 

ظهر الوجوم على ملامح هند التي تركت عنها قناع الهدوء وعقلها يفكر بما تفوهت به صديقتها لتتنهد بياس وتقول بتعب 

-لا لا اعتقد , لقد تزوجته , فما الداعي لان تريد ابعادي ؟

صاحت ضحى بحماس محاولة اقناعها بفكرتها وهي تحرك يديها 

-لكن فكري معي , انها تريده لها وحدها ولا تريد اي عقبة تعترض طريقها

ابتسمت هند بسخرية زامة شفتيها بامتعاض وهي تعبر الغرفة لتقف امام نافذة غرفتها , تطلعت الى المسبح الكبير الذي تطل عليه غرفتها دون ان ترى منه شيئا وصمت بصلابة الاسمنت خيم على الغرفة قبل ان تقرر قطعه 

-لا تكذبي على نفسك , نحن نعلم انها قد حصلت عليه واصبح لها وحدها . انه يعشقها بل يعبدها . كنت اعتقد انه بغياب شهد سيصبح لي الطريق ممهدا الى قلبه , لكنني كنت واهمة , يمكنه ان يعشق اي امراة اخرى الا انا , دائما سيحمل لي نظرة الاخت الصغرى . كنت دائما اعتقد ان لي مكانة مميزة في قلبه , ووحده وجود شهد من يشوش عليه مشاعره , فكرت انه بمجرد ان تغيب عنه , وبذلك الكم من الحقد الذي زرعته داخله تجاهها , ستنجلي الغشاوة عن عينيه سينتبه لي اخيرا ويدرك انه يحبني انا . لكن هذا لم يحصل وهاهو ياتينا بشهد ثانية , اذهبت عقله وسلبت لبه . منظره البارحة وهو يضربني دون رحمة او شفقة صحاني من اوهامي 

ساد صمت شائك ارجاء الغرفة وكل منهما تائهة فيما قيل حتى قامت ضحى بالكلام 

-حسن لنفترض انك محقة , يبقى السؤال :من ادخل الرجل الى غرفتك ؟من يريد بك شرا ؟ 

ثم سكتت للحظة كي تضيف بعدها بنبرة استفزازية 

-والاهم من ذلك , هل ستتنازلين لها عنه ؟ هل ستتركينها تفوز به بعد ان قمنا بكل ذلك المجهود لنتخلص من شهد ؟ 

النبرة الاستفزازية اتت مفعولها سريعا اذ استدارت اليها هند بحدة بملامح شوهها الحقد والكره اكثر مما شوهها به الضرب والعنف ملوحة بيديها عاليا وهي تقول بعزم وتصميم 

-الجواب قطعا لا , قد يكون عشقها وعجز عن مبادلتي الحب , لكنني لم افعل ما فعلته لكي اقدمه لاخرى على طبق من ذهب . ان لم يكن لي فلن يكون لغيري 

نطقت بعبارتها الاخيرة بنبرة واثقة وعيناها تقدحان شررا بينما خيالاتها تسافر بعيدا الى سناريوهات ملوثة بمشاعر البغض والقسوة , تاملت ضحى المشهد امامها بعين راضية وشفتاها مالت بابتسامة خبيثة فيما عيناها لمعت ببريق النصر , ولسان حالها يقول : هذه هي الروح المطلوبة .

............................ 

تظاهرت بتحريك السكر داخل فنجانها الثاني بينما تختلس النظر الى صديقتها وفكرها يحلل ما سمعته , وضعت الملعقة من يدها بهدوء وتان ثم رفعت بصرها تحدق مباشرة لعينيها وهي تتحدث بثقة 

-من خلال ما سمعته فالخطة تتقدم بشكل رائع 

وضعت سامية فنجانها بحدة اهتز لها سطح الطاولة المستطيلة الشكل التي توسطت صالة المعيشة في منزلها لتقول بصوت مستنكر وهي تكز على اسنانها فيما اتسعت عيناها 

-عن اي تقدم تحدثينني ؟؟ قلت لك انه كان يحدثها بوجودي 

لم تهتز شعرة من نور وهي تنصت اليها باهتمام والهدوء غلف ملامحها الناعمة 

-حبيبتي , انا لم اقل ابدا انك ستنجحين من اول خطوة , لابد لك من الصبر اذا اردت ان تحققي انتقامك وتستعيدي زوجك صاغرا راكعا امامك 

هبت سامية واقفة وقد استفزها هدوء نور الذي يناقض تماما النار المستعرة داخلها لتصرخ بغضب وجميع حواسها مشحودة من اجل خوض معركة حامية الوطيس 

-انت لا تستطيعين ان تحسي بما اشعر , هنا في قلبي .. اشارت باصبعها الى صدرها بحدة لتكمل بعدهابقلب يغلي ..توجد نار متاججة , نار تحرقني . اعلم انه يخونني اعلم انه اصبح مع اخرى , واعلم انه علي التماسك من اجل تحقيق هدفي , لكنني لا استطيع . مجرد ان اتخيله معها يقتلني فما بالك ان يحدثها امامي ؟؟ادرك انه لم يعد اهلا لحبي , لكن قلبي الاحمق يحبه ويغار عليه بجنون 

سكتت وهي تزفر بسرعة بينما صدرها يعلو وينزل كما لو انها كانت تركض لمسافة طويلة وعيناها تلمعان بدموع متحجرة ابت ان تسمح لها بالنزول فيما وجهها تشرب بحمرة زادت من جمالها . تاملتها نور لبرهة وهي تفكر اي احمق هذا الذي يخون زوجة مثلها ؟؟ حتى في قمة حزنها المشوب بالغضب , لم تفقد ملامحها ذرة من هالة الحسن و الجمال التي تشع منها . تنهدت بضيق ثم قامت تحيطها بذراعيها بحنان لتساعدها على الجلوس قربها , انتظرت لحظة تاركة لها المجال كي تتمالك نفسها ثم بدات كلامها بنبرة هادئة لا تعكس ابدا الحزن الذي تحسه تجاه صديقتها 

-انت محقة انا لا يمكنني ان احس بحجم معاناتك , فانا ابدا لم يخني زوجي مع امراة اخرى . لكن حبيبتي هناك عدة اشكال للخيانة وصدقيني كلها لها نكهة واحدة , مهما اختلفت مظاهرها الا انها تشترك في امر واحد 

سكتت قليلا وقد تهدج صوتها فعبرت الغرفة لتقف الى جانب الشرفة الكبيرة مولية ظهرها لصديقتها , صديقتها التي تغليها في حاجة ماسة لها . ترددت وتاهت في مشاعر متناقضة , هل تفعل ام لا ؟

انها مجازفة منها ان تكشف اوراقها مبكرا , تخشى ان تفشل مخططاتها ان هي فعلت . لكن في المقابل , هناك سامية التي امنت بها دائما و كانت مرتع اسرارها وشريكتها في كل خطوة من خطوات حياتها الانفة . اصبحت نظراتها جامدة غير واضحة ..تائهة , انعقد لسانها وعجزت عن الكلام . تخبطت المشاعر داخلها واحتدم الصراع بين عقلها المتيقظ وقلبها الرقيق , واضاعت نفسها السبيل الى من عساها تركن ؟الى قلب مفعم بمشاعر الصداقة والحب والحنان التي احتفظت بها في مكان منزو لم تستطع كل هذه السنوات من الوجع والحقد ان تسممها ؟؟ام الى عقل سديد سجل تاريخ عذاباتها بكل دقة دون ان يغفل عن اي تفصيل صغير ليذكرها به في اوقات ضعف مماثلة ؟؟


🏵🏵🏵🏵🏵🏵


  »»»»»»»الفصل التالي«««««««


    »»»»»»»الفصل السابق«««««««


    »»»»»»»العودة للألبوم««««««









تعليقات