الفصل 12 من رواية أسألك الرحيلا بقلم الكاتبة sweettara

 الفصل 12 ❤

من دفئ عينيك عرفت انك من ارضعني الحنان

عرفتك امي يامن عدت الي من الممات

لم تموتي يازهرتي كما اوهمونا لسنين

لم تركتنا؟

سؤالك ياولدي قد طعن الفؤاد 

فبادر الابن بتقبيل اليدين والعيون 

سنين طوال ياولدي نفيت على شاطئ الحرمان

بلا ذنب او جريرة او خصام

ادار ظهورهم لي الاحباب والخلان

قتلت وانا في الحياة سلبت مني الروح وبأمتهان

اتلومني ان عدت لانتقم ؟

اتلومني والغدر والظلم علي حكم؟

وتقول لي ان ابوك قد ندم 

ماذا يفيدني والعمر لن يعود

وجروح روحي لن يداويها دواء

اقسمت برب العزة وبدموع ليالي الالم 

اقسمت بليالي النفي

ساحاسبهم على الدمعة والالم والغدر

ساحاسسبهم دون اسمع لهم عذرا او همسا"

لن تعود ياولدي امرأة اسمها شهد

سيعود بركان اللهب بشهاب نور متصل

وسيحرق كل من ظلم وغدر

**************************

نظرة عينك لي بحنان 

حملتني الفرار ارهبتني 

ايعود من دفن وسكن الجنان

ايعود القلب الذي حملنا بالحنان

أهذيان اعيش ام توق للدفء

لا يا أبني لقد عدت لأبقي

لأعيد ايام وليال مضت

لأعلي صوت الحق بالميزان

سأنتقم لي ولكم ولفراقنا

من انا انني من اتهم بالخيانة

وصارت الوضاعة لصيقة بأسمي 

سأعيد امورنا لنصابها الأولي

اعلم من عادت هى شعاع من نور

تجيد فنون المراوغة والتلاعب بالمشاعر

تاهت مني تلك الشهد وضاعت في الطرق

طرق تفرعت وبالظلم توغلت واظلمت

حتى ماتت تلك البريئة ..التى بالخطيئة وصمت 

لقد عدت شعاع من نور ساحر باهر 

قادر على الحريق واقامة الثورات 

لن اعود ظل باهت لرجل صدق كل الكذب والأفتراءت 

سأعود من نيران العشق الملتهب 

لأكون كل النساء في قلبه الأثيرات

سيجثو امامي طالبا للمغفرات

هل استطيع ان امنحه كل التسامحات

يا ابني عدت لأجلكم بالطيبات ابني

قلاع الحب الحصينات 


الفصل الثاني عشر 

__________________

انتشر الصمت في الاجواء للحظات قصيرة فقط , تفاوتت فيها ردود افعال المتواجدين وهم يحدقون مذهولين من المفاجاة في اياد والمراة التي اعلنها لتوه زوجة له قبل ان يهتز المكان بصرخات الفرحة وكلمات التهنئة . لم تهتم نور لهؤلاء الذين احاطوا بها رفقة زوجها , كانت الوجوه تاتي وتغيب وكلمات التهنئة تتكرر على الالسن وهي تكتفي برسم ابتسامة واسعة على ثغرها في الوقت الذي كان تركيزها منصبا على عائلة زوجها الذين تبادلوا النظرات فيما بينهم تراقب ردات فعلهم . رات بام عينها الحاجة هناء تطاطا راسها بهم والحزن العميق يسكن قسماتها , ومن مكانها شاهدت الحاج يونس يشيح بنظراته بعيدا عنهما وهو يزفر بضيق , اما سعيد فقد رسم قناعا من الجمود على ملامحه وهو يتكئ على نافذة قريبة منه داسا يديه في جيبه . لم تغفل عيناها ايضا انكماش نسرين التي تشبثت بذراع خطيبها وعلامات التجهم غضنت اساريرها المشرقة دائما , ولم يفتها مغادرة ياسر السريعة للمكان وكان خبر زواجها باياد كان كالغول المخيف الذي دفعه للهرب بعيدا . تنبهت ايضا لضحى وهند اللتان استقرتا في زاوية بعيدة وعلامات الكره والحقد تنبعث منهما كموسيقى صاخبة عكرت اجواء المكان . ابتسامة تفكه تسللت الى شفتيها من منظرهما الذي ادخل السرور الى قلبها وغطى شيئا من مرارتها من باقي الاسرة .

لاحت منها التفاتة لزوجها ليصدمها مزيج السعادة الذي لون قسماته , انه سعيد بل اكثر من ذلك انه فخور بها , لقد كان واقفا الى جانبها يمسك بها بذراع بينما تكفلت يده الاخرى بالسلام على المدعوين الذين سارعوا لتقديم التهنئة . تاملت كبرياءه الرزين وشموخه البادي للعيان , تحجرت عيناها بدموع حزينة في الوقت الذي حافظت فيه شفتاها على تلك الابتسامة الديبلوماسية التي لم تصل ابدا الى عينيها . لقد عادت بها الذكرى الى يوم اخر وحفل اخر , يوم كان شعاره الفرحة الحقيقية النابعة من اعماق القلب , حيث تبخترت بزهو وهي تتعلق بذراع زوجها الذي ظنته سيبقى حبيبها الى الابد . كانت غارقة في بحر الذكرى فلم تنتبه لزوجها الجديد الذي كان يحدثها , وللذراعان اللتان احاطتا بها تضمانها بالحاح فجاة بينما صاحبتهما تمنحها قبلة حارة صادقة قبل ان تفلتها وتهتف بصوت تشوبه الفرحة والسعادة الحقيقية 

-الف مبروك حبيبتي , الف مبروك لو كنت اعرف لكنت زغردت لك 

صرحت منى وعيناها تغشاهما غلالة من الدموع في الوقت الذي زينت ثغرها ابتسامة نابعة من القلب ويداها تضغطان على يدي صديقتها , تاملت نور تاثرها ورغما عنها اضاءت محياها ابتسامة واسعة وهي تشهد المشاعر الصادقة لمنى فقالت بصوت ناعم يغمره الامتنان 

-شكرا لك حبيبتي , الله يبارك فيك , وفرحتك هاته بالف من الزغرودات 

اتمت جملتها وهي تحضن بدورها منى , ظلتا متعانقتين لبرهة من الزمن عناقا عكس عمق الصداقة والمشاعر الطيبة التي تجمعهما قبل ان يفاجاهما صوت رافت الساخر من ورائهما موجها ملاحظته لاياد 

-بما انك قد اصبحت فردا من العائلة فحري بك ان تعلم ان هاتان الاثنتان 

قال جملته وهو يشير اليهما بسبابته وعيناه تلمعان بمكر 

-.. تتعانقان كثيرا , فلتحضر نفسك 

اشعت اسارير اياد بابتسامة مراوغة وهو يجر زوجته من بين احضان صديقتها ليضمها اليه بتسلط ويقول بنبرة واثقة

-هذا يا صديقي كان في الماضي , اما الان فزوجتي لن تعانق غيري 

تبادلت الصديقتان الابتسام من تصريح اياد المتملك وهما لازالتا تحت تاثير الدموع المتحجرة في مقلتيهما دون ان تنبس احداهما ببنت شفة 

كان اياد على وشك ان يتابع كلامه حينما استوقفه صوت من ورائه يقول بلؤم 

-الن تعرفنا بعروسك ؟ 

التفت اياد بسرعة وابتسامة صادقة تغمر قسماته وهو يهتف مرحبا بحفاوة 

-اهلا سعيد لقد تاخرت , سبق لك وتعرفت على نور من قبل 

-قطب الرجل جبينه زاما بشفتيه بامتعاض 

-انها الاعمال يا صديقي وانت خير العارفين 

ابتسامة متهكمة لوت شفتي نور التي كانت تستجمع شتات نفسها وهي تفكر بمدى براعته في الكذب وتقمص الاقنعة , استطرد سعيد وهو يوليها اهتمامه هذه المرة قائلا بصوت رخيم يلونه بعض الجفاف 

--نعم لقد سبق لنا ان تعارفنا من قبل لكن على اساس انها فنانة وليست زوجة لك , اهلا بك في عائلتنا 

ثم مد يده لها , راقبت نور اليد الممدودة وعيناها على القناع الجامد الذي اخفى خلفه حقيقة مشاعره بينما كل المعلومات التي عرفتها عنه تتبادر الى ذهنها , كيف للانسان ان يكون بهذا اللؤم ؟ كيف يستطيع ان يواصل حياته وهو يخون اقرب الناس اليه ؟ ولماذا الخيانة تكون مواراة ؟ اليست هي مرض ؟ اذن لم لا تظهر اعراضها على صاحبها كتقرح جلدي او ...

اخرجها من افكارها تلك لكزة في جنبها تلقتها من زوجها الذي حدجها بنظرة حادة لتكتشف ان يد الرجل لازالت معلقة في الهواء . كان من المستحيل ان تضع يدها في يده وهي على دراية بافعاله المشينة , لا يمكن ان تصافح الرجل الذي يخون صديقتها , اعملت عقلها سريعا لتقول بنبرة متاسفة بينما تخفي يدها خلف ظهرها كانه سيجبرها على مصافحته قصرا 

-اعذرني انا لا اصافح 

لم يكن سعيد الوحيد الذي تفاجا من تصريحها اذ ان اياد الذي التفت اليها سريعا هو الاخر بعينيه متسعتين ذهولا بما يسمع قبل ان يتدارك الموقف بسرعة بديهته وهو يسعل محاولا مداراة حرجه ليقول بنبرة تصنع فيها المرح 

-لقد نسيت ان اخبرك ان زوجتي لها مبدا لا تحيد عنه , انها لا تصافح الرجال 

تصنع سعيد هو الاخر مرحا لا يشعر به بابتسامة واهية رسمها على فمه مداريا بها حرجه ليومئ براسه وقد شعر بحرج صديقه هو الاخر , كي يفكر باستغراب شديد كيف ان لفنانة الا تصافح ؟ 

اعتذر اياد منه على مضض وسحب نور بعنف لم يشعر به غيرها ليهتف بحنق من بين اسنانه محاولا الا يثير الانتباه اليهما وهو يجرها بعيدا خوفا ان يسمعه صديقه 

-ما هذا الذي حدث للتو ؟ 

كانت نور تعلم انها وضعت نفسها في مازق حرج لكن ردة فعل زوجها كانت اخر همها , لقد حققت ما ارادت ولا يهمها ما ستواجهه في سبيل ذلك الا انها لن تنكر ان جره لها مؤلم وبالرغم من ذلك حافظت على قناع السعادة الذي ترتديه الليلة فهي لا تريد ان تترك انطباعا سيئا في اول اطلالة لها على مجتمعه . تحدثت ببراءة مفتعلة :

-حبيبي ماذا تعني ؟ الم اخبرك ؟ لقد قررت ان امتنع عن مصافحة الرجال 

كان على وشك ان ينهرها بقسوة حينما وقعت عيناه على حماه السابق لتتحول ملامحه الجامدة الى الهدوء والاحترام كي يدفعها برفق اتجاه مكانه وهو يضغط على ذراعها محذرا

-ها هو حماي العزيز 

التقطت نور الرسالة فورا لتزيد من اتساع ابتسامتها قبل ان يبادرها اياد بهمسه المتوعد في اذنها 

-اقسم لك نور لو اعدت ما فعلته مع سعيد لن اكون مسؤولا عن تصرفاتي 

نبرته الجافة القاسية والعنيفة هذه المرة نقلت لها رعشة سرت في اوصالها وهي تعي انه يهتم كثيرا لحماه الذي استدارت كي ترحب به لتتسع عيناها ذهولا وبصرها يحط على رجل تهدلت كتفاه وحفر الزمن اثاره بقسوة على ملامحه يحتل بعجز كرسيا بعجلات . وقفت هناك وكانها تحولت حجرا امتقع محياها وظنت انها ستغيب عن الوعي لولا ذراع اياد التي كانت تمسكها بقوة , المنظر غير المالوف امامها صدمها , لم تكن هذه الصورة التي تحتفظ له بها في ذاكرتها , لقد كان في عقلها رجلا خمسينيا وسيما لازال يحتفظ بلياقته الجسدية رجل تنبعث منه السلطة والقسوة اما الرجل امامها فلا يكاد يكون شبح رجل اثقل الهم ظهره وغضنت التجاعيد ملامحه . 

مد الحاج يده مصافحا وابتسامة باهتة تكلل ملامحه ليقول بصوت رخيم لم يغادره وقاره 

-اهلا بك في عائلتنا يا ابنتي , لقد كانت مفاجاة لنا , نحن سعداء من اجلكما 

تطلعت نور ليده المرتعشة الممدودة للحظات قصيرة وعقلها لازال عاجزا عن استيعاب المظهر الهش للحاج يونس قبل ان تخرجها نغزة في جنبها من ذهولها فتتقدم بغير ثبات لمصافحته وهي تحاول الابتسام في صعوبة 

ارتعشت و القبضة الضعيفة تحيط بيدها كي تحس بغصة اليمة في حلقها دفعتها لتسحب بعجلة راحتها بعيدا وتتمتم بكلمات شكر غير مفهومة دون ان تجرا على مبادلته نظراته , رات ظلا يقترب منها ويدان رقيقتان تحيطان بها قبل ان ياتيها صوت الحاجة الذي تحدث بلباقة لا تخلو من بعض البرود 

-مبروك يا ابنتي 

ثم قبلتها على وجنتيها سريعا لتردف بعدها بصوت مهتز 

-اعلم ان الوقت ليس مناسبا لكنني .. 

سكتت برهة تتطلع لاياد وقد بان الحرج على ملامحها الواجمة التي تغضنت بالتعب قبل ان تتسلح بالشجاعة وتقول بصوت راج 

- ..اريد ان اطلب منك معروفا 

الصوت المهزوز الذي تجلت فيه قلة الحيلة نبه احاسيس نور كلها لتتيقظ وبعض مشاعر الخوف بدات تتسلل اليها , ما الذي يجعل امراة قوية كالحاجة تظهر بهذا الضعف وهذا الانحناء ؟وماذا عساها تقدمه لها كمعروف ؟غالبت افكارها الفضولية والمتخوفة وطرحتها بعيدا لتقول بنبرة صادقة 

-تفضلي سيدتي كيف يمكنني ان اخدمك ؟ 

ارتسمت ابتسامة حانية على شفتي اياد واحساس بالامتنان يولد داخله لزوجته قلل من استيائه نحوها , ارتعشت شفتا الحاجة بينما تشبك يديها بارتباك وتشتت بصرها فيما حولها 

-انت تعلمين انني جدة الولدين ؟ 

اومات لها نور بايجاب وهي تحثها على المتابعة بنظراتها المشجعة 

-لقد حرما من حنان والدتهما 

سكتت السيدة هناء وهي تشعر بالتوتر الذي شحن الاجواء اثر تعليقها , فهمت نور اخيرا سبب ارتباك السيدة العجوز وهي تلمح بعينيها تغير ملامح زوجها الذي غادره الفرح وتغضنت قسماته بالهم بينما امتقع وجه الحاج يونس الذي اسدل اهدابه مخفيا خلفها مشاعره الحزينة . واصلت الحاجة كلامها بشجاعة رغم الجو المشحون لتقول هذه المرة بتصميم وقد استقامت بعنفوان طاردة علامات البؤس التي اثقلت هامتها بينما عيناها تلمعان بتحد صامت لزوجها وصهرها السابق 

-لذا ارجو منك ان تترفقي بهما , عامليهما بحنو , انهما يحتاجان الى قلب محب يعطف عليهما 

رفعت نور راسها وقد غادرها كل احساس بالشفقة والعطف والجمود يكتسي سحنتها لتقول بنبرة محايدة بينما ترمق السيدة الاخرى بجفاء 

-اطمئني سيدتي , ساعتني بهما , اضافة انك دائما موجودة لاحتضانهما فلا تشغلي بالك 

لم تستسغ الحاجة هناء النبرة المتعالية التي خاطبتها بها نور لكنها كتمت غيضها وهي ترسم ابتسامة باهتة على شفتيها المزمومتين بتشنج 

-شكرا لك يا ابنتي 

سكتت للحظات تتامل الصغيران اللذان كانا برفقة نسرين بكمد غلف نظراتها قبل ان تتحدث باقتضاب وهي تضع يدها على كتف زوجها 

-كنا نتمنى ان نكمل السهرة معكما لكن كما تعلمان الحاج مريض ويحتاج الى الراحة لذلك اعذرانا 

كانت تتكلم موجهة الحديث الى اياد متجاهلة تماما حضور نور ابتسمت باسف قبل ان تشير لابنها سعيد , تظاهر اياد بالهدوء محاولا السيطرة على اعصابه التي كانت على وشك الانفجار ليقول بنبرة حنونة وهو يشد على يد الحاجة 

-لقد اسعدتماني الليلة بحضوركما , شكرا على كل شيء 

ابتسمت له حماته السابقة بتوتر وهي تخفض بصرها هاربة من نظراته اللحوحة بينما علامات التكدر تجلت بوضوح على قسماتها . اطلق اياد صراح يدها لينحني مقبلا يد الحاج الذي حاول سحب يده لكن اياد اصر على الاحتفاظ بها ليرفع راسه بعد برهة وهو يقول بصوت معتذر 

-انا اسف 

ابتسم الحاج يونس ابتسامة مقتضبة وهو يربت على يده متعاطفا قبل ان يهمس بصوت اثقله الحزن والندم 

-انه ليس خطاك يا بني فلا تعتذر 

كان الموقف مشحونا بمشاعر القلق والتوتر والاحراج فرحب الاربعة بصوت سعيد الذي اتى من ورائهم مرحا 

-انا جاهز سيدة هناء 

لم تفت سعيد الحالة المزرية لوالديه اللذان شكلا لوحة مثالية للحزن العميق , هو لا يحسدهما على الموقف الذي وجدا نفسيهما فيه , هو نفسه واجه صعوبة في التعامل مع هكذا وضع , ان يحضروا لحفل اعلان زواج صهرهم من اخرى حدث اثقل من قدرتهم على التحمل . احكم جيدا السيطرة على مشاعره المتاججة وهو يحاول تلطيف الجو 

سيارتي في خدمتك


رسمت والدته ابتسامة هزيلة على ثغرها وهي تقول بجمود بينما عيناها حافظتا على شجنهما 

-واذن ماذا تنتظر ؟ 

كان الثلاثة على وشك الانسحاب حينما تحركت نور فجاة من جانب اياد لتهتف برجاء 

-مهلا 

استدارت الحاجة بينما التفت سعيد في نفس اللحظة التي ادار فيها كرسي والده , تطلعوا اليها بنظرات استفهام صامتة دون ان يكلف احدهم نفسه عناء الكلام , ارتبكت نور وحدجت زوجها بنظرات قلقة بينما شبكت يديها في توتر لتقرر اخيرا الكلام وقد استعادت شيئا من شجاعتها 

-صراحة انا ليس لي اهل وقلتم انكم تعتبرونني مثل ابنتكم فهل يترك الاهل ابنتهم في مثل هذا اليوم ؟ 

اسدل الحاج يونس رموشه ليحجب افكاره عن الاخرين بينما وقف سعيد شامخا دون ان يبدو عليه انه تاثر مثقال ذرة بما سمعه اما الحاجة هناء , الام الحنون فقد اغرورقت عيناها وتغضنت ملامحها وسرعان ما غفرت لها برودها معها فقطعت المسافة الفاصلة بينهما واخذت نور في حضنها وهي تقول بنبرة حنون :

-اه يا ابنتي ؟؟طبعا نحن عائلتك ويمكنك الاعتماد علينا متى اردت ذلك 

ظلت نور جامدة بين ذراعيها وهي تفكر في جملتها الاخيرة "يمكنك دائما الاعتماد علينا "هل حقا في هذا الزمن يمكن ان نعتمد على احد ؟قطعا لا وهذا اول درس قاس جرعته اياها الحياة وهي ابدا لن تعيد غلطتها مرتين . تسللت بهدوء من الحضن الدافئ الذي غمرتها به هناء لترسم بسمة متكلفة على ثغرها وهي تقول بامتنان 

-اذن انتم ستبقون ؟ 

لم تحاول حتى النظر الى الرجلين فالاول بدا واهنا والثاني غير مكترث لمطلبها فركزت كل طاقتها على المراة المسنة التي يبدو ان المشاعر هي المفتاح للنيل منها . هذه الاخيرة لم تتاخر في الاستجابة لعينيها المستعطفتين ولا ليدها الناعمة التي امسكت بها برقة لتقول بتصميم كما لو انها تبعث برسالة تحذيرية لرجليها 

-طبعا سنبقى حبيبتي 

كافاتها نور بابتسامة مشعة وقبلة خاطفة على وجنتها ثم التفتت سعيدة 

الى زوجها كي تجده مقطب الجبين يحدق فيها بريبة , تغاضت عن الامر وهي تتابط ذراعه بابتسامة زاد من اتساعها تضييقه لعينيه اللتين سكنتهما الحيرة من تصرفاتها , قادته مبتعدة عن الثلاثة بعدما تاكدت انهم لن يغادروا الحفل مبكرا عازمة على الاهتمام بباقي المدعوين .

في هذا الوقت بالذات تقدمت منهم سامية مصحوبة بنسرين وخطيبها . صاحت سامية بعاطفة حقيقية صادقة احتاجتها نور في حالها هذه من الاعصاب المشدودة والمتوترة 

-مبرووووووووووووووك الف الف مبروك 

ثم لوت بذراعيها بحب على نور محتضنة اياها تقبلها على خدها , بادلتها الاخرى العناق بثاني ابتسامة حقيقية منذ نزلت الدرج لتقول بامتنان صادق 

-شكرا حبيبتي شكرا 

ضغطت عليها سامية في حركة تازرية وهي تحاول ان تخفف شيئا من اضطرابها الذي لاحظته وهي تراقب اجتماعها بحمويها من بعيد , ارادت من كل قلبها ان تمدها بالطاقة اذ بدت لها نور قد استنزفت مليا بهذا اللقاء 

-شكرا لك سامية 

نطق اياد الكلمات باقتضاب فهو يعلم مشاعر الضغينة التي تحملها في قلبها له , هي ابدا لم تسامحه عما جرى بينه وبين اعز صديقاتها . سامية التي لم تكن تبالي باخفاء مشاعرها لم تلق بالا لكلماته الشاكرة بل اكتفت بالصمت متجاهلة اياه نهائيا .

اصبح الجو مشحونا من جديد ليقرر كريم تقديم التهاني للعريسين بعدما طال انتظاره لان تقوم خطيبته بالمبادرة , يعلم ان الامر مضن لها وهي التي كانت تعشق شقيقتها بجنون لكن الاصول اصول , ويجب على الانسان ان يتجاوز محنه بروية ويتقدم بخطوات ثابتة في الحياة , يقال : الحي ابقى من الميت واياد لن يظل ارملا طيلة حياته . انه رجل والرجل يحتاج الى رفيقة تؤنسه في وحدته انها سنة الحياة , رغم انه يشعر ان هناك ظلالا تغلف قصة شهد , اذ منذ ارتباطه بنسرين , يلاحظ ان الكل يتحاشى التحدث عنها , كانها ذكرى غير محببة او كانها بكل بساطة لم تكن بينهم في يوم من الايام . 

ضيف اخر تقدم من العروسين , علي زوج ضحى , تمعنت نور في ملامحه الهادئة وهو يقترب منهم برصانة , لقد كان رجلا اربعينيا خطت بعض الشعيرات البيضاء فوديه لتمنحه هالة من الوقار والرزانة , رجل بملامح عادية لكنها كانت تتفجر رجولة طاغية لتجعل صاحبها ذي حضور مميز .

اقترب منهما بصحبة ولديه:سلمى التي تعلقت بذراع والدها بحب وهي تختال في فستان قصير ازرق لاءم بشرتها البيضاء وشعرها الاسود الحالك , وسفيان الذي بان عليه الضجر وهو يمسك بهاتفه يحاول ان يسلي نفسه عل السهرة تنتهي بسرعة خاصة وان ابني خاله لم يحضرا 

قال اياد بنبرة مرحبة وملامحه ابانت عن احترامه الشديد للرجل القادم 

-اهلا علي , حللت اهلا ونزلت سهلا 

اجاب الرجل الاخر بصوت ممازح 

-افرح سيدي من مثلك وانت عريس 

ثم غمزه بلؤم , ضحك الجميع ليهمس اياد بصوت خافت 

-اذا غرت مني افعل مثلي 

التفت علي حوله متظاهرا بالخوف وهو يقول 

اصمت يا رجل , هل تريد ان انام الليل خارج البيت 

قهقه الجميع من كلامه ليواصل اياد مزاحه وهو في نفسه يعني كل كلمة يتفوه بها 

-لو اتبعت نصيحتي فانت لن تنام خارج البيت الفرق هو انك ستنام في بيت اخر 

ثم اخذ يلاعب حاجبيه في حركة تفكهية جلبت البسمة للجميع ماعدا علي الذي تغضنت ملامحه كي يقول في نبرة جامدة 

-ياسيدي , لقد جربت الزواج مرة ولن اكرر التجربة , واحدة كافية

قالها بهم وهو يلتفت الى حيث جلست زوجته تثرتر مع صديقاتها غير عابئة باسرتها بتاتا 

خيم صمت قاتل عليهم وهم يتابعون اتجاه نظراته لتختفي علامات المرح التي سكنت شفاههم للحظات قصيرة فقط , فالكل يعرف ضحى وشخصيتها المستهترة والمنفرة . نادى اياد النادل المحمل بالمشروبات المشكلة محاولا ان يكسر الصمت المتوتر الذي خيم عليهم , رحب الكل بالمشروبات الباردة التي انعشتهم فصاحت نور وعلى محياها تجلى مرح طفولي 

-امممممم لذيذ 

ثم وجهت نظرها لعلي وهي تساله بجدية 

-ما هو مجال عملك ؟ 

رشف الرجل من كاسه قبل ان يبادلها النظرات وفي قرارة نفسه يتساءل عن سر هذا الاهتمام 

-انا اعمل مجرد موظف في القطاع العام سيدة نور 

ابتسمت له في رجاء 

-ارجوك نادني نور , لقد اصبحنا عائلة واحدة الان , ومنذ هاته اللحظة ساعتبرك اخا لي هذا طبعا اذا سمحت 

سارع علي يجيبها بمودة صادقة تجلت في تقاطيعه طاردة اخر شعاع من الحزن الذي اطل سابقا من عينيه 

-طبعا اقبل وانه لشرف لي ان تكون لي اخت مثلك 

انار محياها بابتسامة حقيقية سرت مشعة على ملامحها لتردف بعدها 

-وانه لفخر لي ايضا لكن لم تقول انك مجرد موظف , بنظري كل عمل يخدم المجتمع يعتبر مهما مادام حلالا 

تغضنت قسماته وزفر بضيق وهو يجيب بياس وهم 

-ليس كل الناس يفكرون مثلك , فالبعض يعتقد ان العمل الذي لايدر على صاحبه دخلا وافرا يعتبر عملا حقيرا بينما مزاوله مجرد فاشل لا يجب ان يحظى بالاحترام 

بهتت نور وبان الاشمئزاز على محياها لتساله بنبرة مغتاظة 

-لكن من هؤلاء الاغبياء الذين يفكرون هكذا ؟ 

ابتسم علي من استنكارها وردة فعلها ادخلت شيئا من السرور الى نفسه فليس كل الاغنياء يتبنون مثل افكارها وحانت منه التفاتة الى زوجته القابعة في زواية من القاعة رفقة صديقاتها , التفاتة لم تفت نور التي ادركت من يقصد بكلامه لتحرك راسها بعدم تصديق وهي تجول بنظراتها على من يحيط بها حيث لاحظت ان كل منهم يطرق براسه باسف يشاركونها رايها فما كان منها الا ان زفرت بياس لتقول بعدها بتصميم 

-بما اننا اصبحنا عائلة واحدة فساسمح لنفسي ان اسديك نصيحة غالية , لا تدع ابدا احدا يقلل من شان عملك او من شانك انت شخصيا , ليس عيبا ان يكون الانسان فقيرا من المال ولكن العيب ان يكون فقير الاحاسيس والاخلاق والذمة , حقيقة انني لا اعرفك جيدا , لكن حدسي ينبئني انك شخص طيب محترم وتستاهل كل الخير فلا .. 

توقفت نور عن الكلام وقد شعرت بذراع اياد تحيط بها ليجرها اليه وتضغط يده بقسوة على وسطها ليقول بصوت محرج وهو يعتذر لعلي 

-اسف يا صديقي , لكن زوجتي صريحة الى ابعد الحدود وفي بعض الاحيان تحشر انفها فيما لا يعنيها 

فتحت نور فمها لترد على كلامه الجارح لكن عليا سبقها 

-لا تعتذر ارجوك فزوجتك لم تقل سوى الحقيقة وانا معجب بصراحتها فلو كان الكل مثلها لتجاوزنا اغلب المشاكل 

نظرت نور اليه بامتنان على دفاعه عنها قبل ان تحرر نفسها من قبضة زوجها وتقترب من سامية 

........................................ 

كانت نور منهمكة في حديث مع سامية حول نجاح ترتيباتهما لهذه الليلة وقد صدحت بالمكان موسيقى هادئة عزفها الاوركسترا الذي تعاقدتا معه , حينما بادرتها نوران بالسؤال 

-الن تغني الليلة لنا ؟ 

فتحت نور فمها لتجيب حينما احست بذراع زوجها تلتف حول خصرها مقربة اياها منه في حركة تملكية صرفة بينما سمعته يقول يصوت رخيم 

-لا حبيبتي , الليلة نور صاحبة الحفلة ولن تغني 

بانت الخيبة على ملامح الجميع لكن اياد لم يهتم بل جذب زوجته الى حلبة الرقص واخذا يتمايلان على ايقاع الموسيقى الهادئة , استسلمت نور لقيادته السلسة واراحت يدها على صدره في الوقت الذي وضعت ذقنها على كتفه وبدات بمشاهدة ما حولها . حذا الاخرون حذوهما وما هي الا لحظات حتى امتلات الساحة بالراقصين , اتاها صوت اياد من فوقها وقد اراح ذقنه على راسها 

-انظري اليهم , وكانهم كانوا في انتظار الاشارة 

رفعت نور راسها لتلقي بنظرة لا مبالية من حولها قبل ان تستكين براسها فوق صدره بعفوية وتغمض عينيها لتتنهد براحة 

-ومن منا لا يحب الرقص ؟ 

انحنى اياد عليها وطبع قبلة حانية على قمة راسها ثم قال بصوت مبحوح 

-اتمنى ان اقضي عمري كله وانت بين ذراعي 

تصلب جسدها والكلمات العذبة الرقيقة تتسلل كموسيقى ناعمة رقص على ايقاعها قلبها الذي ظنته مات منذ زمن , اغرورقت عيناها بدموع منعتها من ان تعبر جفنيها لتسال بصوت مرتجف 

-الن ياتي يوم وتتخلى فيه عني ؟ يوم تمل فيه من حبي ؟ 

هذه المرة كان دوره ليتشنج قبل ان يبعدها قليلا عنه محتفظا بقبضتيه على كتفيها ويرمقها بنظرات تصميم وثقة 

-اسمعيني جيدا , اعلم انك قد مررت بتجربة فاشلة وانه خذلك وتخلى عنك , لكن حبيبتي تذكري انني لست مثله , ليس كل الرجال سواء , انا احبك بل اعشقك وكوني دائما متاكدة من انني لن اتخلى عنك ابدا , هل فهمت ؟ 

اومات له برلسها وعيناها ضبابيتان بدموع تلح على الخروج بينما حاولت الابتسام بعناء دون جدوى , ضمها اياد الى صدره وشدد من حضنها وهو يواصل طبع قبلات حانية على راسها بينما خبات وجهها في ثنايا قميصه كما لو انها تحاول ان تختبئ من قساوة العالم التي مست روحها لتحولها الى رماد تناثر عبر سنين الحرمان التي تاكلتها . كانا ضائعين بحالمية مطلقة في بعضهما البعض حينما سمعا صوت الخادمة ينبههما , ابتعدا عن بعض ليشاهدا الخادمة رقية بحال مضطرب وهي تحرك بارتباك يديها المعقودتين , كان اياد من بادرها بحزم 

-ماذا هناك ؟ 

طاطات الخادمة راسها بخجل وهي عاجزة عن الاجابة , فامسكها اياد من ذراعها في نفاذ صبر وهزها بعنف فقالت بصوت متلعثم وقد بان الخوف على قسماتها 

-لقد رايت رجلا غريبا يدخل غرفة السيدة هند 


هكذا وصلنا الى نهاية الفصل الثاني عشر


🏵🏵🏵🏵🏵🏵


  »»»»»»»الفصل التالي«««««««




    »»»»»»»الفصل السابق«««««««




    »»»»»»»العودة للألبوم«««««««










تعليقات