الفصل 3 من رواية أسألك الرحيلا بقم


الفصل الثالث 💐 

بداية حب وغيرة 


تاملت نور بنظرات زائغة الديكور العصري للمكان بكنباته الجلدية البنية ولوحاته التجريدية الراقية , اختارت كنبة منفردة للجلوس فقدماها ما عادتا قادرتين على حملها , كانت ترتجف من الذكريات التي ارسلت ببعض من قبسها الى ذاكرتها , كان تاثير الفلاشات التي ومضت في عقلها بمثابة زلزال هز كل ذرة من ذراتها , ثقل تلك الذكريات جثم عليها ليتركها خائرة القوى . ما ان اغلق اياد الباب حتى استدار جاثيا على ركبته امامها ثم امسك بيدها بين قبضتيه بحنان فيما علامات القلق والاهتمام برزت جليا على محياه 


-نور حبيبتي هل انت بخير ؟ 


نظرت نور اليه مباشرة وارتعاشة لذيذة تسري في اوصالها وهي تسمع الكلمة السحرية التي نطق بها لسانه في غفلة من عقله , لانها تدرك تماما انه ما كان سيلفظ تلك الكلمة في ظروف اخرى اذ انه من الرجال الحذرين الذين لا يفصحون عن مشاعرهم بسهولة . مشاعر السعادة التي تسللت الى اعماقها بفضل كلمة صغيرة خرجت من بين شفتيه , شرعت تطرد ضباب الاحاسيس السلبية التي كانت قد احستها من قبل , بل من قال انها كانت هناك اصلا . بدا اللون يعود تدريجيا الى وجهها وقلبها بدا يعزف سمفونيته الرائعة ليصل صداها الى اذنيها كي ينسدل رداء الخجل شيئت فشيئا على محياها فتزداد وتيرة تنفسها لتحس انها ستنفجر بفعل مشاعرها المتضخمة داخلها . كان لازال راكعا امامها يربت على كفها الذي احتجزه داخل راحتيه , يراقب قسماتها عله يستشف دواخلها , تمالكت نفسها وتظاهرت بالقوة والثقة رافعة راسها عاليا بشموخ وملامحها لاتنطق بشيء 


-انا بخير , شكرا لك 


ختمت جملتها وهي تسحب يدها منه , لكنه تمسك بها وهو يتحول ليجلس على ذراع كرسيها محيطا كتفيها كي يقول بصوت رخيم 


-يا الهي , حينما رايت وجهك على المنصة , اعتقدت انك ستخرين ارضا فاقدة الوعي , لقد اخفتني 


ثم اخرج تنهيدة ارتياح طويلة ابانت عن كم قلقه واهتمامه بها , استحسنت نور مشاعره تلك لكنها بالمقابل لم تستسغ قربه الشديد منها الذي يربك دفاعاتها , شعرت بانفعالاتها تتضخم في صدرها خاصة بعد ان لفحت انفاسه عنقها وشفتاه الدافئتان تطبعان قبلة على اعلى راسها , قشعريرة ترددت على طول عمودها الفقري فحاولت النهوض الا انه خنق محاولاتها وهو يشدد من ضمه لها , اسر لها بصوت خافت بالقرب من اذنها مستنشقا عطرها الاخاذ 


-اه لو تعلمين ما فعلته بي 


ظلا ساكنين دون حراك وكل منهما يشعر بالخفقات الجنونية لقلب الاخر , وكل منهما يرسل موجات حرارية عاصفة الى الاخر , اكتفى بضمها ساكنة بين احضانه , اخيرا حقق امنية سكنت احلامه منذ ان راها لاول مرة منذ ستة اشهر في حفل احيته في لندن , عندها سحره صوتها العذب الناعم قبل ان تطيح عيناها السوداوتان بقناعاته ومبادئه الصارمة , فهو قد قرر منذ وقت طويل ان لا مكان لامراة في حياته , وان الحيز الوحيد الذي قد يسمح لحواء بشغله هو سريره . لكن منذ ان ابصرتها عيناه , ظلت صورتها عالقة في ذهنه , تابى المغادرة , منذ ان لمحها بذلك الثوب الذهبي اللامع , احس بشيء مختلف ترك بصمته على صفحة جوارحه ليبحث عن ملامحها في وجه كل امراة قابلها بعد ذلك , كي يفقد في النهاية اي اهتمام باي انثى صادفت طريقه . كانا يعيشان احدى تلك اللحظات الحميمة التي قد يفقد فيها المرء التعقل ويسمح لمشاعره بالسيطرة .


كان اياد من قطع الاتصال بينهما و احكم السيطرة على مشاعره المتاججة بارادة من حديد حتى لا ينجرفا الى هوة سحيقة يصعب الخروج منها , قال بصوت تطغى عليه العاطفة 


-من المستحسن ان ابتعد قليلا 


اقرن قوله بالفعل وهو يجلس في كنبة بعيدا عنها , كانت نور محمرة الوجه تلهت من قوة احاسيسها ,شتتت بصرها في انحاء الغرفة متجنبة النظر اليه , لم تملك الجراة على التحديق في عينيه , كانت ترتعش من حاجتها اليه , ارادته من كل قلبها . لقد احيى فيها مشاعر ظنت انها دفنتها عميقا منذ سنوات , اعاد اليها احاسيس كانت السبب في ضياعها منذ امد بعيد . لقد تاكدت الليلة من مدى ضعفها امامه , لولا سيطرته المثيرة للاعجاب لاتدري ما كان ليحدث بينهما , لقد نسيت اين هي ومع من هي ولماذا هي هنا , سمحت له بالتغلغل الى دواخلها والانسلال الى عتبات قلبها , قلبها الذي مات واحترق ولم يبق منه الا الرماد , رماد رافق وحدتها الموحشة في ليالي شتاء حياتها القارص . كيف استطاعت ان تنسى؟ بل كيف سمحت لنفسها ان تنسى ؟ الم تاخذ عهدا على نفسها بالا تستسلم مطلقا لرجل في حياتها ؟ الم تقسم بقدسية حياتها المهدورة الا تدع جنس رجل يتحكم بها مرة اخرى ؟اين ذهبت الوعود والعهود ؟ بل اين ذهب عقلها ؟ 


تنحنح اياد الذي تعمد الصمت كي يترك لها وله متسعا من الوقت لتمالك نفسيهما 


-يبدو انني قد كدرتك 


خرجت من شرودها على صوته الرخيم , فاجابت بدبلوماسية حذرة 


-لا ابدا , لم تخبرني من سيقوم بالغناء 


احترم سعيها تغيير الموضوع فاجابها بدبلوماسية مماثلة 


-تعاقدت العائلة مع فرقة شعبية لتغني بين وصلاتك للاستراحة 


اجابت براحة مفتعلة 


-جيد هكذا يمكنني الراحة قليلا 


رد عليها محاولا استشفاف مزاجها الحقيقي الذي تخفيه وراء قناع الدبلوماسية ذاك 


-اجل هذا ما فكرنا به اثناء التعاقد مع تلك الفرقة , طبعا حينها ما كنت اعلم انك المعنية بالامر 


اجابت باقتضاب 


-انه لطف منكم 


ادعاؤها البرود بعدما كاد ان يحدث بينهما اخرجه عن طوره ففقد السيطرة على اعصابه لينفجر في وجهها 


-نور لا تعامليني هكذا , لاتضعي المسافات بيننا , لاتمنعيني من الوصول اليك 


صدمت من ردة فعله العنيفة واحساس بالخوف يتسلل الى قلبها , لاتحب العنف ولا تحب الشجار انه يستنزف قدرتها , كانت على وشك الاجابة وهي تتامل عرقه النابض في عنقه وعيناه المحمرتان وجسده المتشنج , حينما لمحته يضع يديه على وجهه متمتما بشتائم مكتومة وهو يشد على شعره قبل ان يجثو راكعا على ركبته امامها ممسكا براحتها بين يديه , حدقت اليه بحيرة من تبدل موقفه السريع منها بعدما كان حانقا عليها , لابد انه شيء ما في تعبيرات وجهها الخائفة ما جعله يلين . ردد بصوت اجش نادم وهو يقبل يدها قبلات متتالية 


-اسف حبيبتي اسف , اعذري عصبيتي , لا اتحمل ان تبعديني عنك , لاتعامليني ببرود ارجوك 


بقيت نور متجمدة في مكانها والذهول مسيطر على كامل حركاتها , قربه دفع بالحرارة الى كيانها بينما موقفه جعل نشوة تنتشر عبر كامل جسدها ليتردد صداها في كل ذرة من روحها , انها نشوة الانتصار , انها لذة الفوز , لقد نجحت , لقد جعلته عبدا في محراب عشقها السرمدي , واخيرا سقط اياد في هواها . الجم الاكتشاف اي ردة فعل لديها , ظلت قابعة هناك ترمقه وهو عاكف على تقبيل يدها كانها ملكة متوجة يعرب لها احد رعاياها عن ولائه الخالص , لم تسع الى سحب يدها بل لم تفكر بذلك اصلا , كل ما كان يجول في ذهنها , ان كانت اعتبرت نطقه لكلمة حبيبتي في المرة الاولى صدفة فالان هي متاكدة من انه يقصدها حرفيا , ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه : ماهي خطوتها التالية ؟ 


.................................................. .................................................. ....




هل رايت اياد ؟ 


سالت هند بامتعاض وهي تهز رجلها , تاملت ضحى صديقة عمرها المتانقة في فستان اخضرضيق يصل الى فوق الركبة بينما جمعت شعرها في شنيون فرنسي واءم وجهها المستدير اما زينتها فاقتصرت على مكياج خفيف فيما عقد لؤلئي تدلى من جيدها . كانت امراة متوسطة الجمال بعينيها البندقيتين الصغيرتين وفمها الواسع , ثم اجابتها بتهكمها المعتاد 


-انا لا افهم , الى متى ستطاردين الرجل ؟ الا تملين ابدا؟ 


رمقتها هند بنظرات احتقار 


-اياد هو لي ولن اتخلى عنه ابدا 


سالتها ضحى باستهزاء 


-من تحاولين اقناعه ؟ انا ام انت؟ 


اجابتها بنبرة باردة ووجهها يكسوه الجمود 


-لا اظنني في حاجة لاقناعك بانه ملكي بعدما فعلناه سويا 


حدجتها ضحى بنظرات استخفاف 


-لقد مر عما فعلناه ست سنين ولا اراك فعلت شيئا 


اختفى الهدوء والبرود من وجه هند لتصيح بنبرة غاضبة 


-وماذا تريدينني ان افعل وابن خالتي المبجل لا يعيرني اهتماما ؟ لقد ابعدته عن زوجته واهتممت باولاده , كنت له الخادمة والصديقة والناصحة , لكنه لايرى في الا اختا . ماذا افعل ؟ 


لم تتاثر ضحى بهيجان صديقتها قيد انملة بل جاوبتها بعد تفكير عميق وهي تقول بنبرة ماكرة 


-حبيبتي الرجل ليس في حاجة الى صديقة او ناصحة او مربية لاولاده لانه ببساطة يمكنه ان يوظف خادمة تتولى تلك المهام وان اراد الافضاء بمكنونات قلبه فاصدقاؤه سيتولون المهمة برحابة صدر , الرجل بحاجة الى امراة تفهمه , امراة تدلل ه , امراة تدفئ سريره 


نظرت اليها هند بحيرة وقد عقدت حاجبيها 


-وما المطلوب مني بالضبط ؟ 


رمتها ضحى بنظرات مستنكرة غير راضية تماما 


-بعد كل ما قلته لك , لم تفهمي المطلوب منك , لاعجب ان الرجل لازال حرا طليقا انطلقت سهام نارية من عيني هند وفي ترمق صديقتها بنظرات غاضبة 


-وماذا افعل ان كانت اختك قد سحرته ؟ في قربها لم يكن يرى غيرها وفي بعدها كره جنس النساء 


جلجلت ضحى بضحكة مستهزئة 


-حبيبتي , شهد كانت امراة عادية للغاية , انه الحب ما رفع رصيدها في قلبه وجعله عبدا في محرابها , وانت يمكنك النيل منه بسهولة لو اشغلت عقلك الخامل هذا 


نطقت جملتها الاخيرة وهي تدق بسبابتها على صدغ هند , نظرت اليها الاخرى بصمت مطبق تفكر مليا في كلامها قبل ان تردد بتساؤل 


-انت حقا لا تعتبرين شهد امراة عادية ؟ لقد كانت اي شيء الا عادية , عزيزتي , انا وانت نعلم جيدا انها رائعة الجمال ولايمكن لاي منا المنافسة امامها 


نهرتها ضحى بصوت يغلفه غضب مكبوح 


-تكلمي عن نفسك حبيبتي , انا عن نفسي افوقها جمالا وحسنا وان كنت تفكرين بهذا الشكل فانسي اياد, فهذه الافكار ليست ما سيجذبه اليك 


اطرقت هند براسها تفكر في حل سحري يجمعها بحبيب عمرها لكن الفكر عجز عن ايجاد اي مخرج فتمتمت بصوت تعس يملؤه الياس 


-ماعدت اعرف ما العمل 


ابتسمت ضحى بمكر وهي ترى استسلامها التام ورفعها الراية البيضاء , فاحاطت كتفيها بذراعها مواسية 


-اعلم حبيبتي كم قاسيت لاسيما بسبب تلك الحية اختي , لكن تذكري ان الساحة امامك معدة ماعليك سوى ايجاد الطريقة المثلى للتاثير عليه , بما ان سبلك لم تلق نجاعة فجربي طريقتي ولن تفشلي ابدا 


التزمت هند الصمت منتظرة معرفة الافكار النيرة لضحى التي ستقربها من حبيبها 


.................................................. .................................................. .............


اغمضت نور عينيها واستسلمت للالحان الشذية التي تعزفها فرقتها الموسيقية , ثم بدا صوتها الشجي يصدح بالمكان مرددا 




يومي بسنه يومي الماشوفك انا


مالي غني عنك عني لاتغيب


اشتاق حضننا ضمة غيرك مالنا


اتغير حالنا من بعد غيابك يا حبيب


تذكرت ما حدث بينها وبين اياد وكيف ان حضور رافت اعفاها من اي رد على ما حدث , لن تنسى امتعاضه واستياءه حينما قاطعهما مدير اعمالها , لو لم يكن الوضع حرجا لكانت استغرقت في ضحك هستيري من ملامحه المعترضة كملامح طفل صغير اخذت منه قطعة الحلوى المفضلة لديه ليقف منتصبا بشموخ وكبرياء وهو يلعن بصوت مكتوم كازا على اسنانه 


محروم م الدفي محروم


آه والله ماتوب عيني والله


حبك ساكن قلبي ومايغيب


اما رافت فلم يكن بحال افضل منه , حيث دلف الى الغرفة عازما على ابلاغها انها تجاوزت الوقت المخصص للاستراحة , ليفاجا بمشهد لم يكن ليخطر على باله ولو بعد مليون سنة , اياد راكع على قدمه امامها , شعر الرجل بالحرج وهو يرى انهما غافلين عن وجوده , فتنحنح مصدرا جلبة جذبت اليه انتباه زوجين من العيون الضائعة المحتارة عن سبب تطفل هذا الضيف الغير مرحب به , نظراتهما جعلته يدرك انه اختار وقتا سيئا للحضور , فتنحنح ليجلي صوته قبل ان يردد بصوت مهزوز 


-عذرا على المقاطعة لكنهم يطلبونك هناك 


لم يتلق ردا على كلامه , انتظر لوقت قصير قبل ان ينسحب بهدوء تاركا لهما الساحة خالية 


كانت نور من استطاعت الخروج اولا من دوامة المشاعرالمتضاربة والمضطربة التي استولت على حواسهما فقالت بصوت مرتجف 


-علي الذهاب 




ريتك تعود يا حبيبي ليّه عود


قلبي لك وجود انت غير الناس غير 


وين الوعود وين الضحكة والورود


كفايه وعود قلتلك الدنيا لسه بخير




تذكرت كيف


القت جملتها تلك وهي تستوي واقفة متاهبة للرحيل دون ان تجرا على النظر الى عينيه , فاخر ما تحتاج اليه ان تغرق في بحرهما من جديد , انتظرت ردة فعله على انسحابها , لكن الصمت المطبق كان جوابها , رفعت بصرها بسرعة تخطف نظرة اليه فوجدته مطرقا براسه وعلامات التفكير العميق متجلية بوضوح على محياه , انتبهت ان شروده منعه من سماع تعليقها فتمتمت بصوت مقتضب 


-بالاذن 


وغادرت دون ان تلقي نظرة الى الوراء 


يومي بسنه يومي الماشوفك انا


مالي غني عنك عني لاتغيب


اشتاق حضننا ضمة غيرك مالنا


اتغير حالنا من بعد غيابك يا حبيب


انهت اغنيتها تحت تصفيق حار من الحضور الذي كان يهتف اعجابا وتشجيعا , استدارت كي تتشاور مع رئيس فرقتها حول الاغنية القادمة مانعة نفسها من التفكير فيه حينما لمحت فتاة سمراء فاتنة تستوقف اياد الذي كان متوجها نحو العروسين , تاملت السمراء تتكلم بغنج ويدها موضوعة على ذراعه بدلال متتحركة صعودا ونزولا . الصورة كانت سببا لولادة شرارة من النار اخذت تكبر وتتوهج لتصبح حريقا مندلعا داخلها يتاكلها مسببا لها الما حادا اعتصر قلبها , 


شرع الحريق ينفث شهبا تتقاذف مشاعرها من كل حذب وصوب ليتضاعف الالم , تمنت لو تذهب هناك وتقتلع تلك اليد التي تحاول رمي شباكها عليه , كانت كل حركة منها او انحناءة او همسة بمثابة سكين ينغرز عميقا في قلبها , ومازاد الطين بلة وزاد من تاجج مشاعرها تلك هو الابتسامة الجذابة التي كان اياد يوجهها لمخاطبته المتحذلقة تلك . فجاة التقت نظراتهما لينتبه انها كانت تحدق به , قرات في عينيه تساؤلا وحيرة ما فتئت ان تركت مكانها لنظرة ادراك تبعتها نظرات مستمتعة , راته يبتسم لها بمكر واستفزاز عارف لما يجول في خاطرها , لقد راى في تعبيرات وجهها الغيرة , الغيرة من المراة التي تبادله الحديث , الغيرة ؟؟ انصدمت من اكتشافها لتشيح بوجهها وهي تحاول ان تكبت هذا الاحساس المفاجئ والغريب الذي انتابها وجعلها تشعر بمزيج من الغضب والحزن . هي تغير عليه , لايعقل , كيف حدث هذا ؟ انها تعتبر نفسها امراة عقلانية لامكان للعاطفة في قلبها , اذن بماذا تفسر اندلاع الحمم البركانية داخلها ؟ كيف تشرح تشنج جسمها وعلامات اظافرها المحفورة في كفها ؟ مامعنى غليان حرارة جسدها وارتفاع دقات قلبها التي تجاوزت المعدل الطبيعي؟ 


اعترفت اخيرا لنفسها , انها حقا تغير , تكره ان تقترب منه انثى غيرها , تمقت ان يبتسم تلك الابتسامات التي تمثل علامته الفارقة لامراة اخرى , تريد ان تستاثر باهتمامه لوحدها , ان تكون مركز وجوده وشمسه التي تنير حياته . هاهي تفعلها مرة اخرى , يا للسخرية ؟؟؟تسمح لرجل ان تكون له اليد العليا على حياتها , تسمح لرجل ان يحكم سيطرته على مشاعرها وحياتها ووجودها , الم تكتف بما حدث في الماضي ؟ الم تنل حقها مضاعفا من العذاب نتيجة استسلامها لرجل ؟ شرودها في افكارها المتضاربة هاته جعلها تضيع المقطع الذي عليها الشروع في الغناء عنده , مما دفع بالفرقة الموسيقية الى تكرار المقطع واجبر رئيسها على تنبيهها . جمعت شتات نفسها المبعثرة بسبب مشاعرها المضطربة والضائعة لينطلق صوتها ضعيفا شجيا في القاعة 


سنتين وانا حايل فيك ودموع العين تناديك


يا سبب تعذيبي والاسم حبيبي


سنتين


اتحمل سنة واثنين والوحدة عذاب وهوان


فين حبك وشوقك فين فين عطفك علي زمان


يا ناسي عهود قلبين وغرامك كانو ماكان


ذا جمالك بعيد علعين وخيالك في كل مكان


ولو تنسى خصامك يوم يوم واحد من الايام


وتصالح علي النوم وتفتني مع الاحلام


يا سبب تعذيبي والاسم حبيبي


سنتين


عاشت مع الكلمات بكل جوارحها وكل ملكاتها , ارادت ان تهرب ولو قليلا من التفكير في الامواج التي تلاطم مشاعرها بين مد وجزر على شاطئ من الحيرة والتيهان والخوف , انها تخاف من تارجح احاسيسها وتاججها وتخاف اكثر من ضعفها واستسلامها . ابتسمت لجمهورها الذي لم يخذلها ابدا كما خذلتها الحياة , واشارت بيدها محيية لهم قبل ان تبدا الاستعداد لاداء اخر اغنية لهذه الليلة مانعة نفسها تماما من محاولة البحث عنه او تتبع خطواته 


.................................................. .................................................. ...............


كانت تشعر بالخجل من كل تلك النظرات المحدقة بها والمراقبة لها , الان فقط تحس ببعض ما ينتاب نور وهي محط الاف النظرات , رغم ان موقفيهما متعارضين , فتلك اعتادت الظهور امام الجماهير والاستعراض امام الكاميرات , اما هي , فكرهت دائما ان تكون محط الانظار وتفضل الخصوصية والتكتم , ولو عاد لها الامر , لاكتفت بحفلة صغيرة تضم المقربين لا غير وليس هذا الكم من الناس الذين لم يسبق لها رؤية نصفهم , تكره حينما تحول المناسبات الخاصة الى حفلات لعقد الصفقات التجارية , تدرك ان العالم كله يعمل بهذه الطريقة , لكنها ذات طبع رومانسي , وترفض ان يطغى العمل على الحياة الشخصية , فالمكاتب وجدت لهذا الغرض وليس حفلة خطوبتها . كانت تشد على يد الاريكة بقوة بينما ترسم على شفتيها ابتسامة مصطنعة اعتادت استعمالها في حالات مماثلة , فجاة شعرت بلمسة حانية على كفها بينما صوت هامس اجش يتمتم بالقرب من اذنها 


-اين شردت حبيبة قلبي ؟ 


لمسته الدافئة نقلت لها بعضا من الراحة والطمانينة بينما اللون القرمزي يزحف الى خديها خجلا من انشغالها عنه في ليلة مماثلة , اجابت مرتبكة من قربه الشديد منها 


-ليس بعيدا عنك حبيبي 


غمغم بصوت خافت بينما عيناه تلمعان ببريق الاعجاب 


-هل اخبرتك انك تبدين رائعة الليلة ؟ 


اجابت بصوت عذب يقطردلالا 


-لا لم تخبرني 


طبع قبلة خاطفة على خدها جعلت قلبها يخطئ دقة من دقاته لينطلق بعدها في مسابقة مع الريح بينما الذعر والارتباك ولون احمر قاني اتحدت كي تبرز جليا على صفحة وجهها البيضاء فيما عيناها تبحثان بارتباك اذا ماكان احد الحاضرين قد انتبه الى فعلة خطيبها المحترم , كزت على اسنانها وصوتها يرتجف من الحرج 


-ماذا تظن نفسك فاعلا ؟ هل جننت ؟ 


اجابها بصوت رجولي واثق وابتسامة استمتاع تتلاعب على شفتيه 


-لقد استجبت لطلبك وصادقت على اعجابي التام بطلتك البهية 


ردت عليه بصوت حانق 


-كريم لا تتذاكى علي 


رمقها بنظرات عاطفية جياشة 


-عيون كريم , اامريني حبي 


نظراته المتاججة دفعت قلبها الى الدق كالطبول بينما رعشة لذيذة سرت على طول عمودها الفقري لتخفض بصرها دون ان تقوى على التفوه بكلمة , تامل كريم خجلها الذي يذيب اي ذرة عقل لديه ليرفع يدها الى شفتيه ويطبع عليها قبلة حارة قبل ان يقرر ان يرحمها ويطلق سراحها ليترك لها الفرصة لتهدئة مشاعرها 


-ماذا فعلت باختي حتى يتورد وجهها هكذا ايها الماكر؟ 


قالها ياسر وابتسامة ماكرة تتراقص على شفتيه بينما يحرك حاجبيه في حركة مغيظة 


طاطات نسرين راسها وهي تتمنى ان تنشق الارض وتبتلعها , فهي كانت عاجزة عن التعامل مع واحد والان عليها مواجهة اثنان هوايتهما احراجها . اما كريم فرمقه بنظرة واثقة مستفزة 


-والله انها خطيبتي وانا حر ان افعل بها ما اريد 


انهى كلامه غامزا خطيبته قبل ان يردف بابتسامة شغوفة 


-اليس كذلك حبي؟ 


اشاحت نسرين بوجهها متجاهلة اياه , كان ياسر من رد عليه معقبامستمتعا باحراج اخته 


-هيا حبيبتي ردي على خطيبك , ليس من شيمك الصمت , هل تصدقين انها اول مرة اراك مستحية ؟ انها سابقة في عائلتنا 


عقد الخجل الشديد لسانها ليتحول اللون القرمزي الى احمر قان وهي تفرك يديها ببعضهما اردف ياسر وهو يوجه نظره الى كريم مدعيا الجدية 


- لا يا صديقي , انت لست حرا , حينما تصبح زوجها عندها يحق لك ان تفعل ما تشاء , لكن الان لابد لك من الخضوع لشروطنا 


زم كريم شفتيه وعيناه تتسعان مما يسمعه فقال مسايرا له 


-وما هي شروط حضرتك؟ 


تصنع ياسر التفكير العميق فاطرق براسه ممسكا بذقنه بينما ضيق عينيه ليقول بعدها 


-نحن لا نسمح لبناتنا ان يخرجن بمفردهن مع الخطيب , وعلى هذا الخطيب ان يقابلهن في منزلنا بحضور العائلة , والا يهاتفها حتى موعد العرس 


زادت عينا كريم اتساعا بينما سال بمكر 


-وهذه الشروط هل تطبق على شباب العائلة ام انها حكر على البنات؟ 


تظاهر ياسر بالسعال وهو يخفي ارتباكه فكريم يعلم بعلاقته ببسمة , ابتسمت نسرين بشماتة من ارتباك اخيها فقد اخبرها خطيبها عن حبيبته 


اختار سعيد هذه اللحظة لينضم اليهم , هتف بصوت متوعد 


-ماذا تفعلان بحبيبتي انتما الاثنان ؟ 


رفعت نسرين بصرها بسرعة وابتسامة واسعة تزين وجهها بينما الارتياح غمر قسماتها بوضوح , فكل من خطيبها واخيها ياسر يحترمان سعيدا ولا يستطيعان المزاح بحضوره 


اجاب ياسر بصوت تشوبه البراءة 


-لانفعل شيئا لها اننا فقط نمازحها كي تتخلى عن خجلها قليلا غمغم سعيد الذي لم يصدق كلمة من كلام اخيه الاصغربحنان 


-كيف تشعرين صغيرتي ؟ 


اجابته بابتسامة امتنان وهي تمد يدها لتمسك بيده 


-طالما انت اخي , ساكون دائما بخير 


تغيرت ملامح سعيد , انعقد حاجباه وعلت تقطيبة جبينه بينما الوجوم يحتل معالم وجهه , كانت الجملة بمثابة السكين الذي انغرز بغدر في قلبه , لقد كانت جملة اخته الاخرى المميزة , كلما كانت حزينة او قلقة وياتي لمواساتها كان ذاك ردها عليه دوما بعد ان يشع وجهها لرؤيته . لكنه في اخر مرة راها , لم يستطع ان يرسم البسمة على شفتيها كما كان يفعل عادة ولم تكن بخير رغم رؤيتها له . كتم حسرته داخله ومنع ذاكرته من الاسترسال في احياء جرحه الذي لم يندمل ابدا , رسم ابتسامة حاول ان تكون حقيقية وهو يرد عليها 


-الف مبروك حبيبتي , انا سعيد من اجلك 


استغرب الكل انكماشه وتغير مزاجه ماعدا ياسر الذي علم سر تجهم وجه اخيه , هو ايضا تذكر حبيبة قلبه شهد , تعرف بسهولة على الجملة التي كانت تنطقها للتخفيف من قلقهم عليها , سالها ذات يوم والفضول يتاكله :ما معنى هذا الكلام ؟ فردت عليه مستنكرة جهله :كيف يمكن ان يصيبني مكروه ولدي اخان مثلكما ؟ انا لا اتصور ابدا نفسي اضام في هذه الدنيا ولازال هناك عرق ينبض بالحياة داخلكما 


الذكرى دفعت بدموع الياس والقهر الى عينيه , دموع خنقها في مهدها وهو يستاذن متعللا بان احدهم يناديه , وعقله يردد جملة واحدة :"لقد انضمت يا اختي في حياتنا وامام اعيننا , لكننا خذلناك "


كانت الليلة من الف ليلة وليلة باضوائها المبهرة وديكورها الفخم الذي حاكى ديكور فندق من خمس نجوم , كان الحاج يونس متالقا في جلبابه المغربي الابيض الذي اظهره في ابهى صوره رفقة زوجته التي اشعت في لباسها المغربي التقليدي مزينة بمجوهراتها الثمينة لتظهر بمظهر يصغر سنها الحقيقي . كان الاثنان يتنقلان في انحاء القاعة الفسيحة , تارة مرحبين وتارة يتبادلان الحديث مع احدهم وتارة اخرى راقصين على انغام الموسيقى مع اولادهما واحفادهما . 

تاملت نور الاثنان والفرحة تشع من مقلتيهما ليرتسم تعبير حزين على قسماتها وهي تبدا باغنيتها الاخيرة

ليه تركتني

ليه هجرتني ورحت

وين الوعود الي وعدتني فيهم

شو عملت بالملكة

لبستني التاج وبليلة تركت المملكة

بدك ملكة جديدة

ما بدي تاجك

مابدي كون حرة

بدي كون سجينة مثلن هن

عصافير غرام بقفص صغير

مابدي كون حرة وطير لحالي

وحيدة وقلبي فاضي

وين تركتني ورحت

بكرة راح ترجع

راح كون ناترتك

راح اترك حدي هايدا المكان

لالك مكاني لالك

وماراح اكون الا الك

ناترتك

..............................

ياسايبني فحيرة ونار

ليل ونهار

بحلم بلقاك

عذبني الشوق وتعبت

ومش حرتاح غير وانا وياك

بهواك انا وبذوب انا

وعشانك عمري ياعمري انا

واليوم بعدي علي سنة

صدقني واحشني بجد

وروحي معاك

والقلب حزين

مشغولة عليك في البعد

وبستناك وانا ذايبة حنين

انحنت تحيي الحضور الذين انهالوا عليها بالتصفيق الحار وهي تخفي دمعة يتيمة انسلت من عينها , رسمت ابتسامة ساحرة تدربت عليها لسنوات على شفتيها لتقف منتصبة بخيلاء مشيرة بيدها في حركات محيية وشاكرة ومودعة قبل ان تستدير مغادرة , كانت تحس بصداع يفتك براسها بعنف وبخدر يجتاح اطرافها , فعلى الحان اغنيتها التي القتها للتو رقص اياد مع تلك الحية الرقطاء التي لم تفارقه لحظة واحدة طيلة الحفل , كرهت الليلة وكرهت نفسها وكرهت قدومها الى المغرب , حينما ظنت انها حصلت عليه واصبح ملكها يفاجاها باستسلامه لتلك المراة , كان يوليها اهتمامه وعنايته . ان كانت تهمه لهذه الدرجة فما معنى ما حدث بينهما في تلك الغرفة ؟ ام تراها كانت مجرد تمثيلية ؟ عند هذه الفكرة تضاعف صداعها بينما عرق ينبض بعنف في راسها , وضعت يدها على صدغها تحاول التخفيف من المها وهي مستمرة في التقدم , اثناء مسيرها استوقفها صوت الحاجة هناء في الرواق الواسع المؤدي الى غرفتها , الحاجة التي كانت تلحق بها لتقول بصوت معبر 

-شكرا لك يا ابنتي , الليلة اكتملت بفضل اغانيك وادائك الرائع 

ابتسمت نور ابتسامة غضنها الالم 

-بل جمال العروس ما جعل الحفل ينجح 

ردت الحاجة بثقة 

حتى العروس ستخبرك ان ليلتها نجحت بفضلك 

اومات نور براسها حركة جعلت المها يزداد , وبخت نفسها داخليا لغبائها مخفية ما تمر به 

-شكرا لك سيدتي , انه لشرف لي ان اشارككم فرحتكم بابنتكم 

قالت الحاجة بصوت العارف والمتاكد مما يقوله 

-اعلم جيدا انك لا تغنين في حفلات الزواج او الخطوبة , اعلمي انني اكثر من ممتنة لانك جعلت من حفل ابنتي استثناء 

ثم امسكت بذراعيها لتطبع قبلة دافئة على كل من وجنتيها , تفاجات نور من الحركة وتجمدت في مكانها جاهلة الخطوة التي عليها اتخاذها فتركت نفسها للمراة الاخرى تقودها 

-بارك الله فيك يا ابنتي وشكرا مرة اخرى 

ثم ابتعدت الحاجة عائدة ادراجها تاركة نور وسط دوامة مشاعرها المتخبطة 

استبدلت فستانها الحريري بقميص ابيض مخرم وسروال جينز ازرق , بعد ان ابتلعت قرصين مهدئين , كانت الملابس التي اختارتها في منتهى البساطة تتعارض كليا مع الفستان الفخم الذي ارتدته للحفل , تركت شعرها مسترسلا وحملت حقيبة يدها الصغيرة مسرعة للحاق برافت الذي ينتظرها خارجا في السيارة , بينما تركت مهمة جمع اشيائها لمساعدتها . ما ان فتحت الباب وهمت بالخروج حتى احست بيد تطبق على ذراعها مانعة اياها من التحرك , اجفلت من الحركة ونبضات قلبها تتسارع لتحدث طنينا باذنيها , الصوت الذي ترامى الى مسامعها لم يغير من ايقاع ضربات قلبها فقط بل حول مشاعرها من الهلع الى الاثارة لتحس بصداه يتردد كمعزوفة موسيقية لحنت خصيصا لاجلها 

-انتظري 

موجة الاثارة التي اجتاحتها سرعان ما تحولت الى موجة من الغضب الاسود وصور احتضانه لتلك المراة وهما يتمايلان على انغام اغانيها هي تكتسح ذاكرتها كي تنشر متتالية من الالم والجرح العميقين داخلها فصرخت ثائرة وهي تستدير بعنف ضاربة بيده التي تمسكها 

-ماذا تظن نفسك فاعلا ؟ لقد اخفتني 

لم يعلق على كلامها واكتفى بالتحديق اليها بغموض , ظلا واقفين هناك بدون حراك وبدون كلام , كانت اعينهما ما يتحدث , هي تلومه بصمت على اهتمامه باخرى وهو يحاول استشفاف حقيقة ما احسه , هل فعلا ما راه في عينيها غيرة ؟ ام انه مجرد ثورة لغرور امراة وجدت نفسها في تنافس مع اخرى ؟ وقفا لفترة طويلة كالصنمين ولم يحاول اي منهما انهاء حالة الصمت التي اكتنفتهما , كانهما جزاين من ديكور الردهة الواسعة , هي انتصبت شامخة وراسها عال بكبرياء مع تقطيبة تعلو وجهها وشفتيها مزمومتين بينما جسدها متحفز لادنى حركة تصدر عنه , اما هو فوقف ساكنا مظهره لا يفضح شيئا مما يعتمل داخله , ارتفاع حاجبه الايسر فقط ماخان حدة مزاجه وتفكيره العميق . فجاة , دوى رنين هاتفها النقال , ليخرجهما من الحالة الجامدة , ردت بصوت مرتعش 

-نعم رافت 

-............................ 

-انا اسفة ساتي الان 

اعادت الهاتف الى حقيبتها وهي تستدير مغادرة , صوته الاثير اوقفها 

-ارجوك لا تذهبي 

الرجاء في صوته لمس شغاف قلبها لتبقى متسمرة في مكانها , اقترب منها ووقف مقابلا لها قبل ان يهتف متسائلا 

-ما بك ؟ لم تحاولين الهرب مني ؟ 

رفعت نظرها لتحدجه بنظرات ناقمة 

-او تسالني ؟ 

نظراته حملت بين طياتها الصراع الذي يتردد داخله 

-اشرحي لي , ان كنت ارتكبت خطا ما اخبريني , لا تصدري حكمك دون ان تسمعيني , ناقشيني , امنحيني ولو احتمالا صغيرا ببراءتي 

كلامه احدث هزة كهزة تسونامي داخلها , ليمتقع لونها وتحس بنغزة في قلبها دفعت بارتجافة ترددت في سائر كيانها , حالتها الفجائية دفعت الذعر الى اياد الذي سارع الى اسنادها وهو يراها تترنح , ساعدها للجلوس على مقعد قريب قبل ان يحمل اليها كوب ماء شربته دفعة واحدة لتروي عطش روحها الضمانة ابدا , امسك بيديها محاولا تهدئة رعشتهما قبل ان يتمتم بصوت عكس اهتمامه وقلقه 

-نور هل انت بخير ؟ هل تشكين من شيء ؟ انها المرة الثانية التي يحدث لك فيها هذا الشيء , هل استدعي طبيبا ؟ 

تاملت وجهه المتغضن بعلامات القلق دون ان تفهم كلمة مما كان ينطق به , كل ما كانت تفكر به هو كلماته التي اخذت تتكرر مرارا وتكرارا في ذهنها كشريط عتيق تعطل على زر الاعادة ليظل يعيد نفس المقطع لساعات وساعات " , ان كنت ارتكبت خطا ما اخبريني , لا تصدري حكمك دون ان تسمعيني , ناقشيني , امنحيني ولو احتمالا صغيرا ببراءتي " , هذه الكلمات البسيطة احدثت بها جرحا عميقا يضاف الى جروحها السابقة , لقد كان لها مفعول النصل الحاد الذي شطر بلا رحمة قلبها الى نصفين . هذه العبارات حملتها الى ماض سحيق حاولت بكل جهدها واده داخلها , عادت بها ذاكرتها الخائنة الى مكان غير هذا واحداث مماثلة , ترى هل تبادر الى ذهن زوجها هذا الكلام قبل ان يصدر حكمه بالاعدام في حقها ؟ هل توقف لثانية واحدة ليفكر في احتمالية ظلمه لها ؟ هل تراها يوما طرات على فكره في هذه الاعوام الستة ؟ هل تراه انشغل مرة واحدة بمصيرها ؟ اغرورقت عيناها بالدموع وهي تجيب بنفسها على سؤالها :لا قطعا لا , لم يكلف نفسه بالتفكير بهاو اهدار وقته للقلق عليها , كل ما فعله انه منحها البطاقة الحمراء ليطردها بعيدا عن حياته . انتبهت الى اليد الناعمة التي تمسح دمعة تسللت خارج محجر عينها بحنو ثم احست بذراعه تجذبها الى صدره الصلب ليطبع قبلة دافئة على اعلى جبينها بينما يده الاخرى تربت برقة على ظهرها , استسلمت لحضنه الدافئ فروحها عطشى للمسة حنان , تركت نفسها تنهل من عطفه ورقته فمنذ امد بعيد لم يعاملها احدهم بهذا الحنان , لا تتذكر اخر مرة نعمت فيها بهذا السلام الذي غمر روحها قبل قلبها . بعد لحظات طويلة رفعها اياد عنه وهو يعيد تقبيل جبينها ثم امسك بوجهها بين كفيه كي يهتف بصوت يشوبه الندم 

-انا اسف , لن اعيد تكرار ما فعلته , اعترف انني اردت استفزازك , لكن هدفي كان نبيلا , اردت فقط التاكد من مشاعرك نحوي 

ثم اعاد طبع قبلة ناعمة على جبينها ليقول بعدها بصوت ماكر 

-ولمعلوماتك , الفتاة التي رايتها بصحبتي هي ابنة خالتي وانا اعتبرها كاخت صغرى لي 

المعلومة التي نقلها لها لم تمح شيئا من الالم المحفور على قسماتها , فان كان هو يراها كاخت , فابنة خالته تعتبره شيئا اخر الا ان يكون اخا لها , تاملته مليا بنظرات يدبغها الانين لتتمتم بصوت مجروح 

-الخيانة تميت القلب وانعدام الثقة يغتال الروح , لا تكرر ما فعلته اليوم حتى لو كان مزاحا 

رماها بنظرات عميقة مفكرة قبل ان تلمع عيناه فجاة بادراك 

-يا الهي ؟ لقد خانك , اي رجل معتوه يفكر بخيانة وردة ندية مثلك ؟ 

حدجته بنظرات غامضة مليا قبل ان تقول بصوت يقطر مرارة وكرها 

-رجل كذب في حبه ووعوده , رجل اعمى عن الحب والحقيقة 

ثم قامت بعنف , وامسكت بحقيبتها , قام بدوره وهو يحاول استيعاب ما اكتشفه للتو , قال بصوت راج وهو يشاهدها تتوجه الى الباب دون ان تلقي عليه نظرة واحدة 

-هل يمكنني رؤيتك غدا ؟ 

اجابت وهي تواصل طريقها خارجا بصوت تطغى عليه اللامبالاة 

-لا 

كانت كلمة واحدة مختصرة , دفعت به الى الاسراع والوقوف بوجهها سادا عليها طريق الخروج ليردد بصوت عازم مصر 

-اي كان مافعله زوجك السابق بك فانا لست مثله 

اجفلها رده لتقسو نظراتها وتحاول الابتعاد , لم يسمح لها بالانسحاب فامسك بكلا ذراعيها , اشاحت بنظراتها بعيدا عنه فقال بصوت صارم 

-انظري الي 

لم تستجب له فهزها بعنف مدركا انه ان لم يسوي سوء الفهم الذي حدث بينهما فسيفقدها الى الابد 

-قلت لك انظري الي 

صوته الراعد اجفلها لتنظر اليه تلقائيا وعيناها تلمعان بحنق بارد 

امتعته استجابتها ليواصل بصوت اجش 

-لنترك الماضي , فلنتحدث عنا , انا وانت فقط . ارجوك لا تدعي ما حدث الليلة يقف عائقا بيننا 

تكلمت بصوت منهك من احداث هذا اليوم وهي تكتم غصة سكنت قلبها 

-اسمع انا حقا متعبة واحتاج الى الراحة , لا قدرة لي على الكلام الان , هلا اجلت نقاشنا الى وقت لاحق 

اثاره ضعفها ولام نفسه على قسوته معها لكن ذلك لم يمنعه من ابتزازها 

-موافق لكن بشرط 

حدجته بنظرات متميزة من الغيظ لتقول بصوت مستنكر -ماذا تظن نفسك يا هذا ؟ رماها بنظرات خبث وهو يقطب جبينه علامة الجدية 

-حسن ان كنت تريدين المغادرة فليس امامك حل سوى القبول , صراحة انا لا امانع ان قضيت الليل ضاما اياك بين ذراعي 

قال جملته الاخيرة وهو يقلص المسافة بينهما مهددا حتى تخضع لشرطه 

صاحت من بين اسنانها وهي تحاول تكبير المسافة التي قلصها لتوه 

-اوكي اوكي انا موافقة فلتبتعد 

نظر اليها بمكر مستمتعا باستسلامها 

-نو ليس قبل ان تعديني بلقائنا غدا 

اجابته على مضض وهي لازالت مستمرة في محاولتها للتملص من قبضته 

غدا لا استطيع , لدي ارتباطات مسبقة 

رد بسرعة وهو يحكم قبضته عليها 

-اذن بعد غد وهذا اخر كلام عندي 

رمته بنظرات قاتلة وهي تومئ براسها موافقة , رضوخها بعث باحساس لذيذ الى قلبه , فابتعد مرغما وهو يطلق تنهيدة طويلة فقد كان يفضل رفضها حتى يحتفظ بها بين ذراعيه وينعم بدفئها .

ما ان افلت قبضتها حتى ابتعدت بسرعة صاروخية وهي تشق طريقها مغادرة , راقب مشيتها المتمايلة وصوت احتكاك كعبيها بالارض يتردد صداه في القاعة كنغمة موسيقية تنعش قلبه , حينما وضعت يدها على مقبض الباب الكبير للفيلا ناداها بصوت اجش 

-نور 

استدارت مستجيبة له وملامحها يغلفها الغموض فغمغم بصوت تشوبه نعومة خادعة 

-سانتظرك بردهة فندقك 

قبل ان تقسو نظراته ويردف بصوت صارم 

-واقسم ان لم تحضري ساقلب الدنيا حتى اجدك 

تهديده الصريح ارسل لها رعشات هلع بينما القسوة المتمثلة في قرارة عينيه رفعت وتيرة نبضها , خرجت شبه راكضة وهي تلعن الساعة التي فكرت فيها في ايقاعه في شباكها 


.................................................. .................................................. ..................

-حبيبي مابك؟ 

سالت سامية وهي تجلس في حضنه , لقد لاحظت شروده منذ ان بارك لاخته , اعتقدت انه متاثر من فراقها الوشيك , لكن الامر تعدى ذلك مما جعل القلق يتسرب الى نفسها , رد عليها بصوت مشتت وهو يستقبلها في احضانه 

-لا شيء حبي 

ضمته الى صدرها بحنان ملامسة بخدها خده بنعومة وهي تتمتم بصوت اجش 

-هيا حياتي , الن تشرك حبيبتك همومك ؟ 

تاوه وهو يضغط بخده على خدها مستنشقا عبيرها الفواح مباعدا شعيراتها عن مرمى قبلة طبعها على عنقها ثم اطلق تنهيدة مطولة كشفت عن مدى سوداوية ما يفكر به 

-لقد تذكرتها 

ابتعدت عنه سامية بسرعة كمن لدغته افعى ونظراتها تشتعل من الغيرة لتسال بصوت منفعل 

-تذكرتها ؟ من تقصد ؟ 

ردة فعلها العفوية التي كشفت عن مدى غيرتها عليه دفعت بضحكة استمتاع الى شفتيه , قرص انفها بخفة وهو يردد بصوت متسل 

-حبيبتي الغيورة 

ضربت يده بكفها وهي تقول بحنق 

-لا تغير الموضوع , من تقصد بكلامك ؟ 

سؤالها محى نظراته المستمتعة بغيرتها ليحل الوجوم من جديد بمعالم وجهه ثم هتف بصوت يغلفه الاسى 

-شهد , تذكرت شهد , كانت ملاحظة بسيطة من نسرين احيت الماضي برمته 

تبدلت ملامح سامية بدورها ليسكن الحزن العميق مقلتيها وترتجف شفتاها معلنة عن قرب موجة من الدموع لتنفجر سريعا في بكاء متشنج , ضمها سعيد الى صدره مواسيا 

-اسف حبيبتي ماكان علي ان اتحدث بالموضوع امامك 

مسحت عينيها سريعا متظاهرة بالشدة والقوة وهي تغمغم من وسط دموعها المنهمرة بسخاء 

-لا حبيبي الخطا خطئي , انا بلهاء لا استطيع التحكم بمشاعري 

قبل ارنبة انفها بدفء وهو يفضفض 

-لا ان الذنب ذنبي , اعلم مدى تعلقك بها ومع ذلك اثرت الا ان اجدد جراحك 

هذه المرة لم تحاول التظاهر بالقوة بل استسلمت لموجة بكائها وهي تدفن راسها في صدره , استقبلها بحنان كبير وجد في قلبه من اجلها هي فقط , امتدت يداه لتربت على ظهرها برقة . بعد فترة زمنية اتاه صوتها مبحوحا 

-لم تكن لي ابدا ابنة خالة بل الشقيقة التي لم تلدها امي , كانت صديقتي الوحيدة , بئر اسراري ومرتع احزاني كانت تفهمني بمجرد نظرة , لم اكن يوما مجبرة على شرح مشاعري لها , كنت بمثابة كتاب مفتوح تجيد قراءته ببراعة , هل تعلم انها اول من لاحظ عشقي لك ؟ لقد استنبطت مشاعري قبلي انا ؟؟؟ لم يحدث يوما ان خبات عني احد اسرارها , كنا لبعضنا ككتاب مذكرات , كل منا تسجل للاخرى اهم لحظاتها واعمقها تاثيرا ؟ رغم ما حدث ورغم ماقيل لن اصدق حرف سوء عنها , انا اعرفها كما اعرف نفسي 

احست بجسده يتشنج بين ذراعيها ليفك ذراعيها الملتفتين حوله ويضعها برفق على السرير , اقترب من النافذة كي يتامل الافق البعيد وتفكيره شرد بعيدا , حدقت سامية في الغرفة الواسعة وعبراتها تنساب كشلال , شاهدت الديكور البسيط الذي يطبعه اللون الابيض والخزانة الكبيرة التي غطت جدارا باكمله بنظرات تائهة قبل ان تلملم شتات نفسها وتقول بصوت واثق 

-انها ابدا لم ترتكب شيئا مما اتهمت به , تعلم جيدا في قرارة نفسك انها بريئة 

تشنج كتفيه هو الحركة الوحيدة التي صدرت منه قبل ان يستدير حادجا اياها بنظرات تحمل بين طياتها غضبا باردا محذرة اياها من الخوض بهذا الموضوع , نظرات لم تدفعها للتراجع عما قررت فعله , نهضت من مكانها وهي تعدل لباسها الليلي الاسود المثير, ارجعت شعرها الذي عاث به الى الوراء وهي تقول بحزم 

-هذه المرة لن التزم الصمت , اجل انها بريئة وكلكم ظلمتموها 

ثم رفعت اصبعها مشيرة اليه والشرر يتطاير من عينيها 

-وانت , انت دونا عن الكل كانت تثق بك ثقة عمياء , وماذا فعلت لحمايتها ؟ 

اطلقت ضحكة مجلجلة مستهزئة وهي تدور في مكانها قبل ان تزم شفتيها وتصرح كازة على اسنانها 

-لم تفعل شيئا 

صرخت باعلى صوتها ونظراتها التي غطتها الدموع تحمل اتهاما صريحا وواضحا 

-لم تفعل شيئا , كانت اختك التي تحبك اكثر من نفسها ولم تحرك ساكنا للدفاع عنها , لقد خنتها خنت ثقتها 

-يكفييييييييييييييييييييي 

هدر صوته هائجا وعيناه تظللهما حلكة ليل دامس لم يعرف نور القمر , كان صوته كصوت رعد في ليلة عاصفة , جعلها تجفل مرتعشة لتنكمش على نفسها في حركة دفاعية من غضبه العاصف , لم يسبق لها ان راته في حياتها بهذا الشكل , تراجعت خطوة الى الوراء وهي ترى عينيه تلمع بوحشية قبل ان يزمجر قائلا 

-انا لم اخنها , هي من خانتني بل خانتنا جميعا 

كان يتحدث وهو يقترب منها بخطوات ليث متربصة يستعد للانقضاض على فريسته واصل تقدمه وهو يردف بصوت بقطر كرها ومرارة 

-تذكري ان كل الادلة كانت ضدها 

استجمعت شجاعتها وهي ترفع راسها عاليا لمواجهته وتقول بصوت متهكم 

-ادلة ؟ عن اي ادلة تتحدث ؟ تقصد كلام تلك المعتوهتين اللتين لم تكرها احدا كما كرهتاها , هل فعلا تصدق هند وضحى ؟ 

قالت جملتها الاخيرة باستهجان وهي تكاد تتميز من الغيظ , تاملها بهدوء بارد قبل ان يرد عليها 

-اجل اصدقهما وعليك انت ايضا تصديقهما وانا احذرك من التطرق لهذا الموضوع مستقبلا 

كان الان يقف قريبا منها يشرف عليها من قامته المديدة التي تفوقها , تاملا بعضهما لمدة طويلة بصمت , كان مجردا من الانسانية في مظهره المهيب بمنامته المفتوحة من الصدر وشعره المشعث , بدا لها كقرصان من القرون الوسطى بوسامته التي بدت جلية رغم جرم نظراته وقسوتها , لم يسبق لهما ان تعارضا بالراي في مسالة مهمة كهذه , رغم حبها الشديد له وهيمانها به , الا انها ابدا لم تغفر له موقفه من حبيبة قلبها شهد , لقد اثارها بسلبيته الباردة , كان الوحيد القادر على مد العون لها , لكنه خذلهما معا , حينما حدثت الماساة , كانت هي وشهد متاكدتين بل مؤمنتين به , لكن الحقيقة كانت قاسية وهما تصطدمان بارض الواقع , ولولا عهدها لابنة خالتها الغالية التي حلفتها الا تغضب منه , لكانت اتخذت منه موقفا قد يصل الى الانفصال , فهي ماعادت تثق به تلك الثقة العمياء التي ميزته بها منذ نعومة اظافرها , تاملته مطولا غير عابئة بالسهام المسمومة التي يرميها بها ثم سالته بصوت مخنوق 

-اخبرني شيئا , لو كنت انا مكانها , هل كنت لتتخلى عني كذلك ؟ 


🏵🏵🏵🏵🏵

»»»»»»»الفصل التالي«««««««

»»»»»»»الفصل السابق«««««««

»»»»»»العودة للألبوم«««««««









تعليقات